أكلما اشتهيتم.. اشتريتم؟
7 ربيع الأول 1441
حميد بن خبيش

ورد في بعض كتب الآثار(1) أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى في يد جابر بن عبد الله رضي الله عنهما درهما .فلما علم أنه يريد شراء لحم لأهله لأنهم اشتهوه , ترك لمن يأتي بعده قولته البليغة : أكلما اشتهيتم اشتريتم ؟ ما يريد أحدكم أن يطوي بطنه لابن عمه وجاره ؟ أين تذهب عنكم هذه الآية : " أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا و استمتعتم بها " ؟ - سورة الأحقاف 19 -.وفي رواية أخرى(2) أن جابرا قال : تمنيت لو أن الدرهم سقط من يدي ولم ألق عمر !

 

هذه الحادثة تحيل على ما هو أعمق من مجرد الدعوة إلى ترشيد الاستهلاك , إذ هي في حقيقتها استحضار للبعد الإنساني في الإنفاق حتى لو تعلق الأمر بقطعة لحم  ! وموقف عمر رضي الله عنه إنما هو امتداد للهدي النبوي الشريف في نهيه عن السرف ومجاوزة الحد في التنعم , , وفي الاثر : شرار الأمة الذين غُذوا بالنعيم , الذين يأكلون ألوان الطعام , ويلبسون ألوان الثياب , ويتشدقون في الكلام " (3).

 

 إن الأمة الإسلامية اليوم تعيش ما يصفه جان ماري بيلت ب" دُوار الاستهلاك", تلك الرغبة المحمومة في الامتلاك و الاستمتاع و الحصول على كل شيء , وعلى الفور ! وأصبح التميز و التفوق يُقاس بما يستهلكه الفرد من سلع ووسائل الحضارة لا بما ينتجه , وبتنا نتابع كل يوم معركة إشباع لا تقل ضراوة عن معارك الحديد و الدم  ! 

 

كان للتبعية أثرها الواضح في تحويل المجتمع المسلم إلى أسواق رائجة لبضائع الغرب , والزج به في نسق حضاري يقوم على الأنانية و المنفعة المادية و شهوة التملك , لكن الأدهى من كل ذلك أن الجبهة المتواطئة في الداخل تمادت في الحفز على الاستهلاك من خلال السيطرة على المؤسستين التربوية و الإعلامية ,وسعيها لفصل السلوك الاقتصادي عن منظومة القيم الدينية , ليصبح الاستهلاك بذلك جزءا من كيان المسلم المعاصر , ومحددا أساسيا من محددات هويته و شخصيته !

 

أمام هذه النزعة الاستهلاكية المفرطة صار الترف عنوان الحياة المثلى , وتأشيرة الولوج إلى عالم تتحلل فيه النفوس من كل قيد اجتماعي و أخلاقي . فكان لا بد من شيوع ألوان الفساد , وتنامي دواعي القلق و الاضطراب لدى الأفراد .

 

ولعل الراصد لمئات الحوادث التي تطالعنا في وسائل الإعلام يوميا من تزوير و اختلاس وتهريب و اتجار في الممنوع يُدرك أن مرجعها الأوحد هو السعي المحموم لبلوغ الترف !

 

إن موقف الإسلام واضح في ذمه للترف , وتحذيره من مغبة الإفراط في التنعم , إذ لا يليق بأمة وصفها الحق سبحانه وتعالى بالخيرية , وحملها واجب التبليغ أن تركن للدعة , وتبذل الأعمار في جلب أسباب الرغد .

 

لذا شن القرآن حملة على المترفين , وعدهم خصوما لكل حركة إصلاح وتغيير :
فهم منشأ الانحلال الاجتماعي وهم وقود الدمار الذي يلحق الأمم وفق سنة إلهية تضمنها قوله تعالى " وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا " وهم العقبة الكأداء التي تعترض دعوات الرسل بدفاعهم عن الإلف و العادة , وتأ ليب ضعاف النفوس ضد أتباع الحق .

 

يقول الشيخ يوسف القرضاوي في معرض تحليله لموقف المترفين من دعوة نوح عليه السلام " إنهم يريدون أن يظلوا غارقين في النعمة و المتاع الأدنى , يأكلون كما تأكل الأنعام , لا هية قلوبهم , مشغولة عقولهم . فليس لديهم فراغ لهدف كبير , و لا لمثل أعلى, و لالدعوة تقتضي منهم التعفف عن مطاوعة الشهوات , وبذل الجهد و الوقت , و الجهاد بالنفس و المال .ولهذا كان أيسر طريق عليهم التكذيب و الجحود , واتخاذ الآباء تكأة لهم فيما يزعمون " (4) .

 

ما السبيل إذن لتحرير المسلم من غلواء الترف ؟
وهل يستدعي الأمر مواجهة نسق حضاري بأكمله , أم لا يتطلب سوى ترميم الذات وفق التصور الإسلامي لدور الفرد ووظيفته في المجتمع ؟

 

الحقيقة أن الخيار الأول يبدو صعبا في ظل ما تشهده العلاقات الدولية اليوم من ارتباط عضوي بالمصالح الاقتصادية و المالية , ونجاح الدول الغربية في فرض هيمنتها على اقتصادات الدول النامية , واكتساح أسواقها , و إضعاف قدراتها الإنتاجية لتحويلها قسرا إلى مجتمعات استهلاكية .

 

أما الخيار الثاني فلايقل صعوبة بدوره عن الأول , لكنه منوط في شقه الأهم برغبات الأفراد لا الأنظمة .بمعنى أن بث القيم المناوئة للترف , وحمل الأفراد على تمثلها في حياتهم اليومية كفيل بوقف تيار الاستهلاك المفرط الذي يجتاح الإنسانية برمتها .

 

فالأسرة مدعوة في تنشئتها للطفل لتثبيت قيم العطاء المجاني ,  والإيثار, وتقديس الواجب , وكذلك للحد من التثمين المادي لكل سلوك يأتيه الطفل . ف" حين يصل الأمر بالطفل ألا يؤدي شيئا على الإطلاق إلا بالتحايل عليه أو إعطائه الثمن , فإنه لن يفلح في شيء في مستقبل حياته إلا أن يصطدم صدمات عنيفة  تغير منه ما نشأ عليه من رخاوة و ترهل ونفعية " (5) .

 

و الكاتب الإسلامي مدعو بدوره لبث قيم الاعتدال و التوسط و التخفيف من حدة ولاء الفرد لمظاهر الرخاء المادي , و التحذير من مغبة انقياد الأمة لتوجيهات الرأسمال العالمي .كما أن عليه أن يتصدى بحزم لما يدعم النزعة الاستهلاكية من مقولات و شعارات تُمجد سلطان الغريزة على حساب العقل و الروح .

 

أما الخطاب الدعوي فملزم بجرح و تعديل التصورات الخاطئة التي يبرر بها المسلم المعاصر ركونه للدعة , و انغماسه المفرط في الملذات , كتصوره للحرية و الواجب و الكسب الدنيوي ...إلخ .ومما يُؤسف له حقا أن الإعلام الدعوي قلما يُعنى بإثارة موضوع الترف , ومخاطر التنعم الزائد على مستقبل الأمة . فجل ما يتناوله لا يعدو الحث على أعمال البر , و دعم مشاريع التكافل الاجتماعي .

 

إن أخطر ما ينطوي عليه السباق نحو الترف هو نشوء أجيال رخوة مجردة من كل معاني العزة و الكرامة و المصابرة , أجيال سرى في أوصالها الوهن فما تقوى على رفع راية أو استرداد أرض سليبة .لذا فالتحرر منه خطوة أولى لإعادة بناء الفرد و المجتمع وفق تصور إسلامي متكامل يضع الأمة مجددا على سكة العطاء الحضاري .

 

–––––––––––––––––––––––

(1): رواه الحاكم ومالك عن يحيى بن سعيد
(2): ذكره المنذري في الترغيب و الترهيب
(3): رواه البيهقي في شعب الإيمان و الطبراني في الأوسط و الكبير
(4): يوسف القرضاوي .دور القيم و الأخلاق في الاقتصاد الإسلامي.مكتبة وهيبة القاهرة .ط1 1415هـ .ص 235 
(5) : محمد قطب .منهج التربية الإسلامية ج2. دار الشروق .ط 10.  1412هـ .ص141

1 + 3 =
أميمة الجابر
د. صفية الودغيري
د. صفية الودغيري