ما كان لله بقى ..الإخلاص في التأليف 1\2

نقل ابن عبد البر في التمهيد قصة تأليف مالك لموطأه فقال: (قال المفضل بن حرب: أول من عمل الموطأ عبد العزيز بن الماجشون: عمله كلاماً بغير حديث، فلما رآه مالك قال: ما أحسن ما عمل ولو كنت أنا لبدأت بالآثار ثم شددت بالكلام، ثم عزم على تصنيف الموطأ فعمل من كان بالمدينة يومئذ من العلماء الموطآت فقيل لمالك: شغلت نفسك بعمل هذا الكتاب وقد شركك فيه الناس وعملوا أمثاله؟ فقال: ايتوني به فنظر فيه ثم نبذه وقال: لتعلمن ما أريد به وجه الله تعالى. قال: فكأنما ألقيت تلك الكتب في الآبار)([1])ا.هـ

وقال ابن عبد البر أيضاً: (وبلغني عن مطرف بن عبد الله النيسابوري الأصم صاحب مالك أنه قال: قال لي مالك: ما يقول الناس في موطئي فقلت له: الناس رجلان محب مطرٍ وحاسدٍ مفتر، فقال لي مالك: إن مد بك العمر فسترى ما يراد الله به) ([2])ا.هـ.
وروي أنه لما ألف مالك موطئه  قيل له: ما الفائدة في تصنيفك؟ فقال: (ما كان لله بقي)، ذكر ذلك السيوطي في تدريب الراوي.
وحال مالك: كما قال ابن المبارك:
إني وزنت الذي يبقى ليعدله... ما ليس يبقى فلا والله ما أتزنا

قلت: سبحان الله اندثرت تلك الموطآت ولم يبق إلا موطأ مالك، ومع أنه بقي طول هذه المدة إلا أن العلماء وقَّعوا على الكتاب وشهدوا على جلالته، واعتنوا به اعتناء منقطع النظير، فيقول الإمام عبد الرحمن بن مهدي: (ما نعرف كتاباً في الإسلام بعد كتاب الله عز وجل أصح من موطأ مالك) ([3])، والشافعي يقول:(ما كتاب بعد كتاب الله عز وجل أنفع من موطأ مالك رحمه الله)([4]).

قال ابن خلدون في مقدمته: (وتلقت الأمة هذا الكتاب بالقبول في مشارق الأرض ومغاربها ومن لدن صنف([5]) إلى هلم([6])، وطال ثناء العلماء في كل عصر عليه ولم يختلف في ذلك اثنان...) ([7]).

 وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء: (وإن للموطأ لوقعا في النفوس، ومهابة في القلوب لا يوازنها شيء...) ([8])، وقال في موضع آخر: (وما زال العلماء قديما وحديثا لهم أتم اعتناء برواية "الموطأ " ومعرفته، وتحصيله)([9]).

 

قلت: وقد صنفت موطئات كثيرة في زمن مالك، ولم تكن في الحجم والكبر دون موطأ مالك، ولكن لم يكتب الله لها الدوام والاستمرار كما كتب لموطأ مالك، ومنها موطأ ابن أبي ذئب، قال الدار قطني: (كان ابن أبي ذئب صنف موطأ فلم يخرج)([10])، ومنها موطأ ابن وهب تلميذ مالك: قال الذهبي: (قلت: موطأ ابن وهب كبير لم أره)([11]).

 

  قلت: وإن الله تعالى كتب لعبارة مالك تلك: (ماكان لله بقي) البقاء كما كتب لكتابه الموطأ، فصارت مثلاً، كما كان موطئه جبلا.

 

ولقد كانت تلك العبارة تشدني كثيراً، وتلوح لي عند كتابة أي حرف على قرطاس، وكم استوقَفَتْ نفسي لتتصارع معها فيما يخطه المداد، هل سيذهب أدراج الرياح، أم سينفع الله به، وهي هموم تجول في خواطر أولي النهى على ما اعتادته النفوس البشرية وهو أمر طبعي، لكن النفوس المريضة التي تبحث عن الشهرة- لا جعلنا الله منهم- تجول في خواطرها كم عدد القراء؟، وماذا يكون رد فعل الجمهور؟، وتتطلع إلى ثناء الناس ومديحهم، قال ابن الجوزي في صيد الخاطر: (ومتى نظر العامل إلى التفات القلوب إليه فقد زاحم الشرك نيته؛ لأنه ينبغي أن يقنع بنظر من يعمل له، ومن ضرورة الإخلاص ألا يقصد التفات القلوب إليه، فذاك يحصل لا بقصده بل بكراهته لذلك... فأما من يقصد رؤية الخلق بعمله فقد مضى العمل ضائعاً؛ لأنه غير مقبول عند الخالق ولا عند الخلق؛ لأن قلوبهم قد ألفتت عنه، فقد ضاع العمل، وذهب العمر) ([12]).

 

   وأما أولي الخفاء والإخلاص فإنهم يقذفون بالحق بإخلاص غير مبالين بما يقوله الأنام، فينفع الله فيه، ويدمغ به الباطل بقدر إخلاصهم ويقينهم حين تصنيف الكتاب.

 

 ولقد أوضح الإمام مالك رحمه الله لكل مؤلف ومصنف بعده منهجاً كان مرسوماً ممن قبله، يقوم على أن أي كتاب يراد له البقاء على مر العصور فلا بد أن يكون القصد فيه لله دون قصد الثناء أو الاعتلاء على أكتاف الآخرين، والله عليم بذات الصدور، ولما صدق مالك مع الله في كتابه هذا أبقاه الله، وبقدر إيمان العبد وإخلاصه في التأليف يقع به النفع، ويكون البقاء، فإن عظم إخلاصه كثر ذكر كتابه وتردده على الألسن، وكلما ضعف الإخلاص ضعف تأثير الكتاب في الناس، وقل ذكر الألسن له.

 

والإخلاص كما يقول أهل السلوك درجات بعضه فوق بعض، وليس على مرتبة واحدة، وما كان للشيطان فليس له دوام، ولكنه زبد يذهب جفاء: ( فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض...)، قال الجاحظ واصفاً بعض الكتاب: فتأمَّل الكتَّاب ...إن ألقيت عليهم الإخلاص وجدتهم كالزَّبد يذْهب جُفاءً، وكنبْتة الربيع يُحرقها الهيْف من الرياح؛ لا يستندون من العلم إلى وثيقةٍ، ولا يدينون بحقيقةٍ؛ أخفر الخلق لأماناتهم، وأشراهم بالثمن الخسيس لعهودهم؛ الويل لهم مما كتبت أيديهم وويلٌ لهم مما يكسبون) ([13]).

 

كما أوضح لنا الإمام مالك في مقولته تلك أن من أخلص عمله لله وقصد بكتابه وجه الله لم يلتفت إلى كلام المثبطين، ولم يخش لوم اللائمين، ولا نقد الفارغين؛ لأن من خاف ملامة الناس ترك كثيراً مما كان لله فيه رضا، وكان خوفهم فوق خوف ملامة الله، وهذا ما عمله الإمام مالك حيث لم يلتفت إلى كثرة الموطآت في المدينة، ولم يعر للنقد بالاً، ولم يقعده التثبيط عن تصنيف موطئه.

 

ولا يعني بحال أننا نجزم أن كل كتاب نفع الله به ظاهراً أن صاحبه كان به مخلصاً، ولا أي كتاب اندثر ولم يبق، أن في إخلاص مصنفه شيئاً؛ لأن أعمال القلوب علمها عند علام الغيوب، فقد يكتب الله البقاء الدائم لكتاب أراد مؤلفه منه الشر أو الحياة الدنيا أو ضعف إخلاصه فيه، ويُقيّض الله له من يعتني به ابتلاء وامتحاناً لمؤلفه أو لآخرين، وقد يكتب الله لكتاب آخر الفناء والانقطاع السرمدي ابتلاء وامتحاناً، أو رحمة لمؤلفه، وليس لضعف في إخلاصهم، وهذا الظن في السلف وكتبهم التي لم يكتب لها البقاء مثل موطأ ابن أبي ذئب وابن وهب وغيرهم.

 

   وقد يكون هناك من الأسباب النظرية التي تجعل الكتاب ينتشر ويشتهر دون غيره إضافة إلى أمر الإخلاص، وهو عناية التلاميذ، وكثرة الأصحاب والأتباع، وفي عصرنا الحاضر الدعاية الإعلامية، وحسن الطباعة والإخراج وغير ذلك من الأمور الظاهرية التي في الحقيقة وحدها ليست بشيء إذا انعدم معها الإخلاص، بل لا أبالغ إذا قلت إن وجود الإخلاص وحده كاف في إشهار الكتاب وبقاءه على مدار التاريخ، ولو بدون دعاية أو حسن طباعة، بل ربما تصير أقوال العالم كتباً على مدار التاريخ لم يسطرها بيده، ولكن سطرها الإخلاص لله، والصدق معه، والجهاد باللسان، فيقيض الله لكلامهم من يدونه فيكون كتاباً ينفع الله به المسلمين أجمع، وقد حفظ لنا التاريخ شيئاً كثيراً من ذلك، وتراثاً ضخماً من أقوالهم.

 

ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد الناس إخلاصاً في دعوته، وأعظمهم إيماناً، وأخشاهم لله؛ حفظ الله للأمة أقواله بل وأفعاله وتقريراته، وسيرته وغزواته، وكل صغيرة وجليلة من حياته، صلى الله عليه وسلم، مع أنه لم يدون كلامه صلى الله عليه وسلم في كتاب، ولا أمر به، بل نهى عنه حتى لا يختلط بالقرآن، فقيض الله لإمام المخلصين صلى الله عليه وسلم من يحفظ له أقواله وسنته، وقيض له من يحميها من التحريف والكذب من أئمة الجرح والتعديل، ومن يدونها في الكتب في عهد القرون الأولى، حتى بقيت إلى يومنا هذا، بقاء القرآن الكريم.

 

ولما سار الصحابة على نهج النبي (صلى الله عليه وسلم) في الإخلاص والدعوة والخشية لله أبقى الله لنا كثيراً من أقوالهم وأفعالهم بقدر إخلاصهم، فحفظت لنا كتب الآثار والمصنفات الكثير من أقوال أبي بكر وأفعاله؛ لأنه يأتي بعد النبي (صلى الله عليه وسلم) في الإخلاص واليقين، وهكذا عمر ثم عثمان ثم علي، وهكذا بقية الصحابة تزخر كتب المصنفات والآثار بتاريخهم وسيرهم وأحوالهم، يزيد بعضهم على بعض في الإخلاص وينقص، حتى صارت أقوالهم موضع قدوة واحتجاج واقتداء، وكذلك تلقى التابعون وأصحاب القرون المفضلة الثلاثة من الصحابة الإخلاص لله تعالى، فدون التاريخ مآثر وأقوال ثلة كبيرة من الصالحين والمخلصين منهم، فأضحت أقوالهم منارات تنير الطريق، وحكماً تزيد في الإيمان لم يجعلوها في كتب ولا مصنفات، ولا في دواوين ولا مؤلفات، حفظها عنهم التلاميذ والأصحاب فخلدها التاريخ لصدقهم وإخلاصهم، أمثال الحسن البصري وسعيد بن المسيب والسفيانين وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم، والنماذج من أقوالهم ومآثرهم التي خُلِّدت  كثيرة جداً لا تكاد تحصى، ولكن أشير إلى بعض المواقف التي تدلنا على مدى إخلاصهم في أقوالهم وكتاباتهم، فهذا حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس يتكلم في تفسير القرآن وبيان معانيه أمام حشد من المتلقين، ولم يدونه في كتاب له، بل لم يكن التأليف عندهم معهوداً، فيقضي الله تعالى أن تدون أقوال هذا الحبر في كتب التفسير ثم تفرد في كتاب مستقل بعد قرون يحمل اسم (تفسير ابن عباس رضي الله عنه).

 

 وموقف آخر يرويه ابن عساكر عن أبي سعيد رضي الله عنه، فقد روى عن عكرمة قال قال لي ابن عباس ولعلي ابنه انطلقا إلى أبي سعيد الخدري فاسمعا من حديثه، فأتيناه وهو في حائط له، فلما رآنا قام إلينا، فقال مرحبا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أنشأ يحدثنا، فلما رآنا نكتب قال لا تكتبوا واحفظوه كما كنا نحفظ...)([14])، ومع هذا النهي منه رضي الله عنه فقد حفظت لنا السنة أحاديثه التي رواها، وتولى الله إبقاءها.

وموقف ثالث من تلميذ نبيه لابن عباس وهو مجاهد كان يقول لأصحابه: ((لا تكتبوا عني كل ما أفتيت به، وإنما يكتب الحديث، ولعل كل شيء أفتيتكم به اليوم أرجع عنه غداً))([15])، ويريد الله تعالى أن يبقي لهذا العالم أقواله وآراءه، مع نهيه عن الكتابة عنه، ولم يؤثر هذا النهي في نقل علمه.

 

 وموقف رابع من أحد أتباع التابعين وهو الإمام مالك فقد أبقى الله لنا موطئه كما علمنا، كما أبقى لنا فقهه وعلمه وأقواله وأجوبته ظاهرة جلية في (المدونة) التي دونها تلاميذه وأشهرهم سحنون، ولم يكتبها في مصنف، وفي آخر جزء من المدونة لسحنون التعليق التالي: (كتبه ناسخ هذا الجزء:سمعت الكتاب, وكتبته بيدي, وسوف تبلى يدي ويبقى الكتاب)أهـ، وسبحان الله بليت اليد، وبقي الكتاب.

 

هذا الكتاب الذي يبقى لصاحبه ... ذكر يسار به في البدو والحضر
تَعَلَّمَنْ أنَّ الدواةَ والقلَمْ ... تَبقى ويُفْنِي حادثُ الدَّهر الغَنَمْ

وموقف خامس من الإمام الشافعي تلميذ مالك رواه ابن عساكر في تاريخه عن البويطي قال: قلت للشافعي: إنك تتعبنا في تأليف الكتب وتصنيفها والناس لا يلتفتون إليك ولا إلى تصنيفك ! فقال لي: (إن هذا هو الحق والحق لا يضيع) ([16]).

 

 وقال الشافعي: (ألفت هذه الكتب ولم آل فيها ولا بد أن يوجد فيها الخطأ؛ لأن الله تعالى يقول : "ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا" فما وجدتم في كتبي هذه مما يخالف الكتاب أو السنة فقد رجعت عنه)([17]).

 وقال الربيع: دخلت عليه وهو مريض فذكر ما وضع من كتبه، فقال: لوددت أن الخلق تعلموا هذه الكتب ولم ينسب إلي منها شيء أبداً) ([18])، وقال مرة: ( وددت أن كل علم تعلمه الناس أؤجر عليه ولا يحمدوني)، وهذه العبارات التي سطرها التاريخ تدلنا على المرتبة التي وصل إليها أولئك الأخفياء من الإخلاص حيث بلغوا منه المراتب العليا، حين تجردوا من حظوظ النفس ومبتغاها، فاستحقوا بعدها من عند الله ثمرة الذكر الحسن، والبقاء لكتبهم وأقوالهم بل ومذاهبهم وسيرهم، وهذه كتب الإمام الشافعي التي دونها بنفسه، أو دونها عنه تلاميذه باقية على مر العصور، وما كتابا الأم والرسالة عنا ببعيدين.

 

وموقف سادس من الإمام أحمد رحمه الله تلميذ الشافعي فقد كان يرفض مبدأ التصنيف والتأليف في الفقه تقديراً للكتاب والسنة، وكان يعتبر ذلك بدعة، وواضعها مبتدع([19])، ونهى أصحابه عن كتابة فتاويه، ويقول لهم: "خذوا من حيث أخذت"، ولم يؤثر عنه تأليف خاص من قوله إلا رسالة (الصلاة) ألفها لإمام مسجد رأى منه تقصيراً في الصلاة([20])، قال ابن القيم: (ولأجل هذا لم يؤلف الإمام أحمد كتاباً في الفقه وإنما دون أصحابه مذهبه من أقواله وأفعاله وأجوبته وغير ذلك)، ولم يكن لنهيه رحمه الله تأثير على حفظ مذهبه وأقواله وأجوبته، فشرع أصحابه بتدوين المسائل التي أفتى بها، فهناك مسائل الإمام أحمد لأبي داود، وأخرى لابن أبي هانئ، وأخرى لابنه صالح، وأخرى لابنه عبد الله...وأخرى، حتى نهيه عن الكتابة عنه حفظوه وبقي، فنفع الله بعلمه -الذي دونه أصحابه- الإسلام والمسلمين، وصارت أقواله مذهباً يذهب إليه طائفة كبيرة من العلماء، أبقاها الله تعالى لنا لإخلاص هذا الرجل وجهاده في ذات الله، وحاله في عجز البيت التالي:
إن تكتبوا نكتب وإن لا تكتبوا ... تأتيكم بمكانكم كتبي
بل لم يكتف التاريخ بتسطير أقواله، ولكن تُوج التاريخ بسيرته العطرة المليئة بالكفاح والجهاد بالحجة والبيان، والمليئة بالابتلاء والامتحان، بل وسطر التاريخ مشهد جنازته العظيمة التي صَدَقَ فيها مقولته الشهيرة، والتي أبقاها الله تعالى لنا على مدار التاريخ كما بقي علمه ومذهبه، وصارت مثلاً للعلماء لا ولن ينسى وهي: (بيننا وبينكم يوم الجنائز)([21])؛ لعلمه أنه على الحق، ولصدقه مع ربه، وثقته به، وإخلاصه له، فحقق الله له مناه، وخلد ذكره، ونصر به السنة، واستحق لقباً لم يسبقه عليه أحد: (إمام أهل السنة)
قال ابن كثير معلقاً على مقولته تلك (وقد صدق الله قول أحمد في هذا، فإنه كان إمام السنة في زمانه، وعيون مخالفيه أحمد بن أبي دؤاد وهو قاضي قضاة الدنيا لم يحتفل أحد بموته، ولم يتلفت إليه، ولما مات ما شيعه إلا قليل من أعوان السلطان...)([22]).
يا قائلاً قصُرَت في العلم نُهْيَتُهُ ... أمسى إلى الجهل فيما قال ينتسِبُ
إنَّ الأوائل قد بانوا بعلمهم ... خلافَ قولِك قد بانوا وقدْ ذهبوا

ما ماتَ منا امرؤ أبقَى لنا أدباً ... نكون منه إذا ما مات نَكتِسبُ

 

وهكذا بقية القرون التالية لم تخل من أولئك العلماء الأخفياء يدل على درجة إخلاصهم، شهرة كتبهم، وكثرة طباعتها، وقبول العالمين لها، أينما تتجه إلى بلد أو مكان تجد الكتاب، فهذا البخاري يصنف صحيحه الذي زاحم موطأ مالك ليبقى ذكره ليس بين العلماء فحسب بل بين العوام والصغار، ولا يزال العلماء من بعده يلهجون باسمه أو صحيحه في كتبهم، ودروسهم، ومحاضراتهم، وخطبهم، واجتماعاتهم، لا يكاد يخلو شيء منها من لفظة: (رواه البخاري في صحيحه، أو أخرجه البخاري، أو صححه البخاري، أو ضعفه البخاري...)، ولذا لما علم رحمه الله أثر الإخلاص وصلاح النية في بقاء الكتاب وقبوله لدى الناس صدر كتابه بحديث (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى...) فكان هذا الحديث أول حديث في كتابه مع غرابة إسناده كما هو مقرر في علم المصطلح، قال ابن بطال: "قال لي أبو القاسم المهلب بن أبي صفرة: وإنما قدم البخاري، رحمه الله، حديث"الأعمال بالنيات" في أول كتابه، ليعلم أنه قصد في تأليفه وجه الله، عز وجل، ففائدة هذا المعنى، أن يكون تنبيهًا لكل من قرأ كتابه، أن يقصد به وجه الله تعالى كما قصده البخاري في تأليفه"([23]).

 

قلت: ولعل هذا الملحظ انتبه له العالم المحقق أبو زكريا يحيى بن شرف الدين النووي رحمه الله في كتابه (رياض الصالحين) فصدر كتابه بهذا الحديث كصنيع البخاري، فانطبع إخلاصه في التأليف على الكتاب حتى رأينا من شأنه عجباً يندر له النظير، ليبقى هذا الكتاب شامخاً بين العلماء والعوام على حد سواء، بل لو قيل إن أشهر كتاب بين العوام اليوم هو رياض الصالحين لم يكن ذلك بعيداً، ولا يكاد يخلو مسجد من المساجد إلا وفيه "رياض الصالحين" تجده شامخاً في أحد الرفوف بجانب القرآن الكريم، وما من إمام مسجد إلا وقرأ على جماعته هذا الكتاب كله أو بعضه، وقد طبع آلاف الطبعات، حتى قيل: (ما من دار نشر إسلامية إلا وطبعت هذا الكتاب).