القاعدة الأربعون: التحكيمُ المحقِّقُ للإصلاحِ سبيلٌ للفلاحِ
6 ذو الحجه 1440
أ. د . ناصر بن سليمان العمر

قال الله تعالى: {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء:35].
التشريعات الإسلامية حريصة علَى تحقيقِ السعادةِ الزوجيَّةِ، ولهذا جَعَلت لكلِّ مشكلةٍ حلًا، ولكنْ قدْ تَصِلُ المشاكلُ بعدَ كلِّ ما ذَكَرْنا منْ أسبابٍ إلَى طريقٍ مَسدودٍ، حيث يُحاوِلُ الزوجانِ حلَّها سَويًّا دونَ تدخلٍ منْ أحدٍ فلا يتحققُ الصلحُ بَيْنَهما، ومعلومٌ أن الإسلامَ -عُمومًا- يُراعي الطبيعةَ البشريَّةَ، فيتعاملُ معَ الواقعِ بحلولٍ وعلاجاتٍ واقعيةٍ؛ ولذا جاءَ هذا العِلاجُ {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا}، وبذلكَ يتحققُ العدلُ، فهذا يدافِعُ عنْ الزَّوْجِ، وذاكَ يُدافِعُ عنْ الزوجةِ، وهذَا الأمرُ يَجْلِبُ الخيرَ.

 

وَلكنْ يوجدُ قَيدٌ مهم وهو قولُه تعالى: {إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا}، فإنْ لمْ توجدْ إرادةُ الإصلاحِ، فقدْ لا يتحقَّقُ الوِفاقُ علَى أيديهِما، بينما يتحققُ علَى أيدِي غيرِهما، فلابدَّ أنْ توجدَ إرادةُ الإصلاحِ، بأنْ يكونَ الحكَم معروفًا بحبِّ الخيرِ والصلاحِ، فبعضُ أهلِ الزوجِ أوْ أهلِ الزوجةِ -معَ كلِّ أسفٍ- يَسْعَوْنَ للفِراقِ، ويزيدون الأمور تعقيدًا، وقد وجد آباءٌ يَضْغَطُونَ علَى بناتِهم منْ أجلِ أنْ يطْلُبْنَ الفِراقَ، فالأبُ من هؤلاءِ لا يَصْلُحُ أنْ يكونَ حَكَمًا، ولقد وُجِدَ من النساءِ مَنْ تَتَقَدَّمُ بطلبِ الطَّلاقِ للمحكمةِ، معَ أنَّها تُحِبُّ زَوْجَها وَتُريدُه، ولكنْ بضغطٍ منْ أبيها، أوْ منْ بعضِ إخوتِها، أوْ منْ أمِّها، فتفعلُ ذلك وَهِي كارهةٌ، ويحدثُ ذلكَ منْ بعضِ أمهاتِ أو آباءِ أوْ إخوةِ الزوجِ كذلك، ولقدْ عُرِضتْ عليّ عدةُ قضايا من هذا النوعِ، فالرجلُ يُحبُّ زوجتَه، وبينهما منَ المودةِ والرحمةِ ما شاء الله ولكنْ يُطلِّقُها بضغطٍ من أبيه وأهلِه عليه، حتَّى إنَّهم لربما آذَوهُ في مالِه، وأرادوا إخراجَه مِنَ الشركةِ معهم إن لم يُطَلِّقْ زوجتَه، وهذا إشكالٌ كبيرٌ جدًا، فهؤلاءِ لا يَصْلحونَ أن يكونوا حُكَّامًا؛ ولذلكَ لابدَّ منْ حسنِ اختيارِ الحَكَمين ممنْ عُرفَ بالمحبةِ والصلاحِ والوِفاقِ. 
 

وقوله تعالى: {إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا} يدل على أن هذا المراد شرط في الحكمين كليهما ليتحقق التوفيق، فإن كانَ أحدُ هؤلاءِ الحَكَمينِ لا يُرِيدُ الإصلاحَ، فلا يجوزُ أنْ يكونَ حَكَمًا؛ لأنَّ هذا ظالمٌ وباغٍ.
 

{إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا}؛ فيأتيانِ بنيةٍ طيبةٍ، بنيةِ الخيرِ والإصلاحِ، ولقدْ وردَ أثرٌ عن عُمرَ رضي الله عنه أنهُ بَعَثَ حكمينِ، فلمَّا لمْ يتحقَّقِ الوفاقُ قيل: إنه عاقبهما. قال: لعدمِ إخلاصِكما في نيتِكما بإرادةِ الإصلاحِ؛ لأنَّ اللهَ وعدَ فقال تعالى: {إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا}، فهذا شرطٌ وجزاءٌ. وذاك معنىً عظيمٌ، فعُمَرُ الْمُلْهَمُ -الذي يقولُ: واللهِ إنّي لا أحملُ همَّ الإجابةِ، ولكنّي أحملُ همَّ الدعاءِ- يقولُ هنا: لا أحملُ همَّ تحققِ الصلحِ، فهوَ متحققٌ بإذن الله، ولكنْ بوسيلةٍ - وهيَ أنْ يريد الحكمانِ الإصلاحَ- وهذا المعنى العظيمُ لَه أثرُه.
 

وهناك مسألةٌ أخرى مهمةٌ في اختيارِ الحَكَمَينِ، فلا بدَّ أنْ يكونا مقبولَينِ، فأحيانًا يكون مِنْ أهل الزوجة مَنْ لا يُطيقُه الزوجُ؛ لأسبابٍ وعواملَ معينةٍ، وأحيانًا أيضًا يكون مِنْ أهل الزوج مَنْ لا تُطيقُه الزوجةُ؛ لذا علينا أن نختارَ الحَكَمين، بأنْ يكونَ الحَكَمُ كلمتُه مقبولةٌ، ليسَ له عَداءٌ معَ أحدٍ منْ الطرفينِ.
 

والإصلاحُ له مراتبُ، وله أساليبُ، وله طرقٌ شتى، واللجوء إلى هذا الطريق؛ أعني طريق بعث الحكمين، استثناء عند تعذر الطرق، لكن إذا أخذ بهذا المسلك عند الاستثناء والحاجة ففيه الخير- إن شاء الله- شريطة أن يؤخذ به على وجهه. وإنْ كنتُ أميلُ دائمًا إلى ألا تصلَ المشكلاتُ إلى الحكمَين، بل ولا إلى الأهلِ، وإنما تُحَل المشكلاتُ داخلَ البيوتِ، ولكنْ في بعضِ الأحيانِ قدْ تَصِلُ إلَى درجةٍ يَصْعُبُ حلُّها إلا عنْ طريقِ الحكمينِ. وللحكمينِ أنْ يَختارَا معهما حَكَمًا ثالثًا مَرضيًّا مِنَ الأطرافِ كلِّها؛ لأنهما أحيانًا قدْ يَتفِقانِ علَى الصُّلْحِ، ولكنْ يختلفانِ في طريقةِ تحقيقِهِ، فيحَتاجُ الأمرُ إلَى مُرجِّحٍ، فعندئذٍ يُقالُ لا حرجَ في ذلكَ، ولكنْ يكونُ الأصلُ في التحكيمِ منْ داخلِ البيتينِ، أو قريبٍ منهما، وبهذا تعود الأمور إلى نصبها، ويتحققُ الإصلاحُ ويحصل الصفاءُ وتعود المودةُ بإذنِ الله.

 

* للاطلاع على القاعدة التاسعة والثلاثين..

الاستعانةُ بِالصَّلَاةِ مِفتَاحُ الخَيْرَاتِ

3 + 3 =