في نور آية كريمة.. {ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك}
7 رمضان 1439
أمير سعيد

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ [آل عمران: 159]

 

في خضم الابتلاء الكبير الذي مر برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام في غزوة أحد، تجلت عظمة شخصية النبي صلى الله عليه وسلم، حين يشهد القرآن له في آية كريمة برقة القلب وسعة الصدر وطيب القول في أعقاب هزيمة هزت زمرة المؤمنين وزلزلتهم، نتيجة لانكسارات متتابعة اعترتهم في معركة أحد، حيث أشير على النبي صلى الله عليه وسلم بغير ما يريد، وإذ تراجع ثلث الجيش من المنافقين قبل المعركة، وإذ لم يلتزم الرماة بأماكنهم، وإذ فر الشجعان والرسول سيد الشجعان يدعوهم في أخراهم فلا يلتفتون إليه. في أعقاب كل هذا تتبدى فرادة شخصية النبي صلى الله عليه وسلم، لينه ورحمته وحسن حديثه ورقة قلبه.

 

إن هذه الرحمة التي أوتيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم تكن إلا من الله سبحانه وتعالى، تنزلت عليه وعلى المؤمنين، فكان اللين والاحتواء في ظروف كانت لتزلزل وتفرق الجموع حين تتقاذف الزمرة المؤمنة الاتهامات بالتقصير والتخلي عن واجبات الحرب. قال الحافظ ابن كثير: "يقول تعالى مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم، ممتنا عليه وعلى المؤمنين فيما ألان به قلبه على أمته، المتبعين لأمره، التاركين لزجره، وأطاب لهم لفظه: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾، قال قتادة : يقول : فبرحمة من الله لنت لهم".

 

واللين سهولة الأخلاق، يقول البغوي: "أي: سهلت لهم أخلاقك وكثرة احتمالك ولم تسرع إليهم فيما كان منهم يوم أحد"، وأما الفظاظة فهي كما يقول أبو حيان الأندلسي في تفسيره المحيط: "الجفوة في المعاشرة قولا وفعلا"، والغلظ، قال أبو حيان: "يستعمل في قلة الانفعال و(قلة)الإشفاق والرحمة، والانفضاض: التفرق. وفضضت الشيء كسرته، وهو تفرقة أجزائه".

 

 

يقول صاحب المنار: "كأنه يقول: إنه كان من أصحابك يا محمد ما كان، كما دلت عليه الآيات وهو مما يؤاخذون عليه فلنت لهم وعاملتهم بالحسنى، وإنما لنت لهم بسبب رحمة عظيمة أنزلها الله على قلبك وخصك بها فعمت الناس فوائدها، وجعل القرآن ممدا لها بما هداك إليه من الآداب العالية والحكم السامية التي هونت عليك المصائب وعلمتك منافعها وحكمها وحسن عواقبها للمعتبر بها ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك لأن الفظاظة هي الشراسة والخشونة في المعاشرة، وهي القسوة والغلظة، وهما من الأخلاق المنفرة للناس لا يصبرون على معاشرة صاحبهما وإن كثرت فضائله، ورجيت فواضله، بل يتفرقون ويذهبون من حوله ويتركونه وشأنه لا يبالون ما يفوتهم من منافع الإقبال عليه، والتحلق حواليه، وإذا لفاتهم هدايتك، ولم يبلغ قلوبهم دعوتك".

 

 

وقد لاحظ الألوسي في الآية مراعاة لحسن الترتيب فقال: "وذلك لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم أمر أولا بالعفو عنهم فيما يتعلق بخاصة نفسه، فإذا انتهوا إلى هذا المقام أمر أن يستغفر لهم ما بينهم وبين الله تعالى لتنزاح عنهم التبعتان، فلما صاروا إلى هنا أمر بأن يشاورهم في الأمر إذ صاروا خالصين من التبعتين مصفين منهما، ثم أمر صلى الله تعالى عليه وسلم بعد ذلك بالتوكل على الله تعالى والانقطاع إليه لأنه سبحانه السند الأقوم والملجأ الأعظم الذي لا تؤثر الأسباب إلا به، ولا تنقضي الحاجُ إلا عند بابه".

 

 

واللافت أن الله أمر نبيه بمشاورتهم في أعقاب هزيمة جاءت بعد مشورة، يقول محمد رشيد رضا: "دم على المشاورة وواظب عليها، كما فعلت قبل الحرب في غزوة أحد وإن أخطئوا الرأي فيها فإن الخير كل الخير في تربيتهم على العمل بالمشاورة (...) فإن الجمهور أبعد عن الخطأ من الفرد في الأكثر، والخطر على الأمة في تفويض أمرها إلى الرجل الواحد أشد وأكبر"، قال ابن عطية في تفسيره: "والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام؛ من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب. هذا ما لا خلاف فيه".

 

 

والرسول ذو العزيمة التي لا تجعله يتردد من بعد، مأمور هو وأمته بالتوكل على الله عند عقد العزم وصدق التوجه، فالله يحب المتوكلين، والتوكل كما يقول القرطبي هو "الاعتماد على الله مع إظهار العجز".

 

 

والحاصل أن الآية الكريمة قد وضعت منهجاً جلياً يرسم ملامح شخصية الداعية القائد، رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن سار على دربه من الدعاة والمصلحين، يمكن استخلاصه فيما يلي:

-    لين الجانب لإخوانه وأصحابه المؤمنين، وهو لين لا يبذل إلا لمن يستحقه ولا ينسحب على من سواهم.
-    ينبعث لينه من رحمة لا من ضعف، وهي رحمة ربانية منضبطة بشرع الله تقود إلى الوحدة والائتلاف ولا تفضي إلى تبعثر وخور.
-    فظاظة اللسان وسوء الحديث ليس من شيم الداعية المسلم ولا تنتصر دعوة به، وليس أسلوباً ناجعاً لتقويم السائرين في الطريق وعلاج أخطائهم وزلاتهم.
-    غلظة القلب تنعكس على الجوارح، فلا يمكن إخفاؤها بابتسامة زائفة أو كلمات مصطنعة، وهي مفضية إلى انفضاض الناس وتذمرهم وتفرقهم، لأن غلظة القلب والفظاظة صنوان يتلازمان معاً، ويؤديان إلى تنفير الناس وكسر نفوسهم، ويقودان إلى التهور وسوء التقدير.
-    الداعية القائد محب لأصحابه، يعفو عن زلاتهم، ويدعو لهم، ويستغفر لهم ويستشيرهم في أموره
-    الشورى لا تعني التردد والتذبذب، بل بالنهاية لابد من قرار حازم وعزيمة لا تلين أو تتوقف.
-    يحوط الموقف الصحيح توكل على الله يظهر معه عجز البشر والتجاؤهم إلى سنده الأقوى.

وبكل هذا بدت شخصية النبي صلى الله عليه وسلم من خلال تلك الآية العظيمة التي تجلت بها بوصلة النجاح والنصر والسيادة، والتي تقود إلى وحدة المسلمين وائتلافهم وتراحمهم وصدورهم عن رأي سديد.

 

 

5 + 0 =
د. خالد رُوشه
د. خالد رُوشه
الشيخ أ.د. ناصر بن سليمان العمر