أريدُ حقِّي في الميراث!
14 ذو القعدة 1440
د. صفية الودغيري

توفي والدُها فأحسـَّت بمرارةٍ أشد من مرارةِ إحساسِها لفراقِ والدتِها، وشعرت بالكآبة والحُزن، وبغُربةِ ووحشةِ المكان والزَّمان، تَحْسََبُ البيت، والحيطان، والأثاث، عابِسَةً أُقيمَ فيها مأتم، وتتخيَّل فيه حبيبًا لم يَعُد في الدُّنيا، كأنَّها تراهُ ولا تلمَسُه، تكلِّمُه ولا يَرُدُّ عليها، فيظلُّ قلبها يتوجَّع كلَّ لحظة، لا طاقةَ له أنْ يهدأ، وتَتَمثَّلُه سيظهرُ ويجيءُ إليها، ولكن أين هو؟ وأين حياة القلب النَّابضة؟ لقد انتقل إلى القبر ولن يرجع، وأخذ معه معاني الحياة: سنَدَها المادِّي والنَّفسي، وطاقَتَها، وحيويَّتَها، ونشاطَها، وبريقَها المُتوهِّج بشُعْلةِ الأمل، وبسمَتَها، وهناءَها، وشَمْسَها الدَّافئة المُشِعَّة بالسَّعادة .

 

لم تكن تظنُّ أنَّ مصيبَتها أعظم مِنْ وفاةِ والِدها، وأنَّها سَتُعاني بعده شظَفَ العَيْش، وشِدَّةَ الحاجَة والضِّيق بعد اليُسر والغِنى، وأنَّها سَتَبْحَثُ عَنْ إِخْوِتِها فتُنْكِرُهُم، مع أنَّ صُوَرَهُم هِيَ نَفْسُها تَعْرِفُها، ولكنَّ المصالِح والمطامِع غيَّرت القلوب فقَسَت، والنُّفوس تبدَّلت أخلاقُها، وتخَلَّتْ عن أصولِها ومبادِئِها، وتحجَّرَتْ أحاسِيسُها، وماتَتْ مشاعِرُها، وانْقَطَعتْ صِلَةُ الرَّحِم وانْفَصَلتْ عُرَاها، فلم يَتَبقَّى مِنَ تلك الأَرْواح إلاَّ تَماثيلُ جامِدَة، أَشْبَه بالأَمْواتِ مِنَ الأَحْياء .

 

فقد جاروا على حُقوقِها، واخْتَلَسُوا نَصيبَها مِنْ تركة والدها بالتَّحايُل والتَّزوير، وادَّعَوْا مِلْكِيَّتَهُم لجميع العقارات، والأراضى، والأموال التى فى البنوك، وأنَّ والدهم قد سَجَّلها باسْمِهِم في حياته، ليَظَلَّ مِنْ حَقِّها فقط أن تنتفع بالمُكوث ببيت الأسرة، وتلبية نفَقاتِها ومَصاريفِها لغاية ما تنتقِل لبيتِ الزَّوجيَّة،.

 

كان الموقِفُ شديدًا قاسيًا، فلم تستوعِب ما يَجْري حَوْلَها، فظلَّت متردِّدةً خائِفَة، ليس لها الجُرأَة ولا الشَّجاعَة لتُواجِهََهُم، فاحْتَارَت حينَها أَتُعَزِّي نَفْسَها على أَلَمِها لفِراقِ الأب الَّذي كان كُلَّ ما لها بالحياة؟ أَمْ تُعَزِّي نَفْسَها على صَدْمََتِها في إِخْوتِها الأشقَّاء، وقَسْوَتِهِم، وجََشَعِهِم، وطَمَعِهِم، وأنانِيَّتِهِم ..

 

وشَرَدَتْ عنهم فَتْرةً من الزَّمَن، ورََحََلت عن عالَمِهم بإحْساسِها وتفكيرِها، فحين يَفْقِدُ الإنسانُ شعُورََهُ بالأَمان، والدِّفْء، والثِّقََة في أخيه الإنسان، يَفْقِدُ احْتِرامََه، وتقديرَه، وشُعورَه بوجودِه، حينها لا يتَبقَّى له إلاَّ أنْ يرحَلَ عَنْه لأنَّه ماتَ بالنِّسبةِ له .

 

وكانت تلك الفترة كافيةً بالنِّسبة لها لتكتشِفَ نَوايَاهُم، ومُخَطَّطاتِهِم، وكَذِبهم، مِنْ نَظَراتِهِم، وحَرَكاتِهِم، ونَبْرَةِ صَوْتِهم.. وأدركت بفِراسَتِها وذَكائِها التَّمثيليَّة الَّتي لَعِبُوا أَدْوارَها أمَامَها لتُصَدِّقَهُم، وعَرَفَت أنَّ عُقودَ مِلْكِيَّتِهم للتّرِكَة، ليست إلاَّ عقودٌ مُزَوَّرةٌ ومُلَفَّقَة، ولم تُصَدِّق أنَّ والدها - الَّذي اشتهر بعدله وإنصافه- لم يترك لها إلاَّ ذلك البيت لتعيشَ فيه كضيفَة، إلى أن يأتي اليوم الَّذي تغادِرُه لبيتِ زوجها، أو تُطْرَد منه للشَّارع بلا مأوى .

 

ومع ذلك لم تَكُنْ تملك وقْتَها إلاَّ أن تُمَثِّل أمَامَهُم أنَّها صَدَّقَتهم، واسْتَسْلَمت لإِرادَتِهم، وَوافَقَتْهُم على مُصادَرَتِهم حُقوقَها، وحَجْرِهم على تَصَرُّفاتِها واخْتِياراتِها، ولكنَّها فقدتْ احْتِرامَهُم، والشُّعور بالأَمان، والثِّقَة، والصِّدق معهم، فابْتَعَدت عنهم وأَقْفَلت بابَ حُجْرَتِها، وجَلَسَت تَتَأمَّل خلفَ زُجاج نافِذَتِها حديقةََ المنزل، وقد انْسَكَب ضوءُ القَمَر على وجْهِها، وظلَّ وَجْهُ إِخْوَتِها في الظِّل، وتَذَكَّرت والدَها ووالِدَتَها، فاسْتَرْسَلت في البُكاء، ودُموعُها تنزل كالسَّيلِ الُمْنَهَمِر، يَخْدَشُ إِحْساسَها وكِبْرِياءها وكَرامَتَها ..

 

كأنَّها وجََدََت في دُموعِها طريقًا تُفْضِي منه إلى أحِبَّتِها الَّذين رَحَلوا عن الدُّنيا، وتذكَّرت لحظاتِ السَّعادة، وأيَّامَ الصِّبا، وحَنينَها إلى المُغامَرة في الطَّبيعة، وخَيالَها الصَّغير، وكيف كانت مع إخوتها أطفالاً يتَهاوََشون، ويتَشاحَنون، ويَعْبَثون، ويَلْعَبون في بيتٍ واحد، وقد اجْتَمَعوا على رأيٍ واحد،  ليس في حياتِهِم همومُ المصالح ولا أطماعُ المادَّة، ليس في حياتِهِم إلاَّ وجودٌ واحد للحياةِ في إدراكِ الطُّفولَة وإلهامِها، وفي أسرارِ سُرورِها ومَرَحِها، تَسَعُ قلوبًا صغيرةً بمعانٍ سامية في طُهْرِها، ونُبْلِها، وصَفائِها، كما تَسَعُ قلوبًا كبيرةً بمعاني التَّرف في طَمَعِها، وشَهَواتِها، ومَلَذَّاتِها ..

 

وظلَّت تُنْصِتُ لحديثِ روحِها، فَتَهْتزُّ وتَرِفُّ بِإحْساسِها، كالبُرْعُم يُداعِبُه النَّدى فَيُزْهِر، وكالوَرَقَة الخَضْراء يَهُبُّ عليها نَسيمُ الرَّبيع هُبوبًا دافِئًا فَتَتمايَلَ طَرَبًا، وأخَذََ قَلْبُها يَتَفتَّحُ كالزَّهرة حين تُصافِحُها الشَّمسُ فتَبْتَسِمُ لها، وبدأت تَشِعُّ الذِّكرياتُ في مُخَيِّلَتِها، فتُلْقِي بداخِلِها أَخْيِلَةَ النَّشْوَة، وكأنَّ الزَّمن صار مَنْسِيًّا، والعَقْلَ مُهْمَلاً .

 

وحينَ أفاقَتْ مِنْ سَكْرَةِ أحْلامِها أصْدَرَت أَنينًا يَشُقُّ صَدْرَها، وظلَّت تُراوِدُها الأسئلة: كيف يتصرَّف والدها هذا التَّصرُّف وينقل ملكيَّة تركة بكامِلِها إلى إخوتها في حياتِه دون أن يخبرها ؟ 
 

ولو حقاًّ أقدم على ذلك كيف لم يشركها معهم ويحرمها دونهم، ولم يترك لها حتَّى نصيبَها الشَّرعي مِنَ التَّرِكَة؟

 

وظلَّت مهمومةً تفكِّر في مصيرِها لو أثْبَتوا مِلكِيَّتَهُم لكلِّ تلك الأصول والأموال، ماذا سيتبقَّى لها بعد ذلك، فلا أب، ولا أم، ولا زوج، ولا إخوة تعتمد عليهم أو تضمنُ مسانَدَتَهُم، ولا وظيفة تُنْفِقُ منها؟ 
 

وظلَّ هكذا حالُها تفكِّر، ثمَّ قرَّرَتْ أنْ تُواجِه هذا المََوقِف وتُعاِلجََه، فاجْتَمَعَت بِإِخْوَتِها في بيتِ الأسرة، وسَألتْهُم مرَّاتٍ متكرِّرَة عن نصيبِها، ولكنَّهُم ظلُّوا مُصِرِّين على إِنْكارِهِم لِحَقِّها، فأدْرَكَت حينَها أنَّهَا لنْ تَحْصُد مِنْ اسْتِسْلامَِها لإرادَتِهم، إلاَّ ضياعَ حقوقِها، فتَسلَّحَت  بشجاعةِ المرأة حين تشعرُ بالظُّلم، والقَهْر، فتتمرَّد وتَثُور، فتُدافِعُ عن حقِّها فلا تَسْتَسْلِم حتَّى تستردَّه .

 

فردَّت عليهم قائلة: كُنْتُ أظنُّ أنَّني غالية عِنْدَكُم، كما كنتُ غاليةً عِنْدَ والدي، وأنَّ حُبَّكُم لي أكبر مِنْ حُبِّكُم لمتاعِ الدُّنيا، وأنَّ خَوْفَكُم مِنَ الله أعظمُ مِن طَمَعِكُم في نصيبي، لكنَّكم خَذَلتُموني وخَيَّبتُم ظَنِّي فيكم، وقَسَمتُم ظَهْري، واسْتَبْدَلْتُم إحساسَ الدَّم الذي يجري في عُروقِنا بإحساسِ المادَّة، ونَبَذْتُموني كما يَنْبُذُ الغَني الفَقير حتَّى لا تَصِلَ الدُّنيا إليهِ بفَقْرِها، وضَجَرْتُم مِنِّي كما يَضْجَرُ المُتْرَف من مَلَذَّاتِه، فيبحثُ عن ملذَّاتٍ جديدة، وظَهَرْتُم أمامي بمََظْهََرَ مَنْ يُحاولُ الخَلاصَ مِنْ عُضوٍه المريضٍ فَيَبْتُره، وكأنَّ رِباطَ الأخُوَّة لا يصِلُ قُلوبَكُم بصِلاتِ الحُب، بل يَصِلُها بصلاتِ الطَّمَع، وحَوَّلتُم خزائنَ قلوبِكُم التي كان يَملَؤُها الحب إلى خزائنَ حديديَّة يملؤُها الذَّهب والمال ..  ونسيتُمْ أنَّ الطَّمعَ لا يشتري لصاحِبِه الحَياةََ الهَنيئَة التي تنْبِضُ في قلبِ المُحِب، ولا يجودُ عليه بنَفْحَةٍ مِنْ نفحاتِ الرَّحمة التي يَضَعُها الله في القلوبِ المُنْكَسِرة، وكأنَّنا ما عُدْنا إخوة بل صِرْنا مجموعةَ حَطَبٍ إنْسانِيٍّ يابِس ..

 

ولكنَّها للأسف اكتشفت أنَّها لم تَكُنْ تُكَلِّمُ إلاَّ نَفْسَها، وأنَّه لا حياةَ لمَنْ تُحََدِّثُهُم، ولا حياةَ لقلوبٍ تتَضَوَّرُ شَهْوَة، فما مِنْ أَنَّةٍ مِنْ أنَّاتِها وَجَدَتْ لها صَدى، وما مِنْ كَلمةٍ مِنْ كَلِماتِها وَجَدَتْ لها في نُفوسِهِم إجابة، بل ظلَّ صوتُها شاردا، وأنيينُها ضائِعًا، ودُموعُها غير مَرْحومَة، وآهاتُها مَخْنوقَة، فعَلِمَت أنَّها ثَكِلَتْهُم جميعًا، وأنَّ الدُّنيا أدْبَرَت كإِدْبارِهِم عنها، وكلَّ ما كانت تراهُ فيهِم حُسْنًا صارت تراه ذَميمًا في دُنْيا تَمَزَّقَت بهِم فشَتَّتََتْهُم .

 

وجلست مُطْرَقةً كاسِفَة، حائِرةً كيف يكونُ حالُها مع قلوبٍ تَحْكُمُ بقانونِ القَسوةِ والظُّلم لا بقانونِ الرَّحْمَةِ والعَدْل؟ وماذا تَصْنعُ مع قلوبٍ تَعَلَّمت انْتِظارَ المصائِب لكسْبِ الرِّزقِ والعَيْش؟
 

وتيقَّنت أنَّ عليها أنْ تُعامِلَهُم معاملةَ مَنْ عَرَكَتْهُ الحياة، فدقَّتْهُ الأيّامُ دقًّا، وطَحَنَتْهُ طَحْنًا، وخَلَطَتْهُ بروحِ الأرضِ والسَّماء فقَوَّت قَلْبَه، وأنَّ عليها أنْ تَقْتًَحِمَ مَعارِكَ الحياةِ بجُرْأةٍ وشَجاعَة، وتَنْتصر في معاركِ الحَوادِث بنفسٍ عظيمة، وأنْ تتكَلَّف للحِرصِ أخْلاقَه، وتَجْمَع للهَيْبَة والقُوَّة أسبابَها، وتَحْتمي بصَوْلَة القانون ليأخُذَ لها حقَّها، ما دامَ قانونُ الرَّحمة والِّلين والرِّفق لا يحكُمُ كُلَّ القضايا، ولا يَسْتَرجِعُ كلَّ الحُقوق، بل قد يُصوِّرُ لأصحابِ الخُلُقِ الظِّالم، ولِمَنْ عَدِموا القلوبَ الإنسانيَّة الرَّحيمة، أنَّ هذا القانون لا يَحْكُمُهُم إنَّما يَحْكُمُ الضُّعفاء والجُبَناء، فيَحْمِلُهُم ذلك على أنْ يزْدادوا  جَوْرًا وتَسَلُّطًا، وانْتِهاكًا للحقوق، حينها يصير قانونُ الشِّدَّة والصَّلابة رادعًا لهم، دافِعًا لظُلْمِهِم، ناصِرًا لأصحابِ الحقِّ عليهم .

 

لهذا خاطبتهم بصوت الحق والواجب فقالت لهم: لقد بَذَلتُ جُهدي معكم، وحاولتُ أنْ أُجنِّبكم المشاكل، وأصِلَ معكم لحلولٍ تُرْضينا جميعًا، ونحافظ على الصِّلة التي تربطنا، ولكنَّني لم أفلح معكم، ومع ذلك أنا متمسِّكةٌ بحقِّي في ترِكَةِ والدي، ولَنْ أتنازل عن نصيبي الذي قَسَمَهُ الله لي، فلا تضْطَرُّوني لأقِف معَكُم أمامَ القاضي وأَحْتمي بالقانون لأَسْتَرِدَّ حَقِّي، ما دامَتْ قُوَّةُ الظُّلمِ لا يردعُها إلاَّ قوَّةُ العَدْل، وما دامَتْ القُوَّة الإنسانيَّة لا يَرُدُّها إلاَّ قوَُّة القانون، وما دامَتْ قوَّة الكلمة الواحدة لا يردُّها إلا قانونُ الحقِّ والواجب،.

 

فهاجَ كبرياؤُهم، وثارَتْ ثائِرَتُهُم، وتظاهَروا بصوتِ الصَّولة، وأحاطوا بها كما يُحيطُ ذئابُ الغَدْرِ بغنمٍ شاردة، وقالوا لها : أتريدينَ أنْ تُسِيئي لسُمعتِنا وسُمْعةِ عائلَتِنا، وتجعلينا نقف كلُّنا ونحن عُصبة رجال أمام المحكمة كمتَّهَمين بالاختلاس والتزوير، فيتطاولُ النَّاسُ علينا، وتَلَوكُ في أعراضِنا، فنفقد هيبتنا واحترامَنا .

 

ثمَّ ماذا ينقُصُكِ، أليس لديك بيتٌ كبير تَسْكُنينَ فيه لوحدك منعَّمة، ومصاريفُكِ تكفَّلنا بها، وكيف تطالبين بمشاركتِنا في الأصول والأراضي والأملاك وأنت لا تحسنين لا الإدارة ولا المعاملات المالية؟
 

وكيف لم تُفَكِّري لا بمَصْلَحَتِنا ولا بالمَسْؤوليَّات والأعباء التي نتَحمَّلُها، ونحن أصحابُ أسرة وأولاد ونفقاتٍ كثيرة بخلافك؟ ثمَّ لو تَزوَّجت كيف ترضين أن يقاسمنا زوجك وهو رجلٌ غريبٌ عنَّا هذه الأصول والأموال، ماذا يكون مصيرُنا بعد ذلك؟

 

أنتِ لا تُدْرِكينَ خُطورة ولا تَبِعات ما تُفَكِّرينَ في فِعْلِه، ولا تَعْلَمين بأنَّنا أَدْرى مِنْكِ بمَصْلَحَتِك ومَصْلَحَة الأسرة، فلا تُجْبِرينا لنَتصرَّف مَعكِ بالقُوَّة، ونُلْزِمَكِ احْتِرامَ قراراتِنا واخْتِياراتِنا، أو نحْبِسَكِ بالبيت ونعاقِبَك حتَّى تعودي لرُشْدِك .

 

فوقَفَت المسكينة لا طاقةَ لها على الصُّمود، وهي من الغَيظِ والقَهْر يكاد يتَفجَّرُ صَدرُها، وكأنَّهم أحاطوها بسبعةِ جدران، فانهار إِقدامُها وإِحجامُها، ووقفت وسَطَهم مكتوفةَ الإرادَة مستسلمة لسخريَّتهم، وإهانَتِهم، وتجريحِهِم لكَرامَتِها وإنسانِيَّتِها، وتهدِيدِهم لها بالطَّردِ من بيت والدها، واتِّهامِها بالجُنون، والامْتِناع عن الإنفاقِ عليها، ومُقاطَعَتِها إنْ أقْدَمَت على أيِّ تصرُّفٍ يُسيءُ لهم ولمَصالِحِهم...

 

لم تصدِّق أنَّ هؤلاء هم إخوتها، وكأنها تَشهدُ متلاكِمين أو متصارِعين فتقتحمُ المعركة معهم، ولكنَّها ليست إلاَّ معركةً تجري أحداثُها في خَيالِها النَّاعِم، وضَرَباتُها اللَّيِّنَة الحَريرِيَّة لا تصمدُ أمامَ الضَّرباتِ الحَديدِيَّة الخَشِنة في معركةِ الأقوياء، فوقعت تترنَّح وتتلوَّى كالذَّبيحة تحتَ السِّكِّين، وقد ذُهِلت عن معاني الحياة، وجَمَدت جُمودَ من يُصارعُ الموتَ ويُسْلِمُ الرُّوح، فتمنَّت لحظَتَها لو أنَّ للموتِ قطارًا يصِلُها بأَحِبَّتِها فتشتكي إليهم أوجاعَها وآلامَها، ولكنَّها لا تملكُ إلاَّ أنْ تَصِلَهُم بصِلاتِ القُلوب، وتنتظرُ في محطَّةِ الحياة تتَربَّصُ الفََرج .

 

واسترسلت في أسئِلَتِها لنَفسِها: كيف يمكن أن تقسو قلوبُ إخوتِها كلَّ القسوةِ التي في الصَّخر، وكيف ينالُ منهم الجَشَع والطَّمع كما ينالُ الدُّود من ترابِ الأرض؟، وكيف تخلو أيديهِم إلاَّ من فُتاتِ العَطاء يتصدَّقون به عليها كلَّ شهر لتتتحوَّل من صاحبةِ حق، إلى متسوِّلةٍ تنتظرُ إحْسانَهُم حتَّى تَكْفي نَفسَها وتعِفَّها.

 

وصارت كأنَّها في فصل الخريف تساقطت أوراقُه الجافَّة، على بساطِ الأرضِ فداسَتها الأقدام، وكأنَّ الألوان صارت في عينِها لونًا واحدًا شاحبًا حزينًا، وكأنَّ أيَّامها ولحظاتِها الجميلة، لم يتبقَّى منها إلاَّ أكوام قش، ودخَّان، وأوراقٌ ذابت أحرُفُها فاختلَطَت برمادِ حطبٍ إنسانيٍّ يابس .

 

هذه القصة  ليست من خيال كاتب، بل هي قصة تحكي واقع كلِّ امرأة تعيشُ في مجتمعٍ ضاعت فيه القِيَم، فصار مكانُ الشَّخصيات فوقَ مكانِ إثباتِ القيم، وصار الكذب، والاحتيال، والمكر في منصبِ أهل القُوَّة والسُّلطان فوقَ الفضائل والمعاني السَّامية، وصارَ كذِبُهم هو الصِّدقُ نفسه فلا يُنْكَر عليهم، لأنَّ صوتَ الأقوياء في زمن الفتن يعلو - وإنْ جاروا- على صوتِ الضُّعفاء - وإن عََدََلوا وكانوا أصحابَ حق- فيتقرَّر تحت قاعدةِ القوَّة: أنَّ الجَورََ هو العدل، والكَذِبَ هو الصِّدق، والباطِل هو الحق ..

 

وهي قصَّة الأنثى الَّتي ليس لها إلا أن تعيش لتكحِّل عينَها برمادِ الهَم، وتُزيِّن وجهَها بحُمرةِ الخجل، وتعوِّد نفسَها على أن تُنجِب  للحياةِ أوجاعَها، وتقاسي أحزانَها مشحونةً بثَورتِها، وتمرُّدِها، حتَّى تتَفجَّرَ دمائُها مِنَ الغَضَب، وكأنَّها طريدةٌ فرَّت من معركةٍ من معارِكِ الوطن، ورَفَعَت عَلَمَ هَزيمَتِها في صورةٍ  كُتِبَ تحتها: نفاية القيم .

 

وهي قصَّةٌ تترجِمُ حالةً إنسانيَّةً مؤلمةً لضياعِ حقوقِ المرأة والاستيلاء على ميراثِها داخل مجتمعاتِنا الإسلامية، ممَّا يجعلُنا أمام ظاهرةٍ خطيرة، وجريمةٍ اجتماعيَّة تستحقُّ أن يتصدَّى لها المجتمع بكامِلِه، لأنَّها تهدِّد كيانَه واسْتِقرارَه الأُسَري، وذلك بنشرِ التَّوعِيَّة الإسلاميَّة داخلَ مختلف المؤسَّسات الاجتماعيَّة، لإعادةِ الاعتبار للمرأة ولمكانَتِها العظيمة تكريمًا لها وتقديرًا لِشأنِها، وتَأكيدًا على ما كَفَلهُ لها الدِّين الإسلامي العظيم من حقوق، بما فيها حقوقها الماليَّة، فقد جعلَ لها ذِمَّةً ماليَّةً حُرَّة مستقِلَّة، ومَنَحها حقَّ التَّصرُّف المالي، وأثبتَ لها حُقوقَها  في الميراث ونصيبََها الشَّرعي في آياتٍ كثيرة، كما في قوله تعالى فى سورة النساء: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾، وقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ .

 

كذلك توعيةُ النِّساء بحُقوقِهن في الإرث، وسُبُل الدِّفاع عنها وحمايَتِها ممَّن يسعى لمُصادَرَتِها وانْتِهاكِها، من خلال تعريفِهِنَّ بنظامِ القضاء والمُرافعاتِ الشَّرعِيَّة، وتوكيلِ من يتولَّى الدفاع عنهنَّ من المحامين ..

 

وتحقيق التَّنشِئَة الإسلامِيَّة الصَّحيحة في مُحيطِ الأسرة، فكلٌّ من الأب والأم يتحمَّلانِ مسؤوليَّةَ الرِّعاية والتَّوعِيَة لأبنائِهِم، بحُقوقِهِم وواجِباتِهِم، وطبيعة العلاقة التي تربطُ بين الذَّكر والأنثى، على أنَّها علاقةُ تكامُلٍ لا تنافُسٍ أو تفاضُل،  وأنَّ كلاهما وجودُه مُهِمٌّ بالحياة ومُكمِّلٌ للآخر، وإن اختلفت خَصائِصُهُم وأدوارُهُم، وكلاهما يساهمُ في بناءِ المجتمع وتنمِيَتِه، ولا يتمُّ هذا البناء إلاَّ إذا أخذَ كلٌّ منهما حقَّه وأدَّى واجِبَه .

 

ومحاربة الأفكار والمَوروثاتِ الثَّقافِيَّة، والعاداتِ السَّيِّئة، والتَّقاليد البالية، والأعراف الَّتي أساءت للمرأة ولحقوقِها الشَّرعيَّة بما فيها حقوقها في الميراث، والتَّقاضي لحماية حقوقِها المُغْتصَبة منها، مع أنَّ الإسلامَ خوَّل لها ذلك في حالاتِ التَّعدِّي والاخْتِلاس.

 

وسَن التَّشريعات والقوانين الرَّادِعَة لذَوي الأهواء والنُّفوس المريضة التي تحجُرُ على حرِّية المرأة في ممارسة حقوقِها الشّرعية، وتُجبِرُها على التَّنازل عن نصيبِها الشَّرعي في الإرث، والتَّحايُل عليها لإسقاطِ حَقِّها زورًا وبُهتانًا بوسائل مختلفة، وهؤلاء استحقُّوا أن يصفهم الله تعالى ومن على شاكلتَِهم من الظَّالمين بقوله تعالى: ﴿ لا يَرقُبونَ في مُؤمِنٍ إلاًًّ ولا ذِمَّة وأولئك هم المُعتدون﴾
وقوله تعالى: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ .

 

والأخذ بكلِّ الحُلول التي تحُدُّ من هذه الظَّاهرة حتَّى نَحْمِي مجتَمعاتِنا الإسلاميَّة من انتشار الحالاتٍ المرضيَّة والنَّفسيَّة لدى نساءٍ حُرِمْنَ من حَقِّهِنَّ في الميراث، بسبب شُعورِهِنَّ بالقهر والظُّلم، وحمايةً لمجتمعاتنا الإسلاميَّة من انهيار التَّماسك الأسرى، وتفكُّك صِلاتِ القرابة والدَّم .

1 + 2 =