الاستمرارية.. درس رمضان الفريد
19 رمضان 1440
د. عامر الهوشان

أمر يتكرر في كل عام في رمضان , ويلاحظه كثير من المسلمين المصلين , ويشكل في رأيي تحديا لكل الدعاة إلى الله تعالى والمرشدين والمعلمين , لما ينجم عنه من تضييع لدرس عظيم من دروس رمضان الكريم , بل يعتبر مرضا خطيرا يعبث بجسد الأمة وينذر بإضعافه وإهلاكه , فما هو هذا الأمر يا ترى ؟

 

إنه الآنية وعدم الاستمرارية , إنه الولوغ في اللحظة الحالية والغفلة عن أهدافها وآفاقها , إنه الانفعال بأي حدث أو أمر قادم , والتفاعل معه تفاعلا عاطفيا ظاهريا شكليا , دون الغوص في التفكر في أغراضه ومراميه البعيدة , الأمر الذي يؤدي إلى الفتور والتراجع التدريجي في تطبيق أي أمر قرآني إسلامي , وهو ما يجعل المسلمين دائما منفعلين غير فاعلين , ومتأثرين غير مؤثرين .

 

ترى بعض المسلمين في بداية رمضان , ومع طلوع فجر اليوم الأول منه , يتوافدون نحو المسجد لأداء صلاة الفجر في جماعة بأعداد وفيرة , وبقلوب مقبلة إلى الله ومستنيرة , همتهم عالية لأداء الصلوات الخمس بالمسجد جماعة في رمضان , فإذا ما حان موعد صلاة التراويح من ذلك اليوم , لم تجد لك موطأ قدم أو مكانا للسجود , من كثرة الإقبال والزحام , وربما يتلو المسلم في الأيام الأولى من رمضان أكثر من جزأين من القرآن الكريم , في نية لختم القرآن في الشهر أكثر من مرة , في مشهد إيماني جميل ورائع , يجعلك تستبشر وتتفاءل في بداية هذا الشهر الكريم .

 

بيد أن أياما قليلة تمضي من هذا الشهر الكريم , ربما لا تتعدى العشر الأول منه , حتى تلحظ ويلحظ كثير من المسلمين تراجعا في أعداد المصلين في المسجد , سواء في صلاة الفجر أو في صلاة التراويح , وتراجعا في تلاوة القرآن الكريم , وتراجعا في الالتزام بعبادات و أخلاقيات وآداب هذا الشهر الكريم , بينما تشهد بالمقابل زيادة ملحوظة في أعداد الزائرين للمقاهي والأسواق , في مشهد يوحي بالآنية وعدم الاستمراية في أداء الطاعات والعبادات , والانفعالية وعدم الفاعلية مع كل موسم من مواسم الخير والطاعة , حيث يبدأ البعض محلقا كالصاروخ , ثم ما يلبث أن يفتر ويذوي شيئا فشيئا , حتى يختفي ويذوب .

 

إن المتأمل في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة , يدرك الهدف الإيماني الكبير والغاية السلوكية العظمى من تشريع الله تعالى لفريضة الصيام , كما يدرك عظم المسافة بين مراد الله تعالى من ذلك التشريع , وسطحية التطبيق العملي لها من قبل بعض المسلمين .

 

لقد فرض الله تعالى الصيام على المسلمين بهدف تحقيق التقوى فيهم , قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } البقرة/183 , وأنى لهذا الهدف العظيم أن يتحقق بمجرد الانفعال الآني عدة أيام منه فقط , ثم يكون الانفلات من عباداته وآدابه بقية الشهر , إنه يحتاج لتطبيق حقيقي متواصل لفريضة الصيام طوال أيام الشهر الكريم ولياليه , حتى نحقق التقوى التي ذكرها الله تعالى في القرآن .

 

قال الفخر الرازي في تفسير قوله تعالى (لعلكم تتقون) : الصوم يكسر شهوة البطن والفرج ، وإنما يسعى الناس لهذين ، كما قيل في المثل السائر : المرء يسعى لعارية بطنه وفرجه ؛ فمن أكثر الصوم هان عليه أمر هذين وخفت عليه مؤنتهما ، فكان ذلك رادعاً له عن ارتكاب المحارم والفواحش ، ومهوناً عليه أمر الرياسة في الدنيا وذلك جامع لأسباب التقوى , فيكون معنى الآية : فرضت عليكم الصيام لتكونوا به من المتقين الذين أثنيت عليهم في كتابي . مفاتيح الغيب للرازي 3/84

 

وليس أمر الاندفاع والانفعال الآني عند بعض المسلمين متوقف على عبادة الصوم فحسب , بل هو داء عام وشامل لكل شؤون حياتهم الدينية والدنيوية , فترى المتعلم يتفاعل مع المعلم في الأيام الأولى من الدراسة بفعل الحماسة , ثم ما يلبث أن يذوي عند تركم المعلومات وصعوبة المذاكرة , وكذلك الأمر بالنسبة لحفظ القرآن وقيام الليل وغيرها من الطاعات والعبادات .
 

لقد أرشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأقواله وأفعاله إلى الاستمرارية وعدم الانقطاع , وأن نبدأ بالأعمال ما نستطيع ولو كان قليلا , ثم يتركم ويزداد بمرور الأيام والليالي , وحذرنا أشد التحذير من الاندفاع للعمل الكثير المنقطع , لأنه لا ينبت شجرة ولا ينضج ثمرة .

 

فقد ورد أن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى , وبغض النظر عن كونه حديثا ضعيفا , فإن معناه صحيحا , فيقال لمن بالغ في طلب الشيء وأفرط فيه في بدايته , مما يتسبب في فواته وضياعه بعد ذلك بالمنبت , وهو تماما ما يحصل مع بعض المسلمين في شهر رمضان المبارك .

 

وفي الحديث الصحيح عن علقمة قال : سألت أم المؤمنين عائشة قلت يا أم المؤمنين كيف كان عمل النبي صلى الله عليه و سلم هل كان يخص شيئا من الأيام ؟ قالت ( لا كان عمله ديمة وأيكم يستطيع ما كان النبي صلى الله عليه و سلم يستطيع ) صحيح البخاري برقم 6101

 

و عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : سئل النبي صلى الله عليه و سلم أي الأعمال أحب إلى الله ؟ قال ( أدومها وإن قل ) وقال ( اكلفوا من الأعمال ما تطيقون ) وقد جاء في شرح الحديث : ( اكلفوا ) ألزموا أنفسكم وكلفوها ( ما تطيقون ) ما تستطيعون فعله دائما ولا تنقطعون عنه . صحيح البخاري بتحقيق البغا 5/2373 برقم 6100

 

ومن تأمل في أيام رمضان ولياليها يدرك هذا المعنى تمام الادراك , فقد جعل الله تعالى خير ليالي هذا الشهر الكريم في أواخره لا في أوائله , حتى يجتهد المسلم في العبادة ويستمر , ويزداد ويربو لا ينقص أو يفتر وينقطع , فقد جعل الله ليلة القدر – وهي أعظم ليلة من ليالي الدنيا أجرا وثوابا عند الله تعالى – في الوتر من العشر الأخير من رمضان , مما يعني أن الاستمرارية وعدم الانقطاع من أعظم وأبدع دروس هذا الشهر الكريم .

 

أخي القارئ الكريم , يريد الإسلام من خلال فرضه للعبادات غرس قيم هذه العبادات ومبادئها في نفسك وقلبك , لتؤتي أكلها وثمراتها سلوكا وعملا , ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بالاستمرارية والديمومة , ومما يساعدك على ذلك :

1- لا تكلف نفسك من الأعمال ما لا تطيق , بما لا يعني الإهمال والتقصير وعدم تكليف النفس بأي شيء .

2- في أي مشروع ديني أو دنيوي : إبدأ باليسير والقليل ثم تدرج منه إلى الأكثر فالأكثر , حتى تصل إلى الذروة والقمة بإذن الله .

3- شهر رمضان مدرسة عظيمة لتعلم الاستمرارية وعدم الانقطاع , فاغتنم ذلك بوضع أهم الطاعات والعبادات والأخلاق التي تريد أن تستمر عليها في رمضان وبعد رمضان .

4- إن تقيدك بالاستمرارية والديمومة طاعة وعبادة , فدينك وإسلامك يأمرك بالعمل الدائم المستمر ولو كان قليلا فاحرص عليه , ولا يحبذ العمل الكثير المنقطع لأنه لا يؤتي ثمرة ولا يوصل لغاية فابتعد عنه , والتجربة العملية تؤكد ذلك .

1 + 0 =