نشر في موقع المسلم (http://www.almoslim.net)
الشعب الأفغاني أزمة الهوية
تم الإنشاء 13/11/2006 - 18:04

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد.
يواجه الشعب الأفغاني ظروفا خاصة بسبب ما مرت به أفغانستان من حوادث كبيرة في العقود الثلاثة الماضية، وكانت الحوادث كبيرة إلى درجة أنها غيرت مجرى حياة الشعب كله بما فيهم الشباب، وقلبها أكثر من مرة رأسا على عقب، وكانت كل حادثة من هذه الحوادث الكبيرة بداية مرحلة جدبدة.
فإن أفغانستان كانت دولة فقيرة، وكانت نسبة الأمية فيها مرتفعة جدا قبل تولي الشيوعيين زمام الأمور فيها عام 1978م، وبعد الانقلاب الشيوعي الذي تبعه الغزو السوفيتي المشؤوم لأفغانستان اضطر غالبية الشعب الأفغاني أن يترك البلد ويهاجر إلى الدول المجاورة والبعيدة في الشرق والغرب، ومع أن ظروف الجهاد والهجرة وظروف المعيشة في تلك الفترة كانت صعبة للغاية وكانت الحادثة مدمرة ماديا ومعنويا لأفغانستان لكن الشعب الأفغاني استطاع أن يستعيد عافيته بمساعدة الأمة الإسلامية ووقوفها بجانبه، وبفضل الله ثم بسبب الجهود الجبارة التي بذلها أبناء الأمة الإسلامية صارت هذه الفترة من أزهى فترات الصحوة الإسلامية لدى الشعب الأفغان وأحسن فترة توفرت فيها فرص الدراسة والتحصيل العلمي والاطلاع للشباب الأفغان في ديار الهجرة، وبعكس ذلك فإن الشباب القاطنين في داخل أفغانستان ـ سواء كانوا في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشيوعية أو كانوا في المناطق الخاضعة لسيطرة المجاهدين ـ قد فاتتهم هذه الفرص.
وبهزيمة القوات السوفيتية وانسحابها من أفغانستان في عام 1989م تغيرت مصالح القوى العالمية وبناء عليها تغيرت سياساتها وتبعتها في ذلك الدول الإسلامية ودول المنطقة حيث تخلت عن مساعدة الشعب الأفغاني في هذه الفترة الحرجة مع أنها كانت تدرك تماما أنه بحاجة إلى المساعدة للخروج من ورطة الخلافات الشديدة بين الأحزاب الجهادية المسيطرة على الساحة العسكرية في أفغانستان، وبهذا الإهمال المتعمد دخلت أفغانستان في مرحلة حرجة أخرى؛ وهي دوامة الحروب الداخلية المدمرة، وتعتبر هذه الفترة أسوأ فترة مر بها الشعب الأفغان في العقود الثلاثة الماضية، لأنها كانت فترة ضياع الآمال والأحلام التي طالما ضحى الشباب في سبيلها بأغلى ما لديهم من الأرواح والدماء والأسر والآباء، والأدهى في الأمر أنها كانت تدمر وتضيع بأيدي من كانت الآمال معلقة عليهم؛ من قبل قيادات الأحزاب الجهادية، فكانت صدمة هذه المشكلة كبيرة ووقعها كان شديدا على نفوس الشباب حتى أن كثيرا منهم دمروا نفسيا وأصيبوا بإحباط شديد.
وبعد استمرار الحروب الداخلية المدمرة لمدة أربع سنوات منذ عام 1992م إلى عام 1996م دخلت أفغانستان بسببها في ورطة جديدة حيث تولت حركة طالبان زمام الأمور في أفغانستان بعد الاستيلاء على كابل يوم 27/9/ 1996م وكانت فترة حكومة طالبان فترة صعبة للشباب من ناحية انعدام فرص الدراسة وفرص التعليم، وانتشار البطالة، وكان أشد هذه المشاكل الاستبداد الفكري الشديد لدى حركة طالبان ومحاولة إلغاء شخصية الشباب، فإنهم كانوا يريدون أن يديروا أفغانستان مثل ما يديرون مدرسة دينية من الطراز القديم، وكان شعارهم في ذلك:"لايسمح لأحد بأي نشاط ـ وإن كان ذلك قراءة القرآن الكريم ـ إذا كان خارج دائرة حركة طالبان" واستمرت حكومة طالبان على أفغانستان بحلوها ومرها لمدة خمس سنوات.
ولما تغيرت الظروف العالمية بعد هزة 11/9 في أمريكا تأثرت بها أفغانستان مباشرة وبذلك دخل الشعب الأفغاني مرحلة جديدة، وهي مرحلة "الغزو الأمريكي لأفغانستان" المرحلة التي ما زلنا نعيشها، هذه المرحلة وخصائصها ومشاكلها وويلاتها وتحدياتها وفرصها هي واقع الشباب الأفغان خصوصا والشعب الأفغاني عموما، ومن هنا سنركز في حديثنا هذا على تحديات هذه المرحلة ومشاكلها وفرصها، ومن أهم ما يواجهه الشعب الأفغان من التحديات ما يلي:
أولا: الشعب الأفغان وأزمة الهوية.
إن أخطر ما يواجهه الشعب الأفغاني عموما والشباب بصورة خاصة في أفغانستان في المرحلة الحالية التي سميناها بـ"مرحلة الغزو الأمريكي لأفغانستان" هي أزمة الهوية، فإن الهدف الحقيقي للغزو الأمريكي هو تغيير هوية الشعب الأفغاني عموما والشباب خصوصا عن طريق تغريب أفغانستان وتغييرها نحو الأمركة، والمحاولة لتغليب الإسلام الحداثي أو الإسلام المتحرر ـ الذي يسمونه بـ"Moderate Islam" ـ في أفغانستان على الإسلام الصحيح.
فإن أصحاب المشروع الغربي يقصدون بـ"الإسلام الحداثي" ـ هكذا يسمونه والإسلام منه بريء ـ أن النصوص الشرعية أو بعضها تتعارض مع قيم العصر الحاضر ومقتضياته وتطوره وتتعارض مع القيم الغربية ومن هنا يعتبرون الالتزام بها عائقا كبيرا أمام انسجام العالم الإسلامي مع النظام العالمي والفكر العالمي السائد، وبتعبير آخر هذه النصوص تعتبر عائقا أمام مطامع القوى الدولية في إخضاع العالم الإسلامي لها في القيم والأخلاق والنظم وفي نفس الوقت يعتبرون هذه النصوص الشرعية سببا لتخلف العالم الإسلامي وتطرفه اللذين يعودان على الغرب بتأثير مباشر في نظرهم، ومن هنا يقترحون أن يسود العالم الإسلامي ـ باسم الإسلام ـ نظام فكري خاص بهم يسمونه (الإسلام الحداثي) ويقصدون به إسلاما مبنيا على العقل متحررا عن سيطرة النصوص الشرعية، فيكون مصدر الحكم فيه (مصلحة المجتمع!!) و(مقاصد الشريعة!!) وليس المراد بالمصلحة عندهم المصلحة الشرعية؛ لأن المصلحة الشرعية منضبطة بضوابط محددة حتى المصلحة المرسلة منها فإنها أيضا منضبطة كما لا يخفى على الدارس، أما المصلحة عند أصحاب الإسلام الحداثي أو الإسلام المتحرر عن سيطرة النص فهي المصلحة التي يعتبره العقل الغربي مصلحة أو ما تعتبره الفلسفة الغربية أو القيم الغربية مصلحة حتى وإن كانت ملغاة من وجهة نظر الشريعة.
وكذلك الحال بالنسبة لمقاصد الشريعة، فإنهم لا يقصدون بمقاصد الشريعة الفقه المقاصدي المنضبط بضوابط صحيحة تمنع عن الحرفية الظاهرية في فهم النص وإغفال مقاصدها وعللها، بل يستخدمون هذا المصطلح للاستغناء عن الأحكام التفصيلية الواردة في نصوص الشرع، فإنهم يرون أن المقاصد العامة قاضية على النصوص الجزئية؛ فعلى سبيل المثال يعتقد هؤلاء أن من مقاصد الشريعة تحقيق العدل، وكلما ورد نص يتعارض مع هذا المقصد العام في عرف هذا العصر يترك ذلك النص ويتمسك بمقاصد الشريعة، ومن ثم يتركون قول الله عز وجل "للذكر مثل حظ الأنثين" لأنه يتعارض مع مبدأ العدل عندهم.
ومن هنا يرى هؤلاء أن الفقه المقاصدي والفقه المصلحي قاضيان على نصوص الكتاب والسنة حتى القطعية منها، فيترك الكتاب والسنة من أجلهما، وهذا هو معنى فهم الإسلام المتحرر عن سيطرة النصوص الشرعية، وقد حددوا استراتيجية دقيقة للوصول إلى نشر هذا الفهم الخاص للإسلام وبسطه في العالم الإسلامي والمجتمع الأفغاني بوجه خاص وبين الشباب الأفغان المثقفين بوجه أخص، وهذه الاستراتيجية محل التنفيذ حاليا في المجتمع الأفغاني بصورة دقيقة، ومن هنا قد سخروا كل الإمكانات لهذا الهدف، ويتأثر بها الشباب الأفغان، والاستراتيجية التي حددوها يمكن أن نلخصها في النقاط التالية:
1ـ المحاولات المستميتة لإضعاف الالتزام بالإسلام والواجبات الشرعية لدى الشباب، وإغراقهم في الشهوات والمفاسد الخلقية؛ فإنهم يشجعون الشعب بكل الوسائل المتاحة أن يتخلوا عن العبادات والقيم والأخلاق الإسلامية، وخاصة الشباب الذين يهيئون لهم الرحلات والأسفار إلى الدول الغربية بحيل مختلفة، وهناك يهيئون لهم فرص الفساد ويشجعونهم عليه، فقد أخبرني أحد الشباب الذين شاركوا في دورة تثقيفية في الهند أن المضيفين كانوا يضعون الخمر على المائدة مع كل وجبة مع أنهم كانوا يعرفون أن المشاركين مسلمون، ولما رأى المدربون منهم الإحجام عن شربها بدؤوا يشجعونهم على شربها وكانوا يركزون على أن لا يكون الإنسان متعصبا ضيق الأفق، وقد نجحت المحاولة وبدأ اثنان من المشاركين بتناولها، هذا ما حدث في الهند وما يحدث في الدول الغربية أسوأ بكثير من هذا.
2ـ إيجاد الاضطراب في المجتمع وإحداث التشتت الفكري والثقافي عن طريق إفساح المجال للنصرانية وللفرق والمذاهب الخارجة على الإسلام مثل البابية والبهائية والقاديانية والإسماعيلية، وإفساح المجال بشكل أخص للشيعة، فإن النشاط التنصيري قد ازداد بشكل غير مسبوق في شمال أفغانستان وخاصة في مدينة مزار شريف والمدن الكبيرة الأخرى، وقد حالفهم النجاح بسبب المنصرين من طاجيكستان لوحدة اللغة بينهم وبين الأفغان القاطنين في تلك المناطق، أما البهائية والإسماعيلية فلهم نشاط كبير جدا خاصة الإسماعيلية الذين لديهم مشاريع اقتصادية كبيرة في أفغانستان، فإن كبيرهم كريم صدر الدين آغا خان لديه مشاريع كبيرة في أفغانستان، وقد أنشئوا مراكز ثقافية مجهزة في عدة مدن أفغانية كبيرة، وأما الشيعة فحدث عن نشاطهم ولا حرج فقد زرت الحوزة العلمية التي ينشئها الشيخ آصف محسني أحد الشخصيات العلمية الشيعية المعروفة في أفغانستان وقد أخبر بنفسه بأنه يريد أن ينشئ أكبر مكتبة على مستوى قارة آسيا وحوزة علمية أكبر عن حوزة قم في إيران وحوزة النجف في العراق، أما الحوزات الصغيرة فلا حصر لها، إلى جانب النشاط الإعلامي الكبير فإن الشيعة يملكون أكثر من 70% من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة ويقوم الشيعة بحركة مريبة أخرى وهي شراء الأراضي حول المدن الكبيرة ومحاولة ربط كابل بإيران عن طريق شريط شيعي بأن يكون كل سكانها من الشيعة وقد بدؤوا بتنفيذ هذه الخطة منذ فترة طويلة وقد شروا لهذا الغرض أراضي شاسعة جدا، وقوى الاحتلال تهيئ الظروف لهم وتساعدهم في كل هذه المساعي.
3ـ رفع ثقة الشباب عن العلماء والمفكرين المعتمدين والترسيخ في أذهانهم أنهم متخلفون ومتطرفون، وأن أفكارهم سبب مشاكل العالم الإسلامي، وبالتالي يشوهون سمعة الإسلام الصحيح.
4ـ إيجاد القيادات البديلة للشباب من أصحاب فكر الإسلام المتحرر عن سيطرة النص، وتقديمهم كأبطال معركة الدفاع عن حرية العقل ومعارضة الاستبداد الفكري في المجتمعات الإسلامية، والمحاولات على قدم وساق لتقديم عدة شخصيات أفغانية وإيرانية وعربية ـ من أمثال سيما ثمر، ومحقق نسب وعبد الكريم سروش، ومحمد مجتهد شبستري ، ونصر أبو زيد، ومحمد شحرور، وحسن حنفي وغيرهم ـ كقيادات بديلة في المجتمع الأفغاني، ولم ينسوا في هذا الصدد التركيز على إحياء التصوف الخرافي البدعي والأفكار الباطنية عن طريق عقد حفلات الموسيقى الصوفي في المزارات والأضرحة ومشاركة الوزراء فيها ونشرها عن طريق وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، لأن مثل هذه الأفكار تهيئ لهم التخلص من الالتزام بالشرع من إشباع غريزة التدين لدى الشعب بأمور بعيدة عن حقيقة الدين ومعارضة لها.
5ـ التركيز على نشر الفكر المذكور والتركيز على الدعاية لفكر من يعطي العقل دورا أكبر على حساب الوحي عن طريق عقد الندوات ونشر المقالات في الصحف والمجلات، وعن طريق نشر وترجمة كتب صنف معين من الناس بأسعار مدعومة، فقد ترجمت ونشرت كتب محمد اركون، ومحمد شحرور، وحسن حنفي، ونصر أبو زيد ويركز على نشر كتب شبستري وكتب عبد الكريم سروش وغيرهم من أمثالهم.
6ـ والنقطة الأخيرة في استراتيجيتهم هو طرح المسلمات الإسلامية والثوابت الشرعية للنقاش ليجعلوها محل نزاع ويخرجوها عن كونها ثوابت وقطعيات، منها على سبيل المثال الرسول صلى الله عليه وسلم والحدود والعقوبات الشرعية والارتداد وغبرها، ومن هنا يخرج بين الفينة والأخرى شخص في الإعلام يطرح مثل هذه الأفكار والقوى الغربية تحميه باسم حرية الفكر وحرية البيان.
الوسائل:
يستفاد في الوصول إلى الأهداف المذكورة من وسائل مختلفة ومتنوعة يمكن أن نلخصها فيما يلي:
أ) التعليم:
إن أول ما توجه إليه أصحاب المشروع الغربي في أفغانستان لإحداث تغيير عميق في العقلية الأفغانية، وتغيير في هوية الشعب الأفغاني هو مجال التعليم بكل أنواعه من الابتدائي والمتوسط والجامعي، وفي القطاع الحكومي والخاص؛ وذلك لأهميته وسرعة نتائجه وشمول تأثيره في جميع نواحي الحياة، حيث تخرج المؤسسات التعليمية العناصر القيادية في كل المجالات، وهم يدركون أن كل من ملك التعليم في بلد ما فقد ملك مستقبل البلد كله.
وأول إجراء اتخذوه في مجال التعليم هو تغيير المناهج الدراسية في المراحل الابتدائية والثانوية، بعد أن كانت تدرَّس المناهج الدراسية الموحدة التي أعدها المركز التعليمي التابع لاتحاد الأحزاب الجهادية الأفغانية أثناء فترة الجهاد ضد القوات السوفيتية، وكانت مناهج موفقة إلى حد كبير، وأعدت وفق حاجات المجتمع الأفغاني، ولذلك فإن كل من تخرج في المدارس التي كانت تطبق المناهج المذكورة، كانوا موفقين إلى حد كبير في مختلف التخصصات العلمية والاجتماعية والشرعية التي عملوا فيها، فكانوا يأخذون قسطا وافرا من كل المواد اللازمة في المجالات المذكورة، وكان يتخرج الطالب من المرحلة الثانوية ويكون قد أخذ حظا وافرا من المعلومات العلمية والضروريات الشرعية.
أما الفروق بين المنهج السابق والمنهج الحالي، فتتلخص في حذف مجموعة من المواد الدينية؛ مثل التفسير والفقه والعقيدة وغيرها من المنهج القديم، وفي تقليل عدد ساعات تدريس القرآن الكريم للأطفال في المدارس، وقد تغير محتوى الكتب الدراسية من الداخل في المنهج الجديد أيضا، وأدخلوا فيه بعض النظريات التي أثبت العلم فسادها مثل نظرية التطور والارتقاء الدارونية، وصيغت الدروس في المواد الاجتماعية مثل التاريخ والجغرافيا وقراءة البشتو والداري (الفارسي) ونحوها من المواد المهمة في كل المستويات الدراسية بطريقة معينة لتشكيل ذهن الطالب بصورة معينة.
وقد ذكروا في مقدمة الكتب الدراسية أنها صيغت حسب مقتضيات المرحلة الجديدة، وحسب متطلبات الظروف المحلية والعالمية الجديدة بمساعدة مؤسسة (USAID) الأمريكية.
ولا شك أن تطوير المناهج وتغييرها حسب مقتضيات الظروف وتطورات العلم أمر مهم، لكن بشرط أن يكون هذا ناتجا عن ظروف داخلية ومتوائمًا في نفس الوقت مع هوية الشعوب التي تنشأ على هذه المناهج، أما إذا كان بإملاء من الخارج أو بضغط من جهات لا يُنتظَر أن يأتي من جهتها خير، فهو هدم وتغريب - بلا شك - للحاضر والمستقبل على السواء.
والأمر الآخر الذي أولاه أصحاب المشروع الغربي كبير اهتمامها هو إرسال مجموعات من أساتذة المدارس الابتدائية والثانوية ذكورا وإناثا لأخذ دورات تدريبية في أمريكا والدول الغربية الأخرى، ولا يخفى تأثير هذه الدورات على نفسيات هؤلاء.
لا شك أن التدريب وتطوير مستوى المعلم أمر مستحسن، لكن عملية التدريب في أمريكا والدول الغربية وخاصة للمدرسين والمدرسات، يعود على الشعب الأفغاني بالضرر المادي والمعنوي؛ وذلك لأن مثل هذه الدورات ترتَّب من قبل الشركات الأمريكية التي أعطيت لها مشاريع تطوير النظام التعليمي، وتتقاضى مبالغ ضخمة من المساعدات التي خصصت لتعمير أفغانستان إزاء هذا التدريب، ويمكن تدريب العشرات من الأساتذة والمعلمات بمصاريف تدريب شخص واحد لو تم ذلك في داخل أفغانستان أو في دولة مجاورة قريبة من أفغانستان، فالشركات الأجنبية تسترد الأموال التي أعلنت عنها الدول المانحة ـ في زعمها ـ لتعمير أفغانستان من غير أن توضع لبنة على أخرى في البلاد.
إلى جانب ذلك فإن هؤلاء المتدربين عندما يعودون من أمريكا ومن الدول الغربية الأخرى يرجعون متأثرين بالأفكار الغربية، ويكونون قد تأثروا بالحضارة الغربية وقيمها، فيعتبرونها مثالا يحتذى به في كل شيء، ويدرسون للأطفال في المدارس بهذه الروح المهزومة، وبذلك يسهمون في تغريب وتغيير المجتمع الأفغاني لصالح المشروع الغربي، ويعمقون أزمة الهوية التي يعاني منها الشباب الأفغان.
هذا بالنسبة للمراحل الابتدائية، أما المرحلة الجامعية فتدرك الجهات المعنية أهميتها، وتدرك أيضًا أن الجامعات هي التي تقود المجتمعات، وتوفر لها القيادات في كل مجالات الحياة، ولذلك كان الاهتمام بالتعليم العالي أكثر من أي شيء آخر، وقد أصدرت وزارة التعليم العالي في أفغانستان قرارات تساهم في التغريب والتقليل من التزام الشباب، فكان من القرارات الأولى لتلک الوزارة إلغاء الفصل بين الأولاد والبنات في الفصول الدراسية في الجامعات، وإقرار التعليم المختلط، مع أن العالم بعد التجارب المريرة يعود إلى الفصل بين الرجال والنساء في فصول الدراسة، وقد نفذ هذا القرار في أغلب الجامعات الأفغانية بالفعل.
وكان القرار الآخر الذي أصدرته الوزارة في هذا الاتجاه هو تقليل عدد ساعات مادة الثقافة الإسلامية، فإن المادة المذكورة كانت تدرس في كل الفصول الدراسية، حيث يتلقى الطالب من خلالها الأمور الدينية المهمة، فاقتصر تدريسها الآن على فصلين دراسيين فقط. ومع أن القانون الأفغاني يسمح لرؤساء الجامعات بالتصرف في وضع المواد الاختيارية في ضوء السياسات العامة، إلا أن الوزير يتدخل في مثل هذه الأمور التي ليست من صلاحياته أصلا لحاجة في نفسه.
وتفكر وزارة التعليم العالي في استقدام أساتذة من دول معينة وفي تخصصات بعينها، وصرح وزير التعليم العالي بذلك في بعض تصريحاته؛ بغرض الاستفادة منهم في عملية التأثير على الطلاب والطالبات وتغيير منحى تفكيرهم، وفي المقابل لا تهتم الوزارة بالكوادر الأفغانية المؤهلة، حيث يستخدمون برواتب ضئيلة، في مقابل رواتب باهظة ستقدم للمعارين من الخارج.
والإجراء الآخر الذي اهتمت به الجهات الغربية والحكومية هو ترتيب الرحلات إلى الدول الغربية لجميع الطلاب المتميزين في كل الكليات في مختلف الجامعات الأفغانية، ويركزون في ذلك على طلاب كليات الشريعة يبقى، هؤلاء الطلاب لمدة ثلاثة أشهر أو أربعة في تلك الدول وعندما يعودون يعودون بتصور مختلف تماما عما ذهبوا به.
لا شك أن المجتمع الأفغاني مجتمع مسلم، والإسلام متجذر فيه بعمق، ولذلك يواجه قرارات وزارة التعليم العالي معارضة من قبل الأساتذة والطلاب على حد سواء، ومن هنا يحاول أصحاب المشروع الغربي الوصول إلى أهدافهم عن طريق السماح لجهات معينة بإنشاء جامعات خاصة، وقد سمحوا بإنشائها في الدستور الأفغاني الجديد، ومن أوائل من تقدم لفتح جامعة خاصة في كابل ـ حتى قبل إقرار الدستور الأفغاني الجديد من قبل لويا جركا ـ هي شركة أمريكية تسعى إلى إنشاء جامعة خاصة في كابل على غرار الجامعة الأمريكية في بيروت والقاهرة، وقد شجع وزير التعليم العالي والمسؤولون الآخرون في الحكومة ذلك، وصرحوا بأن هذه الجامعة ستوفر الكوادر القيادية للمجتمع الأفغاني في مختلف مجالات الحياة.
إلى جانب ذلك ترتب الجهات المعنية البعثات الخارجية باسم تعليم اللغة الإنجليزية للموظفين في الدوائر الحكومية لفترات مختلفة من شهرين إلى ستة أشهر، ويتم اختيار المشاركين حسب معايير معينة، وذلك بهدف تسريع عملية التغريب، أو تطوير الشعب الأفغاني وتنويره - حسب اصطلاحهم!!
قد يرى البعض أن التطوير في المناهج وتدريب الأساتذة والمعلمات وفتح الجامعات الخاصة المجهزة بأحدث وسائل التعليم، وإرسال البعثات التعليمية إلى الدول المتقدمة، واستعارة الأساتذة المؤهلين – كلها خطوات إيجابية يجب تشجيعها، ولا شك أن هذه الخطوات لو نظرنا إليها بقطع النظر عن أهداف المشروع الأمريكي في العالم الإسلامي وفي أفغانستان خاصة، لرأيناها خطوات إيجابية..
إلا أننا عندما ننظر إلى عقلية الجهات المخطِّطة لمثل هذه المشاريع، وننظر إلى المشروع الأمريكي، وندرك تصورات أصحاب هذا المشروع من الأمريكان والأفغان عن الشعب الأفغاني، وأنه شعب متخلف، وأن تخلفه يتمثل في تمسكه بدينه وبتقاليده العريقة وبعده عن الحضارة الغربية، وأن التقدم في أفغانستان مرتبط بتخلي هذا الشعب عن أسباب التخلف هذه!! والأخذ بالتقاليد الغربية والتأثر بالحضارة الغربية بحلوها ومرّها، وخاصة في مجال الفكر والثقافة والتعامل الاجتماعي، ثم نرى أن الجهات المعنية تحاول ربط الشعب الأفغاني بدول بعينها وتهمل دولاً أخرى، وخاصة دول العالم الإسلامي، حيث لا يتم إرسال الأساتذة والمعلمات والكوادر الأفغانية الأخرى إليها، ولا يفكرون في استعارة الأساتذة من هذه الدول - عندما نرى هذه الخلفيات فإنها تعطينا الحق في أن ننظر إلى عملية التطوير والتنوير المزعومة نظرة شك وارتياب، وأن نقول إن الهدف هو الإسراع في تغريب أفغانستان وعلمنتها ليس إلا.
2- الإعلام:
تعتبر وسائل الإعلام أهم ما لفت انتباه أصحاب المشروع الغربي؛ لأن الإعلام إذا كان موجها يحدث تأثيرا كبيرا وسريعا في المجتمع، ويساعد بصورة فعالة في عملية تغيير الهوية للشعب، وكان المرسوم المتعلق بالسماح للقطاع الخاص بإنشاء محطات إذاعية وتلفزيونية وإصدار جرائد ومجلات جديدة من أوائل المراسيم الصادرة من قبل الإدارة المؤقتة، وبذلك فتح المجال لسيل من المحطات الإذاعية والجرائد والمجلات، وخاصة في كابل حيث يصدر أكثر من مائتين وثمانين مجلة وجريدة، منها خمس جرائد يومية، وتمول الجهات الخارجية أكثر من 250 جريدة ومجلة منها .
يقول أحد التقارير إن قوات "إيساف" توزع يوميا أكثر من 150 ألف جريدة ومجلة في العاصمة الأفغانية، وهذه هي الجرائد والمجلات التي تنشر بمساعدة مالية خاصة من قبل الأمم المتحدة، وتنشر المقالات والأخبار التي تخدم المشروع الغربي في أفغانستان.
وتذيع أكثر من 14محطة إذاعية برامجها على موجات قصيرة ومتوسطة موجهة إلى مدينة كابل فقط، وتذيع إذاعة بي بي سي وإذاعة صوت أمريكا(التي غيرت اسمها إلى (راديو أشنا) أي "الإذاعة المعشوقة" وإذاعة الحرية برامج خاصة باللغات المحلية (البشتو والفارسية)، وقد أنشئت إذاعة أخرى خاصة من قبل الجهات الغربية تبث برامجها على موجات إذاعة كابل باسم "إذاعة صباح الخير كابل" لإذاعة البرامج الخاصة والموسيقى، وتمول الأمم المتحدة والجهات الغربية الأخرى هذه الإذاعات.
بالإضافة إلى ذلك فقد أنشئت أكثر من إذاعة خاصة في كل ولاية، كما أنشئت محطة تلفزيونية خاصة في شمال البلاد باسم "آيينه" (المرآة)، وثلاثة محطات أخرى في العاصمة الأفغانية كابل أحدها باسم تلفزيون (أفغان)، ويملكه أحمد شاه أفغانزي، والثانية باسم طلوع ويملكها الشيعة والإسماعيلية والثالثة باسم أريانا وتنشر المحطتات الخاصة كل أنواع البرامج التي لا يجرؤ التلفزيون الرسمي على نشرها من الأغاني النسائية والبرامج الأخرى التي تسهم في التغريب والعلمنة، وتشجَّع هذه المحطات من قبل جهات معينة؛ لأن الفكرة السائدة لدى هؤلاء - كما أشرنا قبل ذلك – هي أن الأفغان مصابون بالعقد النفسية والتخلف العقلي والحضاري!! ولا يتأهلون للمرحلة القادمة إلا بتجاوز هذه الأزمات، والطريق لتجاوزها في نظرهم هي هذه الخطوات التي يخطونها في طريق التغريب.
إلى جانب ذلك تم توصيل أفغانستان بالإنترنت، وفتحت منتديات ومحلات كثيرة جدا في فترة وجيزة في مدينة كابل لوحدها والمدن الكبيرة الأخرى مثل مزار شريف وهرات وجلال آباد، وأكثر رواد هذه المحلات من الشباب والفتيات والمراهقين من الصنفين، وأكثر المواقع زيارة هي المواقع الإباحية وغرف الدردشة - حسب استطلاع أجرته "إيرنا" وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية، ولا يوجد رقيب على المستفيدين من الإنترنت.
إلى جانب ذلك امتلأت أسواق أفغانستان بل والقرى البعيدة والمناطق المتخلفة بالأقراص الممغنطة (CDs) التي تحمل في الغالب كثيرًا من الفساد. وقد أخبرني بعض الشباب الموثوقين أن بعض الشركات تطبع على غلاف الأفلام الإباحية أسماء البرامج الدينية، وهذا لإغواء الشباب المتدينين؛ لأن الشباب عندما يشاهدون الصور الإباحية مرة واحدة تستهويهم ويدمنون مشاهدتها بعد ذلك. ويتم توفير هذه الأقراص بأسعار رمزية، ويبدو أنها مدعومة من قبل بعض الجهات التي لها مصلحة في نشر الفساد في أوساط الشعب الأفغاني.
وقد أخبرني بعض الناس أن صناديق كثيرة تأتي إلى قاعدة باجرام الجوية التي تعتبر قاعدة مهمة للقوات الأمريكية في أفغانستان، ثم تحمل إلى مدينة كابل من غير أن يطلع أحد على محتوياتها، وبنفس الصورة تأتي صناديق مشابهة إلى المدن الأخرى؛ مثل هرات ومزار شريف وغيرها أيضا.
وقد انتشرت هذه الأفلام حتى في المناطق البعيدة والمتخلفة التي لم يكن أحد يتصور أن تصل الأمور فيها إلى هذه الحالة، يشتري الناس المولدات الكهربائية الصغيرة التي تشغل مصابيح كهربائية والتلفزيون وجهاز الفيديو أو مشغل الأقراص (C.D Player). وقد احتج سكان بعض المناطق على انتشار البرامج والأفلام الإباحية الغربية والهندية، واضطرت الحكومات المحلية أن تغلق بعض المحلات التي تبيع وتنشر الأفلام المذكورة في ولاية قندز وفي بعض المناطق في ولاية ننجرهار.
والوسيلة الأخرى التي تستخدم لتدمير الشعب الأفغاني أخلاقيا ودينيا، وانتشرت بصورة مخيفة في أفغانستان - هي المحطات التلفزيونية الغربية والهندية اللاأخلاقية، والتي يعاد بث برامجها عن طريق الشبكة الداخلية في المدن الكبيرة. وقد وفرت بعض شركات البث التلفزيوني الشبكي في البداية خدماتها لحوالي سبعة آلاف مشترك في مدينة كابل لوحدها، ولما كثرت الاعتراضات أصدرت المحكمة العليا في أفغانستان قرارا بإغلاق مكاتب الشركات المذكورة؛ لأنها تبث الأفلام والبرامج المدمرة للأخلاق والمنافية لتقاليد المجتمع الأفغاني، والتي تبث من غير مراقبة، فتوقَّفَ البث، إلا أن مجلس الوزراء الأفغاني أصدر قرارا في أبريل عام 2004م سمح بموجبه للشبكات التلفزيونية (Cable T.Vs) بالعمل في المدن الكبيرة، وخاصة في مدينة كابل - حسب رغبة الجهات الأجنبية وحسب الأجندة التي تحاول تطبيقها في أفغانستان - ولما سئل عبد الحميد مبارز - نائب وزير الإعلام والثقافة - عن أضرار المحطات التلفزيونية التي تبث في كابل، وأنها تنشر الفساد الأخلاقي، قال: "الأمر متروك لاختيار الناس، فمن لا يريد مشاهدة هذه البرامج له ذلك، ولا يجبر عليه".
إن مما لا شك فيه أن كثرة الجرائد والمجلات والمحطات الإذاعية والتلفزيونية في بلد ما لهي دليل على نشاط الحركة الثقافية فيه، إلا أن الأمر يختلف في أفغانستان الآن؛ لأن الإعلام موجه توجيها معينا يتعارض مع ثوابت الشعب الأفغاني وقيمه، حيث يُستخدَم هذا الإعلام لإحداث تغيير اجتماعي عميق لصالح المشروع الغربي في أفغانستان، فإن الأمم المتحدة والجهات الأمريكية تمول الإذاعات الخاصة التي تنشر برامج من نوع خاص، وتمول الجرائد والمجلات التي تسهم في عملية التغريب. وقد نشرت بعض الجرائد مقالات تحمل في داخلها الإساءة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل جريدة "آفتاب" (الشمس)، ولما أمرت المحكمة العليا بحبس مرتكبي هذه الجريمة الشنيعة وإدانتهم، تم تهريبهم من أفغانستان إلى الغرب بهدف تشجيع الآخرين ليقتدوا بهم.
وقد صدر حديثا قانون للإعلام قيدوا فيه صلاحيات المحاكم في مؤاخذة الصحافة والإعلام، وتقديمها للمحكمة على ما تنشره من المقالات والكتابات المنافية لتقاليد المجتمع الأفغاني ودينه، حيث ينص القانون الجديد على تشكيل لجنة مخولة للنظر في القضايا المتعلقة بالصحفيين بدلاً من تقديمهم للمحكمة.
3- المرأة:
تعتبر المرأة من أهم وسائل إحداث التغيير الاجتماعي والتغريب في أفغانستان في المشروع الغربي الذي يتم تنفيذه الآن، وقد حاولت أمريكا في هجمتها الحالية على أفغانستان استخدام المرأة كأداة للتغريب بشتى الوسائل والطرق، وساعد على ذلك بعض المواقف المتشددة لنظام طالبان، والمتعارضة مع تعاليم الإسلام السمحة؛ مثل حرمان المرأة من حق التعليم، وحرمانها من المشاركة في أي نشاط اجتماعي – حتى وإن كان في حدود شرع الله ومنضبطًا بضوابط الإسلام - وإلزامهم النساء بنوع معين من الزي والحجاب؛ لأن حركة طالبان كانت تنطلق في مثل هذه المسائل من منطلق الذوق الريفي المعين ومن منطلق العادات والتقاليد بدلا من المنطلقات الشرعية.
ولما جاءت المرحلة الحالية في أفغانستان في ظل المشروع الأمريكي، كان الاهتمام بالمرأة واستخدامها كوسيلة لإحداث التغيير نحو التغريب على رأس برامجها، فاستخدمت في البداية بعض الأفغانيات العائدات من الغرب وبعض النساء المتحللات لتشجيع المرأة الأفغانية على الخروج عن تقاليدها، وحثها على الابتعاد عن دينها، وذلك أن مجموعة من هؤلاء النسوة كن يأتين إلى مجالس الرجال من الملتزمين دينيًا، وخاصة علماء الدين وبعض القيادات والشخصيات البارزة في الأحزاب الجهادية لإحراجهم بمد أيديهن إليهم للمصافحة، وعند امتناعهم عن مصافحتهن كن يتهمنهم بالإساءة إليهن، ويعتبرن ذلك إهانة للكرامة الإنسانية.
وتزامن مع تلك التصرفات أن امتلأت الأسواق في المدن الأفغانية الكبيرة بالصور الخليعة للفنانات الهنديات والغربيات.
ومن الخطوات المهمة التي اتخذوها في هذا الصدد: فتح المجال للمرأة الأفغانية لتلتقي بالمرأة الغربية، وخاصة المرأة الأمريكية، فقد تشكلت جمعيات كثيرة مشتركة بين المرأة الأفغانية والأمريكية تحضر اجتماعاتها زوجات المسؤولين الكبار في الإدارة الأمريكية؛ منها على سبيل المثال: تجمع المرأة الأفغانية والأمريكية الذي يعقد جلسته كل ستة أشهر في واشنطن وكابل، وتَرْأس التجمع المذكور "پاولا دبرينسکي".
وإلى جانب هذه التجمعات العديدة التي تلتقي فيها المرأة الأفغانية بالمرأة الأمريكية، تُرسل النساء الأفغانيات إلى الدول الغربية باسم الدورات التدريبية وتعلم اللغة الإنجليزية والمهارات الأخرى، ويعدن بحالة غير الحالة التي ذهبن بها، حيث تختلف الكثير من الرؤى والقناعات.
كل ذلك يحدث لتقديم النموذج الغربي للمرأة الأفغانية لتقتدي به، ويريدون أن يقنعوا المرأة الأفغانية بأن الغرب وصل إلى هذا المستوى من التقدم والحضارة بالانحلال الخلقي والسفور والتخلي عن الدين.
ولا شك أن الاستفادة من تجارب الآخرين أمر مستحسن شجع الإسلام عليه، فإن "الحكمة ضالة المؤمن، فهو أحق بها أنى وجدها"، لكن بشرط ألا يكون ذلك في جانب القيم الأساسية والأخلاق، فإنه لا يصح للمسلم اقتراض المعتقد والأخلاق والقيم عن الغرب أو الشرق. وقيم المجتمع الأفغاني وأخلاقياته غير القيم الغربية وأخلاقيات المجتمع الغربي، ولا يرضى أحد أن تكون المرأة الغربية نموذجا للمرأة الأفغانية ولا للمجتمع الأفغاني إلا شرذمة قليلة من حثالة المجتمع - لكن المرأة الأفغانية حين تلتقي بالمرأة الغربية والأمريكية تتأثر - في الغالب - بالجانب الأخلاقي والقيمي دون الاستفادة من التقدم والتطور العلمي؛ لأن الدورات القصيرة أو اللقاءات المتباعدة لا تفيد في هذا الغرض.
وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن الحكومة الحالية في كابل تشجع الاختلاط بين الرجال والنساء في كل الأماكن، بدءًا بفصول الدراسة في الجامعات، ومرورا بالمكاتب والدوائر الحكومية، وانتهاء بالحفلات والبرامج لترويج النمط الغربي للحياة.
وقد لعبت المؤسسات الخارجية ومؤسسات الأمم المتحدة دورا كبيرا في تشجيع المرأة الأفغانية للتخلي عن قيمها الإسلامية الأصيلة وعاداتها الأفغانية الجيدة، فإن المؤسسات الخارجية تعطي الأولوية للفتيات عند التوظيف، فقد اشتهر عند الشباب أن أية مؤسسة خارجية أو أفغانية عندما تعلن عن وظائف شاغرة ويتقدم إليها الشباب والفتيات، توظف الفتاة بدون نقاش، وإن كان الشاب أكثر تأهيلا منها؛ وذلك بغرض تشجيع المرأة على الاختلاط بالرجال. ويشترطون على المرأة عند التوظيف أن توافق على الخروج في رحلات ترفيهية مختلطةً بالرجال، وألا تعترض أسرتها على ذلك.
وبدأت الجهات الرسمية تشجع المرأة الأفغانية على المشاركة في مسابقات الألعاب العالمية بلباس مخل بالآداب والشرع، فقد شاركت "ليما عظيمي" إحدى البنات الأفغانيات في مسابقات الجري السريع العالمية في باريس بعد سقوط حكومة طالبان، وشاركت إحدى البنات الأفغانيات في مسابقات "أولمبيك" عام 2004م في إيطاليا بعد عودة أفغانستان إلى عضويتها بعد أن كانت عضويتها علقت بسبب سياسات نظام طالبان.
ونتيجة لهذا التشجيع شاركت مجموعة من الفتيات المقيمات في الولايات المتحدة الأمريكية الدول الغربية الأخرى في مسابقات ملكة الجمال العالمية شبه عاريات، وادعين أنهن يمثلن الشعب الأفغاني، وظهرن في وسائل الإعلام العالمية بصور مخلة بالآداب اضطرت معها وزارة الشؤون الاجتماعية والمرأة في الحكومة الأفغانية الانتقالية أن تصدر بيانا رسميا بشأنها، وتنفي أنها تمثل الشعب الأفغاني.
وقد أُرسلت تسع بنات من عضوات فريق كرة القدم النسائي الأفغاني الذي شكل مؤخرا بجهود الأمريكية (لي اليزابت) إلى أمريكا للتدريب هناك، وسيتم ـ إلى جانب تدريبهن رياضيًا ـ فحصهن طبيا، وسيلتقين بعدد من مسئولي الرياضة في أمريكا. وبهذا تثبت الجهات الأمريكية إصرارها على تغريب الشعب الأفغاني من خلال تغريب المرأة الأفغانية، وفتح المجال الواسع أمامها للتأثر بالحياة الغربية، فحتى الآن لا يوجد لدينا فريق كرة قدم للرجال، ولا يهتم أحد بذلك، لكن البنات يؤخذن إلى أمريكا للتدريب، وهذا مدعاة لعجب لا ينتهي ما دامت للناس عقول!!
وقد سمحت الحكومة لبعض الشركات باستيراد عدد كبير من الفتيات من الصين وكوريا وآسيا الوسطى للإفساد في كابل، ولما نوقش المسؤولون في تلك الشركة قالوا: استوردنا تلك الفتيات للأجانب الموجودين في كابل! إلا أنهن – في الحقيقة - موجودات في الأماكن المخصصة لهن لنشر الفحشاء والفساد الخلقي بين الأفغان أساسًا.
وقد أثمرت هذه السياسة الخبيثة إلى حد كبير، وانتشر الفساد بصورة غير مسبوقة في كابل وبعض المدن الكبيرة الأخرى. وتفيد المعلومات غير الرسمية أن مرض الإيدز قد انتشر بصورة مفزعة في مختلف مناطق أفغانستان بسبب الفساد الخلقي نتيجة تشجيع أصحاب المشروع الغربي على الفساد الخلقي في أفغانستان، وبسبب العائدين من الغرب الذين يحملون معهم فيروسات هذا المرض القاتل، وينشرونها في أفغانستان بسلوك طريق الانحراف والفساد الخلقي.
وينشر الأجانب المقيمون في أفغانستان الفساد الخلقي بصورة كبيرة، ويتعدون في ذلك كل الحدود الأخلاقية والإنسانية، فقد لاحظ بعض الأطباء العاملين في إحدى المستشفيات التابعة للأمم المتحدة في كابل في الآونة الأخيرة كثرة الفتيات الأفغانيات المتعرضات للاعتداء الجنسي من قبل قوات (ISAF ) التابعة للأمم المتحدة، فإن دوريات القوات المذكورة تأتي ببعض الفتيات اللاتي يكن قد تعرضن للاعتداء الجنسي في حالة مأساوية، وتتركهن في المستشفى، ويعدن إلى بيوتهن بعد تلقي العلاج من غير أن يسأل أحد عنهن أو يبحث عن مشكلتهن.
إلى جانب ذلك انتشرت الخمور في مختلف المناطق الأفغانية، خاصة في مدينة كابل، فقد أخبرني بعض المثقفين الأفغان أن المار في الطرق يمكن أن يشاهد صباح كل يوم عددا كبيرا من زجاجات الخمر الفارغة ملقاة في القمامة في منطقة "وزير أكبر خان" و"شهر نو"، بل قد تعوَّد على شرب الخمر مجموعات كبيرة من الشباب؛ لأنهم يجدونها رخيصة في منطقة "باجرام" التي تعتبر أهم القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة.
وكان من الطبيعي - في ظل هذا المخطط الخبيث – أن يزداد معدل الجرائم في المدن الكبيرة، وخاصة مدينة كابل، حيث تنشر الصحف بشكل شبه يومي حوادث اعتداءات على النساء وحوادث الفساد الخلقي.
هذه هي الجوانب التي اهتم بها المشروع التغريبي الأمريكي في قضية المرأة الأفغانية، وأهملوا القضايا الأساسية والمشاكل التي تواجهها المرأة الأفغانية كالأمراض مثلاً، فإن أفغانستان تعاني من انتشار مرض الدرن، وتقول مصادر الأمم المتحدة إن امرأتين تموتان في كل ساعة في داخل أفغانستان بسبب هذا المرض، وعدد النساء اللاتي يمتن عند الولادة كبير جدا بالمقارنة بالدول الفقيرة مثل أفغانستان، فإن عدد وفيات النساء عند الولادة في ولاية بدخشان 6500 امرأة من كل مائة ألف امرأة..
وقس على ذلك باقي المشاكل والأمراض، فإن المرأة الأفغانية بحاجة إلى اهتمام خاص في جانب التعليم والتربية بأن تكون هناك جامعات خاصة بالنساء ومدارس ثانوية وابتدائية للبنات؛ لأن المجتمع الأفغاني له تقاليده التي يصر عليها، فإن الكثيرين من الأفغان يصعب عليهم إرسال بناتهم إلى الفصول الدراسية المختلطة، ومن هنا ستبقى المرأة محرومة من التعليم والتربية بسبب ضيق أفق أصحاب المشروع الأمريكي، فإن هؤلاء لا يهمهم معالجة مشاكل المرأة الأفغانية الحقيقية، بل الذي يهمهم هو أن يخرجوا المرأة الأفغانية من جلبابها، ويجردوها من حيائها، ويقتلوا فيها تمسكها بدينها وبتقاليدها الأصيلة.. هذا هو همهم الأصلي؛ لأن تطوير المجتمع الأفغاني (أو تغريبه – في الحقيقة) مرتبط بذلك في نظرهم.
4- تقنين العلمانية:
الجبهة الأخرى التي يقاتل فيها أصحاب المشروع الأمريكي في أفغانستان هي جبهة التشريع والتقنين والدستور، ويرى المحللون أن الأمم المتحدة نيابة عن أمريكا اختارت وقتا غير مناسب لإعداد الدستور، حيث يعيش البلد في حالة فوضى، فيوجد فوق ثراه آلاف من الجنود الأجانب بقيادة أمريكا، ويؤثر وجودهم على هذه الصورة في القرارات المهمة والمصيرية للشعب والدولة الأفغانية.
وقد شُكِّل المجلس البرلماني الأفغاني "لويا جركا" بطريقة لا يمكن بحال من الأحوال أن يُعتبر معها ممثلا حقيقيًا للشعب الأفغاني، خاصة أن مجموعة كبيرة من أعضاء "لويا جركا" أميون لا يقرؤون ولا يكتبون، وقد طلب اجتماع المجلس لمناقشة "الدستور الدائم لأفغانستان"!!
وكانت الأمم المتحدة قد شكلت لجنة لإعداد مسودة الدستور، وكان المقرر فيه أن تنشر المسودة قبل تشكيل "لويا جركا" بفترة طويلة ـ حسب نصوص اتفاقية بون ـ ليناقش الشعب مواد الدستور، وليعطي الخبراء آراءهم حول القضايا المهمة، إلا أن المسودة خرجت قبل انعقاد "لويا جركا" بفترة وجيزة جدا، ولم يجد الناس فرصة لمناقشتها؛ لأن الحكومة كانت في عجلة من أمرها!! وقد تسربت أخبار إلى الصحف من قبل لجنة إعداد مسودة الدستور تفيد أن مسئولي الأمم المتحدة وزلمي خليل زاد وقيادات الحكومة المؤقتة غيروا في المسودة لتكون مطابقة لوجهة نظرهم.
في هذه الظروف غير المناسبة بالمرّة شُكِّلت لجنة إعداد مسودة الدستور لتمرير بعض المواد التي أراد أصحاب المشروع الاستعماري في أفغانستان تمريرها، ولو كانت الظروف عادية لما أمكن تمريرها؛ منها مثلا: المادة المرتبطة بالنظام الاقتصادي، فقد نص الدستور في المادة العاشرة أن الدولة تشجع الاستثمار الخارجي واستثمار القطاع الخاص القائم على نظام "اقتصاد السوق" وفق القانون، وتضمن الحفاظ عليه.
وينص الدستور في المادة الثانية على أن أتباع الأديان الأخرى يتمتعون بالحرية في اتباع أديانهم وأداء المراسيم الدينية في إطار القانون. وحاول أصحاب المشروع الأمريكي بهذه المادة أن يعطوا للمتنصرين من الأفغان صيانةً دستورية، وأن يضيفوا سببا آخر للتشتت والتمزق داخل المجتمع الأفغاني.
إننا في المجتمع الأفغاني ليس لدينا أقلية غير مسلمة إلا السيخ والهندوس الذين يقل عددهم عن 1%، ولذلك كان الدستور الذي أعد في عهد الملك ظاهر شاه ينص على حرية السيخ والهندوس في اتباع دينهم، وإجراء المراسيم الدينية الخاصة بهم من غير تعميم كما حدث في الدستور الحالي. وقد تم التنبيه على ذلك في داخل المجلس من قبل بعض الأعضاء، لكن أقرت المادة – بالرغم من هذا - بهذا التعميم؛ لتعطي حصانة للذين تنصروا بجهود المنصرين في أفغانستان والدول الغربية، وعددهم قليل جدا لا يساوي شيئا مقارنا بما يبذلونه من جهود كبيرة، فإذا سجل أحد من الأفغان نفسه رسميا كنصراني فسيصبح بعد ذلك وسيلة للضغط على الحكومة في المستقبل.
وتنص المادة السابعة عشرة من الدستور الملفَّق على أن الدولة ستتخذ ترتيبات لازمة لتنظيم وتحسين وضع المساجد والمدارس والمراكز الدينية. ويدرك القارئ مغزى كلمة "تنظيم" جيدًا، فقد فتحوا بذلك مجالا لتدخل الدولة والحكومة في المساجد والمدارس التي كانت تساعد في الحفاظ على الهوية الدينية للمجتمع الأفغاني منذ أن تنورت هذه البلاد بنور الإسلام بعيدا عن تدخل الجهات الرسمية، وهذا التدخل سيؤدي إلى تفريغ هذه المؤسسات من محتواها، وسيقضى على الوظيفة التي تقوم بها في المجتمع للحفاظ على هويته وتماسكه.
وينص الدستور في مواد متعددة على الحريات المطلقة، من غير أن تقيد بأن تكون في إطار الشرع والأخلاق السوية، وهذا سيؤدى إلى الفوضى، وخاصة من يريد أن يثير البلبلة الفكرية في مجتمع محافظ مثل المجتمع الأفغاني، وقد رأينا بعض آثار هذه الحرية المطلقة حين كُتبت مقالات في الجرائد تسيء إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد مجيء الحكومة الجديدة، وقبل أن يجدوا سندا قانونيا لتمرير مثل هذه الجرائم.
وينص الدستور الجديد أيضًا في المادة رقم 46 على إعطاء حق إنشاء المؤسسات التعليمية للأجانب في أفغانستان.. ولا شك أن مجال التعليم بحاجة إلى خصخصة وجلب الاستثمار الخارجي، لكن من الواجب في هذه الحال أن تحدد مواصفات عامة للشخص الذي يحتاجه البلد، والإطار العام الصحيح والمناسب للتعليم، وإذا لم يحدث ذلك فستؤدي عملية الخصخصة إلى بلبلة في المجتمع.
ولا شك أن المجتمع الأفغاني في الظروف الحالية يعاني من مشكلات كثيرة، فإذا سُلِّم مجال التعليم للجهات الخارجية من غير أن يكون هناك إشراف حكومي عام عليها، فسيؤدي هذا الوضع إلى مفاسد كثيرة، أخطرها على الإطلاق هو أنه يقدم فرصة ذهبية للمشروع الغربي ليعد الكوادر المطلوبة له على المدى البعيد.
لم يشترط في الدستور الأفغاني الجديد أن يكون رئيس الدولة رجلا ولا مثقفا عالما بدينه ودنياه، حيث تنص المادة الثانية والستون على أن "من يترشح لرئاسة الدولة يشترط فيه أن يكون مواطنا أفغانيا مسلما مولودا من أبوين أفغانيين، ولم يتجنس بجنسية دولة أخرى، ويكون عمره عند الترشيح أربعين سنة، ولم تصدر ضده محكمة حكما في جريمة من الجرائم الجنائية".
وقد نص الدستور - في المقابل - على أن الأفغان المتجنسين بجنسيات دول أجنبية يستطيعون أن يتولوا حقائب وزارية في الحكومة الأفغانية؛ بشرط ألا يعترض عليهم البرلمان. وبهذا فُتح المجال للأفغان الحاصلين على الجنسيات الأمريكية والغربية ممن استقروا في الغرب وتجنسوا بجنسيات الدول الغربية لتولي وزارات تُسيَّر من خلالها دفة البلاد.
هذه بعض نماذج للمشكلات الموجودة في الدستور الجديد الذي أعد في هذه الظروف العصيبة لأفغانستان لتسهيل عملية علمنة هذا البلد المسلم الأصيل.. إلا أن هذا الدستور – على الرغم من هذا - يشتمل على نقاط أخرى إيجابية، ولم نتعرض هنا لهذه النقاط لأن دستورًا يُعد لدولة شارك معظم سكانها في الجهاد ضد الاحتلال السوفيتي، وقضوا أعمارهم لإقامة الحكم الإسلامي في بلدهم - الأصل فيه أن يكون موافقا لمطالب الشعب وإرادته، لكن أصحاب المشروع الأمريكي حاولوا أن يدرجوا بعض المواد الإيجابية في الدستور لتسهيل عملية علمنة أفغانستان.
وكان "لويا جركا" الذي ناقش هذا الدستور مشتملا على مجموعة كبيرة من المجاهدين السابقين والمعارضين لتغريب أفغانستان وعلمنتها، إلا أنهم شُغلوا بالقضايا العرقية والقومية والعصبيات، وقد لعبت وسائل الإعلام الغربية؛ مثل إذاعة (بي بي سي) وإذاعة (صوت أمريكا) وإذاعة (صوت الحرية) وإذاعات أخرى تبث برامج خاصة موجهة إلى الشعب الأفغاني باللغات المحلية – لعبت كلها دورا كبيرا في إثارة العصبيات وطرح القضايا العرقية والقومية للنقاش.
فكان همّ كل فريق من المشاركين في مناقشة الدستور الجديد أن يحقق مكاسب للعرق الذي ينتمي إليه، وهذه قضايا بسيطة وغير مهمة في الحقيقة، إلا أنها صرفت الأنظار عن الاهتمام بالقضايا المصيرية التي تحدد وجهة البلد في المستقبل، وتعين نظامه القادم.
5- استيراد الكوادر الغربية
لما تم تشكيل الإدارة المؤقتة لأفغانستان حسب مقررات مؤتمر بون، وتولت هذه الإدارة زمام الأمور في كابل في 21/12/2001م، حينئذ اتضح أن العدد الأكبر من الوزراء (البالغ عددهم ثمانية وعشرين وزيرا) هم من المعروفين بولائهم للغرب، وقد أتت بهم أمريكا والغرب عمدًا لتنفيذ المشروع الغربي في أفغانستان.
وقد كان هذا بداية تغريب إدارة البلاد، وما زال هذا التوجه مستمرًا، وقد أحضرت الأمم المتحدة والجهات الغربية لبعض الدوائر الحكومية الأفغانية موظفين غربيين باسم "المستشارين"، كما فعل الشيوعيون حين استقدموا كوادر سوفيتية إلى أفغانستان. ويتقاضى هؤلاء "المستشارون" رواتب ضخمة، وتصرف عليهم أموال كبيرة، وتحسب هذه الأموال على أفغانستان؛ لأنها صرفت - على حد زعمهم - لتعميرها!
والذين جاءوا لمساعدة الإدارة أو الحكومة الأفغانية الجديدة أغلبهم من حملة الجنسية الأمريكية، وبعضهم من حملة جنسيات دول غربية أخرى، وتعيش أسرهم في تلك الدول التي يحملون جنسياتها، ويعمل كل منهم في مجاله لخدمة المشروع الغربي، وهو علمنة أفغانستان و"غربنتها" – إن صح التعبير - فمنهم من يشتغل في مجال الإعلام، ويحاول قدر استطاعته أن يروج لمجالس السماع الصوفي، أو يظهر اهتمامه بالإسلام بزياراته المتكررة لبعض الأضرحة، ويلهي الشعب بذلك، في حين يروج للقيم الغربية بتشجيع محافل الرقص والموسيقى وإذاعة الأغاني النسائية في التلفزيون الأفغاني، وإنشاء معاهد وعقد دورات تدريبية طويلة لتعليم الرقص والموسيقى. ويقوم بكل ما سبق وغيره سيد مخدوم رهين - وزير الثقافة والإعلام..
ومنهم من يقوم بمهمته في مجال التعليم العالي، ومنهم من يرسي قواعد النظام الاقتصادي الغربي في أفغانستان، وهكذا في كل المجالات الحيوية من الجيش والأمن وغيرهما.
6- إعادة صياغة مؤسسات الدولة:
يدرك أصحاب المشروع الغربي أهمية مؤسسات الدولة في المحافظة على النظام العلماني، فأمام أعينها التجربة التركية التي شُكِّل فيها الجيش بطريقة معينة وتولى المحافظة على النظام العلماني وحراسته بحيث لم تتمكن الأحزاب السياسية ولا القوى الوطنية أن تمس أسس النظام العلماني هناك بشيء، وكل من يحاول أن يغير شيئا من القوانين الفجة لذلك النظام العلماني الدكتاتوري بطريقة دستورية تحل حكومته ويرسل إلى بيته..ومن هنا يحاول أصحاب المشروع الأمريكي أن يشكلوا مؤسسات الدولة بصورة تكون صورة طبق الأصل للمحافظة على المشروع الغربي.
7: فتح المجال للتبشير وللمذاهب الهدامة:
تهيأت الفرصة في المرحة الحالية لعمل المؤسسات التبشيرية وللفرق الهدامة مثل البهائية والإسماعيلية في افغانستان بشكل واسع جدا، فتشتغل عشرات المؤسسات التبشيرية والإسماعيلية في مختلف الولايات الأفغانية، وتركز هذه المؤسسات في نشاطها على شمال أفغانستان وخاصة المناطق الفقيرة، وتستغل الظروف المعيشية الصعبة للناس في تغيير دينهم، وتقوم هذه المؤسسات بأنشتطها عن طريق بعض من تنصر من سكان طاجيكستان لأنهم يستطيعون أن يتفاهموا مع أهل المنطقة لاشتراك في اللغة، وقد ثار أهل المنطقة أكثر من مرة ضد هذه المؤسسات التبشيرية في ولاية قندز وولاية تخار وغيرها.
وقد تجرأت هذه المؤسسات التبشيرية إلى درجة أنهم يقدمون الدعوة للعلماء ولأئمة المساجد، فقد حكى لي أحد العلماء أنه ركب في سيارة مع مجموعة من العاملين في إحدى المؤسسات التبشيرية من سكان طاجيكستان فقدموا إليه دعوة صريحة للتنصر، يقول العالم المذكور وكانوا على جهل تام بالإسلام، فلما شرحت لهم وجهة نظر الإسلام حول قضايا عديدة منها المسؤولية الذاتية لما يرتكبه الإنسان وأن عيسى عليه السلام لا يمكن أن يكون فداء لما يرتكبه الناس من المعاصي، ووجهة نظر الإسلام حول عيسى عليه السلام وحول أمه مريم عليها السلام تحيروا وقالوا: هل هذا وجهة نظر الإسلام حقا؟.
إلى جانب ذلك يحضر الجيش الأمريكي وخاصة (PRT)(فريق إعادة الإعمار الإقليمي) رجال الدين المسيحيين إلى مختلف المناطق في أفغانستان ويعقدون الجلسات مع عامة الناس ومع أئمة المساجد للتأثير عليهم. لم يكن الناس يتوقعون أن يبدأ النشاط التنصيري بهذا الشكل الصارخ في مجتمع محافظ مثل المجتمع الأفغاني لكن الظروف المعيشية الصعبة للناس تشجع المؤسسات التبشيرية على استغلالها أسوأ استغلال، وكل ذلك يؤثر على الشباب ويواجهون بسببه أزمة الهوية.
ثانيا: المشاكل الاجتماعية:
يواجه الشباب الأفغان في هذه المرحلة التي سميناها مرحلة "الغزو الأمريكي لأفغانستان" مشاكل اجتماعية عديدة تؤثر فيهم نوجز هذه القضايا بصورة مختصرة جدا فيما يلي:
1ـ فرص التعليم: بعد فتح المجال للخصخصة في مجال التعليم بدأت مشكلة الطبقية في التعليم تظهر في المجتمع الأفغاني، فإن أولاد الأثرياء يجدون فرصة التعليم الجيد في المدارس الخاصة المحدودة أما الفقراء فيكتفون بالتعليم الذي تقدمه مدارس الدولة، وهذا سينعكس على مستقبل هؤلاء الشباب، فإن من يكون مؤهلا تأهيلا جيدا في المدارس الخاصة سيجد مناصب عالية في الدولة دون غيرهم.
2ـ قضية التوظيف: يواجه الشباب مشكلة أخرى وهي مشكلة التوظيف لدى المؤسسات الأجنبية بمرتبات عالية، لأن المؤسسات الأجنبية لديها أجندة معينة فإنها ترجح أن تكون الموظف فتاة لأنها تعتقد أن المرأة مظلومة في كل المجالات، وأنها هي الوجه الحضاري للبلد!! ويجب أن يظهر هذا الوجه، ومن هنا عندما يتقدم الشباب والفتيات لوظيفة يتم توظيف الفتاة وإن كانت تحمل مؤهلات أقل بكثير من مؤهلات الشباب.
وظهرت مشكلة اجتماعية أخرى وهي تتلخص في عدم وجود الفرص للشباب المتخرجين من الجامعات في الدول العربية وباكستان، ومن الجامعات التي كانت تعمل في المهجر وخاصة الكليات الأدبية والإسلامية؛ لأن التوظيف الآن يتطلب أن يكون المتقدم متقنا للغة الإنجليزية وأن يتمكن من الانسجام مع الجو السائد في أفغانستان!، وهؤلاء عددهم كبير جدا.
والمشكلة الأخرى التوظيف أن فرص التوظيف متوفرة للشباب في المدن الكبيرة أما الشباب في الأرياف والقرى فإن فرصهم في هذا المجال فمعدومة تقريبا.
3ـ العصبيات: ظهرت مشكلة العصبيات على أساس اللغة والعرق في السنوات الماضية، هذه المشكلة وإن خفت إلى حد كبير إلا أن بعض الجهات تثيرها من وقت لآخر، وقد أنشئت بعض الأحزاب السياسية على الأساس العرقي، ومن هنا فهناك تخوفات كبيرة أن تثار هذه المشكلة في المستقبل بشكل أكبر.
4ـ الفقر والطبقية: ومن المشاكل التي يواجهها الشباب هي مشكلة الفقر لأغلبهم وفي نفس الوقت هناك طبقة ثرية جدا جمعوا الأموال التي جاءت لتعمير أفغانستان لكنها ذهبت إلى جيوب هذه الطبقة.
ثالثا: الفرص
ومع ذلك هناك فرص عديدة يمكن استغلالها لصالح الشباب، فإن الشباب الأفغان يتمتعون بعدة مواصفات تجعلهم متميزين عن غيرهم ويجب أن تستغل هذه الميزات وتنمى لمواجهة التحديات السابقة، هذه الفرص باختصار كما يلي:
1ـ وجود المواجهة الفكرية، كانت المشكلة قبل ذلك يحاول الناس أن يحلوا المشاكل عن طريق السلاح والبندقية لكن الآن على الأقل هناك مجال للنقاش والحوار بطرق مختلفة بدءا بالحوار المباشر وانتهاء بوسائل الإعلام المتطورة.
2ـ حب التدين، من الميزات التي يتمتع بها الشباب الأفغان حب التدين، فإن الشعب الأفغاني عموما والشباب خصوصا يحب التدين وقد يكون أكثر الشعوب التزاما بدينه لكن المشكلة هي مشكلة الجهل وقلة الاطلاع.
3ـ الجدية والمصابرة: ومن الميزات التي يتمتع بها الشباب الأفغان الجدية والمصابرة، ومن هنا فإنهم إذا توفرت لهم الفرصة لا يضيعونها وتجد الشباب الأفغان متفوقين في أغلب المجالات التي يجدون الفرصة فيها.
4ـ التقشف: ومن ميزات الشباب الأفغان التقشف والاخشيشان، فإنهم نشأوا في ظروف صعبة سواء كانوا في ديار الهجرة أو كانوا في داخل أفغانستان وكل من يواجه مثل تلك الظروف ينشأ بعيدا عن التدلل والنعومة.
رابعا: التوصيات:
أختم الكلام ببعض التوصيات التي أراها مهمة للخروج من الأزمة الحالية، لكن قبل ذلك أريد أن أؤكد على أن الأمة مثل الجسد الواحد ـ كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ـ ولا يجوز لمسلم أن يشعر بالاطمئنان إذا تعرض عضو منه للتلف والضياع، انطلاقا من هذا وانطلاقا من قول الله عز وجل" وتعاونوا على البر والتقوى" يجب مساعدة الشعب الأفغاني في أزمته هذه ـ التي سميتها أزمة الهوية ـ لأن الشعب الأفغاني بمفرده لا يتمكن من القيام أما هذا التيار الجارف، والمجالات التي يمكن أن تتم مساعدة الشعب فيها ـ في نظري ـ كما يلي:
1ـ يجب التركيز على مواصلة العمل الخيري في مثل تلك المناطق، والإصرار على مواصلة هذا العمل نوع من الجهاد، لا يصح أن يستجيب القائمون على العمل الخيري للضغوط الأجنبية ويجب أن يتحملوا في سبيل ذلك المشاكل والمشقات رغبة في ثواب الآخرة إن شاء الله تعالى، وذلك لأن العمل الخيري كان مؤثرا جدا في إحياء معنى وحدة الأمة والشعور بالجسد الواحد، وكان وسيلة مؤثرة لتخفيف معاناة الملهوفين، ولما ترك العمل الخيري الإسلامي الساحة للعمل الإغاثي الغربي بدأت الجهات الكنسية والجهات المشبوهة الأخرى مثل البهائية والإسماعيلية استغلها اسوأ استغلال، وبدأت تنشر الفساد والنصرانية والأفكار الهدامة وعرضت المجتمع الأفغاني للتشتت.
2ـ إن التيار الفكري الغربي الجارف يؤثر على الشباب تأثيرا سيئا جدا، وأهم وسائلهم لنشره تأليف الكتب وترجمتها ونشرها بأسعار مدعومة، وأرى ـ والله أعلم ـ أن من الوسائل الناجحة للتصدي لهذه الهجمة المساعدة في مجال نشر الفكر الإسلامي الصحيح عن طريق التأليف وترجمة الكتب الجيدة التي يمكن أن تكون بديلة لما ينشرونه.
3ـ وسائل الإعلام من أهم وسائل التغيير وقد استغلها أصحاب المشروع الغربي، ويمكن مساعدة الشعب الأفغاني في هذا المجال، فإذا كانت الأمم المتحدة والمؤسسات الغربية الأخرى تمول عشرات المحطات الإذاعية ومئات الجرائد والمجلات، فإن الأمة الإسلامية يمكن لها أن تمول ثلاث أو أربع إذاعات على الموجات القصيرة ويمكن لها أن تمول جريدة يومية واحدة وثلاث أو أربع مجلات أسبوعية قوية.
4ـ يجب أن يقدم العمل النسوي النموذجي الإسلامي الصحيح لكشف زيف الدعاية الغربية، وذلك عن طريق إنشاء بعض المعاهد والمدارس النموذجية للنساء وإقامة الندوات والمؤتمرات للنساء خاصة تقدم فيها المرأة المسلمة نموذجا جديدا للمرأة الأفغانية التي لا ترى أمامها إلا النموذج الغربي للمرأة.
5ـ يجب الاهتمام على التعليم وعلى المؤسسات التعليمية العصرية، فإن خصخصة التعليم قد هيأ الفرصة للإسهام في هذا المجال، بل هو مجال جيد لاستثمار الأموال، فإذا أمكن إنشاء جامعة واحدة مع شبكة للمدارس في المدن الكبيرة يمكن أن نحفظ بها مستقبل شعب بكامله، وإذا تركنا الأمر ليتولى زمام أموره المتخرجون من الجامعة الأمريكية في كابل فنكون قد ضيعنا الشعب بأيدينا. وسبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك.

article1 [1]

رابط المادة: http://www.almoslim.net/node/85836