نشر في موقع المسلم (http://www.almoslim.net)
جدار الفصل العنصري ومشاريع التهويد تحطم أسوار القدس..
تم الإنشاء 20/09/2006 - 17:49

تشكل مدينة القدس رمزية الصراع العربي الصهيوني ومحوره ومكونه الحضاري والسياسي في آن، وتبرز سياسة التهويد لأرض القدس وسكانها وأماكنها المقدسة، مدى ترسخ الإجماع اليهودي حولها والذي يحمل مفردات: مصادرة الأرض، وبناء المستوطنات، وتهجير الفلسطينيين من موطنهم، وإحلال المستوطنين فيها، وإزالة معالم المدينة العربية والإسلامية وإفقادها طابعها الديني والحضاري.
استغلت سلطات الاحتلال الإسرائيلية التطورات الأساسية التي تعيشها القضية الفلسطينية في ظل انتفاضة الأقصى منذ سبتمبر 2000، وقامت بتوظيفها لتحويل بعض المستوطنات القريبة من القدس وتلك التي داخل حدودها التنظيمية الحالية إلى " أحياء يهودية "، وإحكام سيطرتها على المساحات الحيوية في القدس الشرقية لمنع تطور تجمعاتها الفلسطينية الطابع وتحويلها إلى جزر منفصلة عن بعضها البعض من جهة ومنفصلة عن امتدادها في الضفة الغربية من جهة أخرى.
وتتبع في ذلك سياسة دمج التجمعات اليهودية والمستوطنات المجاورة للقدس الشرقية إلى مناطق النفوذ الإسرائيلية، ويشمل ذلك المراكز القائمة على شكل نقاط استيطانية، وهي تتمتع بوضع استراتيجي يسيطر على طريقي القدس- الأردن والقدس- رام الله، وحسب ما هو مخطط فسوف يدخل جدار الفصل العنصري هذه المستوطنات مثل معاليه أدوميم وغوش عتصيون ضمن منطقة القدس التي ستضعها دولة الاحتلال تحت سيطرتها المباشرة.
وتضم تجمع مستوطنات معاليه أدوميم حوالي 28 ألف مستوطن وقد صادقت الحكومة الإسرائيلية في يوليو الماضي على بناء 600 وحدة سكنية قادرة على استيعاب 2000 مستوطن جديد، فيما تضم غوش عتصيون نحو 15 مستوطنة في منطقة بيت لحم جنوب الضفة الغربية بـ 12 ألف مستوطن.
مشروع جدار الفاصل العنصري يرسم حدود المدينة في إطار ما يسمى حدود القدس الكبرى، وتشمل أراضي تبلغ مساحتها 840 كلم2 أو ما يعادل 15% من مساحة الضفة الغربية، وهدفها النهائي فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها وقطع تواصلها مع القدس، مقابل تثبيت التواصل الإقليمي والجغرافي بين المستوطنات الواقعة في الضفة الغربية وخارج الحدود الإدارية لبلدية القدس بالإضافة إلى إقامة شبكة من الطرق تصل بين هذه المستوطنات بحيث لا يضطر المستوطنون دخول أحياء فلسطينية.
في تموز/ يوليو 1967 أجرت حكومة الاحتلال الإسرائيلية تعدادا لإحصاء سكان القدس،‏ حيث سجل 110 آلاف فلسطيني كمقيمين في القدس الشرقية وضمن الحدود البلدية الجديدة و22 ألف‏ في المناطق التي ضمت لحدود بلدية القدس التي تصل مساحتها حاليا 123 كلم2. وقد اعتبرت الدولة العبرية هؤلاء المقدسيين مقيمين دائمين في القدس حسب قانون دخول "إسرائيل" لعام ‏1952‏ ونظام دخول إسرائيل لعام ‏1974،‏ أما بالنسبة لأولئك الذين لم يشملهم الإحصاء السكاني لغيابهم عن سكناهم فقد اضطروا للتقدم بطلبات لوزارة الداخلية للعودة والإقامة ضمن نظام إسرائيلي.

تسريع حركة الاستيطان
هذا ولا يمكن فصل النشاط الاستيطاني عن جدار الفصل العنصري الذي تقيمه دولة الاحتلال في شقه المتعلق بالقدس، الذي يهدف إلى إلحاق المزيد من السيطرة على القدس العربية وتسريع حركة المستوطنين وتشجيعهم على السكن في المستوطنات ضمن منطقة القدس، حيث سيكون تأثير الجدار الفاصل في القدس هو الأشد والأكثر أهمية،
وقد ركزت الحركة الاستيطانية في القدس المحتلة معظم نشاطاتها في السنة الأخيرة على البلدة القديمة «الحي الإسلامي» . وبدأت لجان التنظيم والبناء اليهودية في إحياء عشرات المشاريع التي تم تأجيلها سابقا أو لم يوافق عليها، وتمت الموافقة مثلا على بناء سوق تجاري ملاصق لسور القدس، وإقامة قرية سياحية في المساحة الواقعة ما بين حي واد الجوز وحي الصوانه، وسيتم السماح للمقاولين اليهود بالبدء في تنفيذ مشاريع إسكان في أحياء جبل المكبر, وصور باهر, وسلوان, والطور والعيسوية, والشيخ جراح على أراضي حكومية تمت مصادرتها بالقوة.
تظهر أكثر أشكال السياسة الإسرائيلية تطرفاً في رفض وزارة الداخلية وبلدية القدس الاعتراف بسكان قرية خلة النعمان التي تقع في جنوب شرقي القدس وضمن حدودها البلدية، كسكان مقيمين في القدس، ويسكن القرية حوالي مائتي فلسطيني، وهم مهددون بالتهجير أو الاعتقال حيث تعتبرهم السلطات الإسرائيلية "مقيمون غير قانونيين" في بيوتهم وفي مسقط رأسهم، ومن شأن جدار الفصل الذي تبنيه إسرائيل على بعد كيلومتر من القرية أن يفصلها عن باقي الضفة الغربية.
وقد زادت إسرائيل خلال شهر آب / أغسطس 2003 من مصادرة أراض فلسطينية في ضواحي القدس الشرقية لبناء الجدار حول المدينة. وطرحت السلطات الإسرائيلية المحتلة مشروع إنشاء مقطع لجدار الفصل العنصري خاصة بمدينة القدس والمناطق المحيطة بها يعرف باسم " غلاف / حاضن القدس "، ويتضمن إقامة مجموعة من الأحزمة الأمنية والسكانية لفصل شرقي القدس بشكل تام عن الضفة الغربية ليتسنى السيطرة على حركة الفلسطينيين من وإلى المدينة والتحكم في نموها بما يخدم مستقبل اليهود فيها، كما سيجري دفع غالبية من السكان الفلسطينيين باتجاه الشرق، بما سيؤدي إلى تغييرات ديمغرافية وأخرى جوهرية على مستوى الحياة وعلاقة الإنسان الفلسطيني بأرضه المحيطة والأمر الذي لا يمكن تقدير مدى خطورتها.
وصادقت حكومة الاحتلال الإسرائيلية على المخطط حول القدس الذي يبلغ طول أسواره نحو 50 كم، حيث يمتد هذا الجدار كعائق متواصل في منطقة القدس في الطرفين الشمالي والجنوبي للمدينة، ويرمي إلى ربط المستوطنات المقامة خارج حدود ما يسمى " بلدية القدس " بالأحياء الاستيطانية داخل حدود المدينة لتكون ضمن الجسم الجغرافي للقدس من جهة، وربط هذا الحزام الاستيطاني اليهودي بالعمق اليهودي في القدس الغربية من خلال شبكة من الطرق والإنفاق من جهة أخرى حتى يحصل التواصل الجغرافي المباشر مع إسرائيل.
والملاحظ أن جدار الفصل الخاص بالقدس يحاول ضم مجموعة من المستوطنات مع أكبر عدد من المستوطنين في الوقت نفسه تجنب التجمعات السكانية العربية مع أقل عدد من الفلسطينيين في منطقة مثل غوش عتسيون وعوفاريم وجفعات زئيف في محيط القدس، وتغليف مستوطنات معاليه أدوميم ومستوطنات جبعون. فعند إنجاز بنائه، سيتم ضم نحو 176 ألف مستوطن تعادل نسبتهم نحو 44 %إلى مجموع المستوطنين، إلى جانب 27 مستوطنة أخرى في محيط القدس، وابتلاع الجدار أكثر من 90 % من مساحة القدس الشرقية الموسعة بعد سنة 1967(70كم2) لتدمج في إسرائيل لاحقا.
يمر الجدار في أجزاء كثيرة منه قرب التجمعات الفلسطينية الطابع، ويحيط ببعض القرى والبلدات فلسطينية من ثلاث جهات، فهو يفاقم من صعوبات حصولهم على الخدمات البلدية الضرورية والتعليم فضلا عن مصادرة الأراضي بما يضع الفلسطينيين في شبه معسكرات اعتقال. وتصل مساحة المناطق المتضررة من الجدار الفاصل في شرقي القدس المحصورة ما بين الحدود البلدية والخط الأخضر فقط إلى 70 ألف دونم أي ما نسبته 1.2% من مجموع مساحة الضفة الغربية.

الإغلاق المحكم
سيعمد جدار الفصل العنصري في القدس إلى سلخ أحياء عربية بكاملها عن القدس وأراضي الضفة الغربية وتقطيع أوصالها، وسيعزل حوالي 225 ألف فلسطيني من سكان القدس الشرقية داخل الحدود الإدارية لبلدية القدس عن الضفة الغربية، ويتضرر معها عشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين يعيشون في البلدات والقرى الواقعة في محيط المدينة، حيث يصل عدد القرى الفلسطينية المتضررة من جراء إقامة الجدار في شرقي القدس إلى 23 قرية وبلدية.
كما سيجد نحو 55 ألف فلسطيني أنفسهم داخل الجانب الإسرائيلي من الجدار ومقطوعين عن الضفة الغربية بالكامل، ليتم إضافتهم إلى فلسطيني القدس الشرقية، ولا سيما في مجموع قرى تضم: بير نبالا، وبيت حنينا، والجيب، وقلندية، والرام، وحزمة، وعناتا، وجديرة، ومخيم شعفاط،. وستكون هذه القرى منقطعة الصلة بالقدس الشرقية، وأيضا عن أراضيها في الضفة الغربية ، علاوة عن امتداد ضواحيها الشرقية كأبوديس، والعيزرية، والشيخ سعد، والسواحرة، التي سوف تُضَم إلى تجمعات فلسطينية أكبر. وعلى هذا النحو سوف يقتطع حوالي 100 ألف فلسطيني من نسيج القدس وبعضهم الآخر خارجه، مع اشتمال الفئة الأخيرة على نحو 15 ألف من حاملي هويات القدس المقيمين بكفر عقاب وقلندية.
والإغلاق المحكم حول الضواحي المحتجزة في الجانب الإسرائيلي من جدار القدس الفرعي تجعل أراضيها البعيدة فريسة سهلة لمستوطنات مثل غفعات زئيف وتجمع معاليه أدوميم. بالمقابل فان المئات من سكان قرية تسور بحر مثلا التي تعتبر ضاحية من ضواحي القدس الشرقية ويحمل سكانها هويات القدس المقيمين، سيجدون أنفسهم على الجانب الفلسطيني من الجدار. كما تم تخطيط جدار الفصل في قرية الشيخ سعد الواقعة في القدس الشرقية حيث سيفصلها عن شرقي القدس وعن باقي أراضي الضفة الغربية. وبإغلاقه مخرجها الوحيد الذي يؤدي إلى حي جبل المكبر الواقع شرقي القدس في سبتمبر/ أيلول عام 2002 بحاجز وكتل أسمنتية اضطر معظم سكانها إلى الخروج منها مشيا على الأقدام للحصول على تصاريح من إدارة الاحتلال التي تقابل معظم الطلبات بالرفض.
ويبدو أن إقامة الجدار ستجبر باقي السكان على الاختيار بين العيش داخل منطقة معزولة و النزوح خارجها حيث اضطر أكثر من 25% من ساكنيها إلى مغادرتها.

مدينة داوود
آخر المشاريع التي أطلت علينا هي ما أقدمت عليه مؤسسات إسرائيلية من حفر أنفاق متعددة الجوانب في قرية سلوان جنوب المسجد الأقصى المبارك وتحديدا في منطقة مجمع عين سلوان. ويهدف المشروع لاستكمال المشروع التهويدي المشهور باسم "مدينة داوود" كجزء من تحقيق الأسطورة التلمودية وبناء الهيكل الثالث المزعوم بكل مستلزماته ومرافقه على حساب المسجد الأقصى والمحيط القريب الملاصق للمسجد والبلدة القديمة في القدس بحسب ما أوردته دراسة لمؤسسة الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية.
وهذه الهجمة الشرسة التي تتعرض لها بلدة سلوان التي تعرف تاريخيا بـ"مدينة يبوس الكنعانية القدس الأم" جاءت من قبل جمعيات وشركات إسرائيلية تمثل أذرع متنفذة في مؤسسة العاد الإسرائيلية ومعناها بالعبرية نحو مدينة "داوود" - وهذه المؤسسة مشهورة بأنها صاحبة اليد الطولى في تنفيذ المشاريع الاستيطانية للاستيلاء على قرية سلوان، مستخدمة علاقاتها مع مؤسسات إسرائيلية عدة كسلطة الآثار الإسرائيلية وهيئة الحدائق الطبيعية.
وتتواصل هذه الحفريات تحت غطاء حفريات أثرية بالقرب من مجمع عين سلوان منذ عدة أشهر حتى تخرج بعدها على الملأ معلنة أن حفريات العاد - التي نفذتها سلطة الآثار- كشفت عن الطريق الاستكمالي لما يسمى بـ "الطريق الهيرودياني" الذي يبدأ طرفه الآخر في الزاوية الجنوبية الغربية للمسجد الأقصى.
وقد خرج رئيس اسرائيل موشيه كتساف داعيا في احتفالية خاصة لافتتاح كنيس يهودي ملاصق للجدار الغربي للمسجد الأقصى وساحة البراق لتنفيذ حفريات تحت المسجد الأقصى لربط طرفي الطريق الهيرودياني بين جهتي الجدار الغربي والجنوبي للمسجد الأقصى.
إذن هذه الحفريات أسفرت عن نفق أرضي يحفر تحت مسجد عين سلوان والروضة المجاورة بعمق أكثر من 12 مترا وهو نفق مكشوف أوله أما استمراره فمخفي بحاجز خشبي. وهذه العمليات مستمرة وبعدة اتجاهات حيث أن تشعب هذه الأنفاق وعمقها أدى إلى انهيار ترابي كبير تحت ساحة مسجد عين سلوان وحدوث تشققات في مبنى الروضة في حين تحدثت مصادر إسرائيلية أن أرضية النفق المذكور هي جزء من الطريق الهيرودياني وأن عملية الحفريات فيه كشفت عن آثار للتاريخ العبري المزعوم من عهد الهيكل الأول والثاني .
وذلك لربط طرفي عين سلوان من تحت أرض المسجد بحيث يتم دخول المستوطنين والسائحين دون الحاجة إلى صعودهم إلى الدرج العلوي الذي تسيطر عليه دائرة الأوقاف الإسلامية بشكل كامل .
هذه المحاولات الإسرائيلية المزعومة لا تخفي مدى خطورتها على المسجد الأقصى ومحيطه، والى جانب أنها غير قانونية فإن هذه المخططات تسعى إلى محاولة إيجاد تاريخ يهودي في المنطقة بشكل أو بآخر خاصة وأن هذه الحفريات لم تخرج بشيء سوى التكهنات وهي بالتالي محاولة إيجاد تاريخ غير موجود أصلا.



article3 [1]

رابط المادة: http://www.almoslim.net/node/85811