إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاء
22 جمادى الأول 1439
د. خالد رُوشه

نحن محتاجون الى الله في كل احوالنا بنفس القدر ، وليس المازوم او المهموم أو المريض أو المظلوم أو من كان في البحر او في الحرق بأحوج الى ربه ممن هو آمن منعم صحيح معاف

 

لاننا جميعا فقراء إليه في كل حال ، ومحتاجون إليه في كل نَفَس ، ولأن البلاء ليس بعيدا عن أحد ، ولا العافية مضمونة لأحد .. وهو الله الحي القيوم ، " ياايها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد "

 

إن أحدنا ليحتاج أن يدرك حقيقته الذاتية , وحقيقة قدراته وإمكاناته , وأن يدرك ماهية آماله ومنتهاها , لئلا يتكبر أو يتجبر ولئلا ينسى حجمه فيخيل إليه أنه قادر على تغيير الاشياء او التفرد الذاتي بالمستقبل أو حتى القدرة على تسيير شىء من الحياة .

 

من أجل ذلك يحتاج أن يتذكر دوما أنه فقير ضعيف فان , وأنه بحاجة إلى قوي عزيز قادر حي قيوم , يقوم بشأنه ويمده بالحياة ويعينه بالرزق والقوة .

 

يحتاج أن يشعر أنه بغير ربه عاجر كل العجز أمام حركة الحياة من حوله , وأن دوامتها قد تذيبه في مداراتها وتدعكه في مساراتها , ولذلك فيجب أن يتوكل على رب عظيم رحيم , يوجهه إلى سواء الصراط ويهديه إلى محاسن المناهج والقناعات .

 

حتى في باب الحسنات والسيئآت فبرغم كونه المرء مختارا , فإن الهداية إلى الحسنة توفيق من الله سبحانه ومنة , ولذلك أمرنا صلى الله عليه وسلم بقول " لاحول ولاقوة إلا بالله"

 

والمعنى الأعظم الذي ينبئنا عما سبق من شعور الفقر والحاجة إلى الله سبحانه يأتي من تدبر معنى اسمه سبحانه " الحي القيوم "

إنها اسمان جامعان لكمال الأوصاف والأفعال، فكمال الأوصاف في الحي، وكمال الأفعال في القيوم.

 

 فالحي الذي له الحياة الذاتية ، الكاملة الدائمة التي ليس لها انقطاع ولا زوال، لا قبل ولا بعد ، تلك التي لم تستمد من مصدر آخر.

 

 فهو دائماً عز وجل حي منذ الأزل وإلى الأبد، لم ينفصل عنه هذا الوصف أبداً تبارك وتعالى.

 

وقد ذكر شيخ الإسلام أن اسم (الحي) يستلزم جميع صفات الكمال لله تبارك تعالى، ولذلك كان يرى أن (الحي) هو اسم الله الأعظم، يقول: " فالحي نفسه مستلزم لجميع الصفات، وهو أصلها، ولهذا كانت أعظم آية في القرآن: (( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ )) فهو الاسم الأعظم؛ لأنه ما من حي إلا وهو شاعر مريد، فاستلزم جميع الصفات، فلو اكتفي في الصفات بالتلازم لاكتُفي بالحي "

 

 

 

و(القيوم) تعبير عن كمال الأفعال، هو جل جلاله قائم بأمر الخلق برزقه ورعايته وحفظه، وما من شيء إلا وإقامته بأمره وتدبيره سبحانه وتعالى.

 

وقال الطبري : القيوم: القائم برزق خلقه وحفظه.

وقال ابن كثير : القيوم: القيّم لغيره، فجميع الموجودات مفتقرة إليه وهو غني عنها، ولا قوام لها بدون أمره.

 

يقول تبارك وتعالى : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ

 

وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا [فاطر:41] يعني: أن الله يمنعهما من الزوال والذهاب والوقوع، وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ [فاطر:41] يعني: ما يمسكهما أحد سوى الله تبارك وتعالى، إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا  

 

هذه الحياة وتلك القيومية يصحبها رحمة بالغة ولطف بععباده في مقاديره كلها مهما راى الناس من ألم

فهو سبحانه لطيف بعباده : يوصل بره وإحسانه إلى العبد, من حيث لا يشعر, ويوصله إلى المنازل الرفيعة من أمور يكرهها.

 

فلا يقضى الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له إن أصابته سراء شكر وأن أصابته ضرا ء صبر فكان خيرا له ، ولرب أمر تكرهه فيه نجاتك ولرب أمر تؤثره فيه عطبك

 

وانظر إلى قوله سبحانه " إن ربي لطيف لما يشاء ، تجد أنه سبحانه أخبر أنه يلطف لما يريده فيأتي به بطرق خفية لا يعلمها الناس ، واسمه اللطيف يتضمن علمه بالأشياء الدقيقة وإيصاله الرحمة بالطرق الخفية

 

ومن هذا المعنى ما يبتلي به عباده من المصائب ويأمرهم به من المكاره وينهاهم عنه من الشهوات ، هي طرق يوصلهم بها إلى سعادتهم في العاجل والآجل وقد حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات

 

فهو سبحانه يفعل ما يفعله لما يريده من العواقب الحميدة والحكم العظيمة التي لا تدركها عقول الخلق مع ما في ضمنها من الرحمة التامة والنعمة السابغة والتعرف إلى عباده بأسمائه وصفاته "

وكذلك فعله بعباده وأوليائه يوصل إليهم نعمه ويسوقهم إلى كمالهم وسعادتهم في الطرق الخفية التي لا يهتدون إلى معرفتها إلا إذا لاحت لهم عواقبها وهذا أمر يضيق الجنان عن معرفة تفاصيله ويحصر اللسان عن التعبير عنه .

 

فإذا قام العبد بالصبركما ينبغي انقلبت المحنة في حقه منحة واستحالت البلية عطية وصار المكروه محبوبا فإن الله سبحانه وتعالى لم يبتله ليهلكه وإنما ابتلاه ليمتحن صبره وعبوديته

5 + 2 =
د. خالد رُوشه
د. خالد رُوشه
أ. د . ناصر بن سليمان العمر
د. خالد رُوشه