12 جمادى الأول 1439

السؤال

كيف نستطيع الحفاظ على هويتنا وسط هذه التجاذبات الشديدة من حولنا سواء كنا في بلادنا أو خارجها؟

أجاب عنها:
الشيخ أ.د. ناصر بن سليمان العمر

الجواب

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. وبعد:

فالحفاظ على الهوية مقصد مهم للمؤمن، فهويتنا هي ديننا، وعقيدتنا، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، ومنهجنا الإيماني العظيم.

والأمم جميعها تسعى للحفاظ عليها، فهي التي تحقق ذاتها، ومقوماتها هي العناصر التي تجتمع عليها الأمة.

 

والهوية الإسلامية هي الانتماء إلى الله ورسوله، وإلى دين الإسلام وعقيدة التوحيد، التي أكمل الله لنا بها الدين، وأتمَّ علينا بها النعمة، وجعلَنا بها الأمة الوسط وخيرَ أمة أخرجت للناس.

 

وبهذا تميز الأمة الإسلامية عن غيرها، تمييزا يشمل كل جوانب الحياة، فقد بيَّن لنا النبي صلى الله عليه وسلم جميع مناحي الحياة خيرها وشرها، ودلَّنا على الخير فيها وحذَّرنا من الشر، كما في حديث أبي الدرداء: "ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وطائر يقلب جناحيه في السماء إلا وأعطانا منه علماً"، وهذا مصداق قوله سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}، وتحقيقاً لقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ}.

 

والهوية هي مصدر العزة والكرامة للأمة {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا}، فهي تربط بين أبنائها برباط وثيق من الأخوة والمحبة، فهم كالجسدٌ الواحد، {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}، قال صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثلُ الجسد؛ إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائرُ الجسد بالسهر والحمى" متفق عليه.

 

إذن فالحفاظ عليها مهمة من واجبات المؤمن، يساعده فيها المربون، والأسرة، والمؤسسات المختلفة في الدولة المسلمة.

 

فللمربين دور مهم يجب أن يهتموا فيه ببناء معاني الانتماء لهذا الدين في قلب المسلم، كما يهتمون بشعوره بالاعتزاز بالانتماء لدينه وأمته، كما قال عمر رضي الله عنه: "لقد أعزنا الله بالإسلام".

 

وللوالدين دور أساس في ترسيخ المعاني الإيمانية في قلوب أبنائهم، منذ صغرهم، وأذكر ههنا حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وكان شاباً صغيراً، لما أهداه النبي صلى الله ليه وسلم جبة ذي يزن ملك اليمن، فتغامز عليه البعض – كيف يلبس جبة الملك وأبوه زيد مولى وأُمُّه بركة أَمَة، رضي الله عنهم جميعا –، فصعد المنبر وقال: "لأنا خير من ذي يزن وأمي خير من أمه وأبي خير من أبيه" رواه أحمد والطبراني.

 

فهذا الفتى كان يشعر بعزة دينه الإسلام وأنه خير من ملك اليمن الكافر وأمه وأبيه.

 

وأصل الهوية هو العقيدة الصحيحة، فيجب ترسيخها في قلوب أبناء أمتنا، وتربيتهم على التوحيد، فلا تهزهم الشبهات، ولا تغريهم الشهوات فتصدهم عن الانتماء لدينهم.

 

ومن أراد أن يستمسك بعقيدته فليستمسك بكتاب ربه، فهو الحبل المتين الذي لا يضل من استمسك به، وهو بين أيدينا، فلنُقْبِل عليه ولنستهدي به، "تركت فيكم ما لن تضلوا إن تمسكتم به، كتاب الله" رواه مسلم.

 

وتاريخ هذه الأمة جزء من دينها، فلنراجعه ولنستفد منه ولنتعلم من أخطائه ونستفيد من إيجابياته، ولنعتز بإنجازاته.

 

وكذلك فللمسجد دور بالغ الأهمية في ترسيخ الانتماء للدين، فالمساجد كان لها دور كبير في تربية الأجيال المسلمة وحضانتها ورعايتها وتعليمها وتأديبها.

 

فهذه عدة محاور يحافظ بها المؤمن على هويته أينما كان، حتى لو سافر واغترب خارج ديار الإسلام.

 

وهذا الموضوع قد شغلني منذ قرابة ثلاثين سنة، وكنت قد سافرت إلى أمريكا قبل سبعة وثلاثين سنة، وسافرت أكثر من مرة إلى بريطانيا لأغراض علمية ودعوية، ووجدت هناك أناساً أقوى استقامة من بعض الموجودين في بعض بلاد المسلمين!

 

وتعجبت كيف هم أمام كل هذه المعاصي والاغتراب، واستقامتُهم أقوى من استقامة بعض الشباب في البلاد الإسلامية؟!

 

لا أعمم الحكم، وفي الابتعاث والإقامة في بلاد الغرب مثالب معروفة، لكن مقصودي أن هناك أسباباً جعلتهم يحافظون على دينهم:

فشعورهم بمكر الأعداء جعل لهم حمية لدينهم، ومعرفتهم بحرص العدو على إفسادهم جعل لديهم مناعة تجاه ذلك.

 

وكذلك اجتماعهم على الخير، وأمرهم بعضهم بعضا بالمعروف والفضائل.

 

وكذلك أثر المساجد والمراكز الإسلامية؛ فهي محاضن إيمانية مؤثرة.

 

وأنا أذكر لما سافرت إلى بريطانيا ثم إلى إيرلندا أيضاً من أجل الحصول على بعض المخطوطات سكنّا في بريطانيا بمسجد فيه غرف تؤجر، كان كنيسة ما عاد أحد يأتيها فباعوه للمسلمين، ورأيت فيه ما أعجبني من دور مهم وفعال في التربية والتعليم للمسلمين وأبنائهم ونسائهم هناك.

 

وههنا أقول إن الغلو والتطرف لا يأتيان أبداً من المساجد، بل المساجد تربي الوسطية والعلم، والأبناء الذين اختطفوا للغلو والتكفير ما اختطفوهم من المساجد، بل اختطفوهم من أماكن خارجة بعيدة عن المساجد، وكذلك أصحاب الشهوات اختطفوهم من المقاهي لا من المساجد.

 

فالآباء في المساجد يرون الحلقة والتعليم ويرون أبناءهم، ويعرفون مَن يدرسهم وإلى أين يذهبون، ومَن يرافقون.

 

فلنعمر هذه المساجد بهذه الطريقة وتحت إشراف مؤسسة كبيرة في الدولة وهي وزارة الشؤون الإسلامية فنعرف مَن هم أبناؤنا ومَن يجلس معهم، ومَن يصاحبهم، ومَن يربيهم، ونعيد دور المسجد.. والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

الشيخ أ.د. ناصر بن سليمان العمر
محمد بن عثيمين رحمه الله