يوميات صائم... أسئلة في الخلاص والنجاة
10 رمضان 1431
د . ديمة طارق طهبوب
لطالما وجدت فكرة المخلص The Redeemer الذي يتحمل أوزار الناس و يشفع لهم سواء أكان نبيا أو وليا أو صالحا رواجا في الثقافة البشرية، و إن كان أصلها جاء في بعض الأديان فإن الثقافة الشعبية في أوقات الهزائم و تفشي الجهل شهدت موجات من إحياء تعلق الناس بهذه المفاهيم التي كانت و ما زالت تتجلى في تعظيم و تبجيل الأولياء و الصالحين و الاعتقاد بنفعهم و ضرهم و اتخاذهم واسطة الى الله في تحقيق الحاجات، و لعل الإسلام تقدم الأديان و المذاهب جميعا في تحرير العقل من سلطة الخرافة و تكريمه بحرية الاختيار التي تنبع منها المسؤولية حيث جعل العقل مناط التكليف و المحاسبة و ألغى الواسطة بين العبد و ربه حتى لو كانت في جلالة الرسل و الأنبياء
 
و جعل عمل الإنسان يعود عليه بالحسنات و السيئات دون أن يحمل أحد وزر أحد و لو مثقال ذرة و لو كانت أم عن وليدها أو ولد عن أمه اذ قال الله تعالى:" و لا تزر وازرة وزر أخرى و ان تدع مثقلة الى حملها لا يُحمل منه شيء و لو كان ذا قربى"
 
و ان كانت الخطوط العامة في الخلاص و النجاة بهذا الوضوح فإن هناك بعض المفاهيم التي تستحق التساؤل: هل الخلاص و النجاة أمر فردي أم جماعي؟ هل تربي النصوص، قرآنا و حديثا و سيرة و فقها،المسلم على خلاص نفسه أم خلاص أمته؟ و للإنصاف فإن المقاربة بين بعض النصوص تجمع الأمرين، و ان كانت للوهلة الأولى و للقارئ غير المستبين قد تشي بعدم إمكانية تحققهما سويا
 
إن أول ما يطالع المتفكر سورة الفاتحة التي تتكرر عشرات المرات في يوم الفرد المسلم في أخص صور العلاقة بين العبد و ربه ألا و هي الصلاة، فالحديث القدسي يبين أن الفاتحة مناجاة قُسمت بين حمد و ثناء و دعاء و استعاذة يقولها العبد ليرد عليه المولى سبحانه و تعالى بالإجابة، و في هذه المناجاة الجهرية أحيانا و السرية أحيانا أخرى و التي لا تكتمل الصلاة الا بها يخاطب العبد الفرد الوحيد و لو كان في صلاة الجماعة أو صلاة فرديه ربه بضمير الجمع فيقول" إياك نعبد و إياك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم" أتراها إشارة ربانيه متكررة تطرق على قلوب و آذان المسلمين أن النجاة جماعية يمثلها صراط مستقيم لجماعة استقامت على طريق الله؟
 
في ضوء سورة الفاتحة كيف اذن نفسر قوله تعالى" يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل اذا اهتديتم"؟ لا يستوي كما يستفيض ابن القيم شرحا في كتابه مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد و إياك نستعين حصر اهتمام المسلم بنجاته الشخصية فقط دون الاهتمام بهلاك الناس أو صلاحهم، فهل يمكن تفسير الأية بأنها نوع من تطيب خاطر المؤمنين الذين استنفذوا الجهد الجهيد في الدعوة الى الله و لم يحصلوا الإجابة كما طيب الله من قبل خاطر إمام الدعاة المصطفى صلى الله عليه و سلم بقوله" فلا تذهب نفسك عليهم حسرات"
 
وقد ينحصر تفسير الأية في أوقات الفتنة كما ورد في الحديث:" عن أبي أميةقال : سألت أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية؟ (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لايضركم من ضل إذا اهتديتم)قال: أما والله لقدسألت عنها خبيراً، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (بل ائتمروا بالمعروفوتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيتم شحا مطاعاً وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذيرأي برأيه، فعليك بنفسك، ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أياماً الصابر فيهن مثلالقابض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم قلنا: منا أم منهم؟قال: بل منكم)
 
هل يمكن أن يؤخذ مفهوم النجاة الفردية كأسلوب تربية يزيد في ورع الفرد المسلم و خوفه من ربه و محاسبته لنفسه؟ في هذا يذكر الدكتور عماد الدين خليل في كتابه معالم الانقلاب الإسلامي في خلافة عمر بن عبد العزيز أن نفس عمر العابد الزاهد ظلت تنوء بأعباء الخلافة و الخوف من تبعاتها و كان يكرر نصيحة وعظه بها أحد الرجال فقال له:" يا أمير المؤمنين ما ينفعك من دخل الجنة إذا دخلت أنت النار و ما يضرك من دخل النار إذا دخلت أنت الجنة" و هذا في ظاهر النص إغراق في الاهتمام بفردية النجاة و لكن واقع الممارسة الحياتية لعمر ألحقت خلافته بالخلافات الراشدة في خدمة المسلمين و قضاء حوائجهم مع تقطيره و تشديده على نفسه و أهله
 
هل كان انغماس صلاح الدين الأيوبي في شأن الجهاد و الفتح حتى أُثر عنه أنه لم يضحك حتى تحررت القدس و أنه كما وصفه أحد أصحابه لا ينام و لا يُنيم لقدر ما اهتم و انغم و استصعب الملم نسيانا لأمر خلاصه الشخصي مقابل تفكيره و عمله للإسلام و المسلمين، ألو حبس نفسه في صومعة أو زاوية مسجد متهجدا متبتلا أكان تحقق للمسلمين أي من فتوحاتهم و انتصاراتهم التي دخل بعدها الناس في دين الله زرافات و وحدانا؟
 
ماذا كان سيحصل لأحوال المسلمين لو امتنع أي من الأئمة الأربعة خوفا من الخطأ و رغبة في عتق رقابهم من النار عن الإفتاء و الاجتهاد و القياس و غيرها فيما لم يرد به نص؟
لعل القول البين في هذه المسألة ورد في الآية في محاورة بين الدعاة و أقوامهم الذين يستغربون إصرارهم على الدعوة دون طائل" و اذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة الى ربكم و لعلهم يتقون فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء" فالآية تبين صراحة أن النجاة مقصورة على الدعاة الذين يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر
 
فطلب الخلاص و النجاة يبدأ كعقد فردي بين العبد و ربه يبين ذلك دعاء الرسول صلى الله عليه و سلم المأثور" اللهم إني أسألك الجنه.." و لكن هل ينتهي الدعاء بأمنية تختلج في الصدر فقط أم يلحق به "و ما قرب إليها من قول و عمل و أعوذ بك من النار و ما قرب اليها من قول و عمل" و أين يكون هذا القول و العمل الذي يوصل للجنة و يُنجي من النار؟ هل يتحدث المسلم مع نفسه و يعمل في إطار مغلق أم يبلغ آية و يسعى و يعمل و يجاهد ليحصل بحبوحة الجنة بلزوم جماعة المسلمين كما ورد في حديث آخر؟
 
هل المقصود بفردية النجاة التركيز على لوم النفس و اتهامها بالتقصير الدائم في جنب الله حتى لا تركن للدنيا و تطمئن الى عملها كما كان أبو بكر رضي الله عنه و هو من المبشرين بالجنة يخاف أن يضع قدمه اليمنى في الجنة و لا يضع اليسرى و لكن لما جاء أوان أمر الأمة و نجاة دين الإسلام وقف أسدا هصورا يقول" لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه الى رسول الله لقاتلتهم عليه و الله لاقاتلن من فرق بين الصلاة و الزكاة"
 
إن صحة فقه المسلم لمفهوم النجاة الفردية ينتج بالضرورة عملا نحو تحقيق النجاة الجماعية للإسلام و المسلمين لأنهما توأمين تخلقا في نفس الرحم لا حياة لأحدهما دون الآخر
و يبقى الأمر بحاجة الى ترسيخه من علماء الأمة حتى لا تُؤخذ العزلة و الاعتزال رغبة في النجاة و الهرب من تحديات الواقع كملاذ للشباب اليائس من إمكانية التغيير بل لتصبح مرحلة وقتية تشحن الإيمان و الطاقة للانغماس في المجتمع لتنتج على نهج الأولين رهبان الليل فرسان النهار