أوجدت التفجيرات الفدائية التي استهدفت السياح الإسرائيليين في مصر أول أمس الخميس، حالة كبيرة من الذعر والبلبلة بين أوساط الإسرائيليين والمصريين، وسط تكتم حتى الآن عن الجهات التي نفذت العمليات.
ورغم أن التفجيرات تحمل طابع تنظيم "القاعدة" إلا أن القاعدة لم تعلن بعد مسؤوليتها عن العملية، وإن كانت في معظم الحالات التي نفذت فيها هجمات سابقة على أهداف معينة، التزمت الصمت لبرهة من الزمن قبل إعلان المسؤولية.
اتهامات أمريكية وإسرائيلية للقاعدة:
المسئولون الإسرائيليون قالوا بعيد الانفجارات: " إنهم يعتقدون أن القاعدة كانت خلف الهجمات الثلاثة التي نفذت بالسيارات المفخخة".
وأكد المشاركون في اجتماع طارئ لمجلس الوزراء الإسرائيلي بعيد التفجيرات، أن رئيس المخابرات العسكرية أخبرهم أن القاعدة هي التي تقف خلف الهجمات، على الأرجح.
أما المسؤولون المصريون فقد فضلوا التروي والصبر، للتأكد من أن المنفذين هم بالفعل من أتباع القاعدة.
وقال ماجد عبد الفتاح، (المتحدث الرسمي باسم الرئيس المصري حسني مبارك): " يجب علينا أن ننتظر حتى الانتهاء من التحقيق للتأكد ما إذا كان الهجوم منفذاً من قبل القاعدة، أو أي منظمة أخرى".
فيما نقلت وكالة الأسوشيتدبرس عن مسؤول أمريكي في مكتب مكافحة (الإرهاب) قوله: " إن المسؤولين الأمريكيين يرجحون فرضية أن تكون القاعدة خلف التفجيرات الجديدة".
وأضاف " التفجيرات المنسقة التي وقعت؛ تظهر مستوى عالٍ من التخطيط والتنفيذ، وهو يناسب أسلوب القاعدة العسكري المعتاد".
إلا أن المسؤول الذي طلب عدم الكشف عن هويته قال: " ولكن هذا لا يستبعد احتمال قيام تنظيمات مثل حماس أو الجهاد الإسلامي الفلسطينيتين في تنفيذ الهجمات، أو بعض الجماعات المصرية المحلية".
لماذا القاعدة !؟
بسبب عدد كبير من الهجمات السابقة التي استهدفت مصالح أمريكية وإسرائيلية في دول عربية وعالمية عديدة، فقد بات من الواضح للمراقبين السياسيين، طريقة عمل عامة تعتمد عليها القاعدة في تنفيذ ضرباتها.
هذه الطريقة العامة تحمل خطوط عريضة، يندرج تحتها التخطيط المدروس لكل شيء، بدءاً من توقيت الانفجار الذي وقع في أعياد مصر بانتصار 6 أكتوبر عام 1973م، وما يرافقه من إجازات بين صفوف قوات الأمن والجيش، وكذلك احتفالات ما يسمى "بعيد المظلة" الإسرائيلي، وليس انتهاءً بحجم التفجير الكبير الذي هز طابا، وأدى إلى تدمير واجهة الفندق بارتفاع 10 طوابق.
كذلك فإن القاعدة تعتمد على توجيه ضربات متخصصة بأسلوب السيارات المفخخة، وهو الأمر الذي حدث في معظم هجمات القاعدة، في نيروبي والمغرب والسعودية وأفغانستان والعراق وتركيا وغيرها.
ولعل ما يشير أيضاً إلى ضلوع القاعدة بالتفجيرات، عدم وجود الخبرات الكافية من قبل التنظيمات الفلسطينية وبعض الجماعات في مصر.
كذلك إعلان حركة المقاومة الإسلامية حماس بعدم مسؤوليتها عن التفجيرات، كل ذلك جعل الدائرة تتركز أكثر حول "القاعدة".
ولكن لماذا لم تعلن القاعدة بعد مسؤوليتها عن العملية !؟
في هجمات سابقة، التزمت القاعدة الصمت لعدة أيام قبل إعلان مسؤوليتها عن التفجيرات، فمن ناحية تنتظر القاعدة أن تنسحب المجموعات المنفذة التي قامت بالإعداد والتخطيط للهجمات قبل إعلان المسؤولية، وهو ما يستعديه الحفاظ على أمن الخلايا المشاركة في الهجمات.
من ناحية أخرى، فإن الإعلان من المفترض أن يأتي من قبل جهات عليا في التنظيم، وهذه الجهات على الأغلب ملاحقة ومراقبة قدر المستطاع، لذلك فمن الصعب عليها أن تنجز إعلاناً وتوصله إلى جهات إعلامية بسرعة وسهولة.
كما أنها -فيما يبدو- تنتظر ردة الفعل كاملة على الانفجار، قبل أن تحصل على ردة الفعل من الإعلان، ما يجعل الجهات المعنية في الانفجار تقع في حرج سياسي وإعلامي وأمني، وتفقد القدرة على التخطيط والتفكير في الرد السريع، وهو ما حدث خلال هجمات الحادي عشر من سبتمبر وهجمات مدريد ونيروبي وتركيا وغيرها.
كيف تم ذلك ؟
بعيد التفجيرات التي حصلت في تركيا في الـ15 من نوفمبر 2003م، والتي استهدفت معبدين يهوديين في اسطنبول، أعلنت جماعة تركية إسلامية تطلق على نفسها اسم "فرسان الشرق الإسلامي الأكبر" مسؤوليتها عن التفجيرات، لكن السلطات شكت في صحة هذه الأنباء.
وفيما بعد تبين أن هذه الجماعة موجودة بالفعل، وتتألف من مجموعة من الأتراك الذين قاتلوا في أفغانستان ضد الاحتلال السوفيتي آنذاك، وتلقوا تدريبات عسكرية خلال تلك المدة.
موقع "المسلم" كتب بتاريخ 26/9/1424هـ، حول تفجيرات اسطنبول يقول: " من المفترض أن تكون القاعدة أو حركة إسلامية أخرى في تركيا قد نفذت التفجيرات المتزامنة في اسطنبول، ولكن أياً من التنظيمات التي قامت بذلك، فإنها كانت تحتاج بشكل أكيد لدعم محلي، وهذا ما يشير إلى إمكانية حصول نفس السيناريو السابق، من أن عناصر من تنظيم القاعدة قامت بالتعاون مع حركات داخلية، بالترتيب والتنفيذ للهجوم".
وأضاف الموقع بالقول: " على أن "القاعدة" لا بد أن تجد لها الدعم في داخل تركيا، خاصة وأن أشخاص في تركيا كانوا يتعاطفون مع المجاهدين الشيشانيين الذين يقاتلون ضد الاحتلال الروسي، ويقدمون لهم الدعم، ما سمح بنشوء علاقات بين الأتراك في الداخل، وبعض الجماعات الجهادية في الخارج".
وفي تكرار -على ما يبدو- لنفس السيناروهات السابقة، فإن تنظيم القاعدة لم يقم -أغلب الظن- بتنفيذ كامل العملية في طابا، بل إنه قد استطاع أن يوجد دعماً داخلياً عبر حركات أو أشخاص لديهم نفس الفكر والإيديولوجية التي تمتلكها القاعدة، ما ساهم في تقديم المال والخطط من الخارج، والحركة والأشخاص والتنفيذ من الداخل.
وهي ذات الطريقة التي تستخدمها "القاعدة" في تنفيذ العديد من التفجيرات داخل الدول.
خاصة وأن "القاعدة" لا بد ستجد أشخاصاً في مصر سيساهمون معها في تنفيذ هذه الخطة، خاصة مع كون (الرجل الثاني من تنظيم القاعدة) أيمن الظواهري من مصر، ووجود العديد من الجماعات الإسلامية التي أعلنت الجهاد مراراً ضد الاحتلال الأمريكي والإسرائيلي في مصر وفلسطين والعراق...
حجم التفجيرات وتوقيتها
الانفجارات الضخمة وقعت مساء يوم الخميس، واستهدفت ثلاثة أماكن يقصدها السياح الإسرائيليون في شبه جزيرة سيناء بمصر.
وقع الانفجار الأول عند الساعة العاشرة من مساء يوم الخميس، واستهدف فندق الهيلتون، وأدى إلى تدمير الغرف الخارجية المطلة على الشارع لأحد أجنحة الفندق، بمساحة 10 طوابق تقريباً.
وخلال أقل من ساعة على الانفجار الأول، كانت سيارتان مفخختان قد انفجرتا في آن واحد تقريباً، بالقرب من خيام سياحية على شاطئ البحر، جنوب طابا بنحو 56 كم، حيث كان العديد من السياح الإسرائيليين يقضون مدة الإجازة.
حدثت الانفجارات في نهاية الإجازات الصيفية في كل من فلسطين المحتلة ومصر، في وقت كانت فيه المصائف المصرية في سيناء مليئة بأكثر من 15 ألف سائح إسرائيلي، قدموا للاحتفال بما يسمى عندهم (عيد المظلة).
ووفقاً للبيانات الأولية من قبل المسؤولين المصريين والإسرائيليين، فإن فندق "هيلتون طابا" كان يضم محو 95% من قدرته الاستيعابية بالنزلاء، بينهم 900 نزيل و500 موظف؛ عندما وقع انفجار السيارة المفخخة، والتي يعتقد أنها كانت تحتوي على نحو 440 رطل من المواد المتفجرة.
أما اليوم، فإن الفندق يعاني من تحطم واسع في أحد واجهاته، فيما يحمل المدخل الرئيس له لافتة كتب عليها " مغلق حتى إشعار آخر".
عدد القتلى والجرحى:
فيما كان المحققون يبحثون عن أي دليل قد يشير إلى الجهة التي نفذت الهجمات، كانت فرق الإنقاذ تحاول انتشال أكبر عدد ممكن من القتلى والجرحى من بين الحطام.
ولا تزال الأنباء متضاربة بين الإعلانين المصري والإسرائيلي،
حيث تشير البيانات الإسرائيلية إلى سقوط 30 قتيلاً و160 جريحاً، وفق ما أكدت فرق الإنقاذ التي تقوم بإخلاء القتلى والجرحى.
بينما يقول المسؤولون المصريون أن عدد القتلى لم يتجاوز الـ24 شخصاً، مع وجود 100 جريح.
وقد استخدمت فرق الإنقاذ الإسرائيلية والمصرية الجرافات والبلدوزرات والكلاب البوليسية وحتى الأيدي العارية، للبحث بين حطام فندق "هيلتون طابا" عن ناجين وسط ظلام الليل؛ بسبب وقوع الانفجارات في المساء، ما حدا بالمنقذين لاستخدام الفوانيس وأضواء السيارات والشاحنات.
الإسرائيليون يؤكدون وجود عدد كبير من المفقودين، وبحسب اللواء يائير نافيه، (رئيس قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية) فإن القائمة تضم نحو 100 شخص لم يتم معرفة مكانهم، ولا يعرف هل كانوا في الفندق وقت الانفجارات أم أنهم كانوا خارجاً، وهربوا إلى أماكن أخرى، أو دخلوا فلسطين المحتلة.
خاصة وأن السياح الإسرائيليين الذين كانوا في طابا، تدافعوا بالآلاف لعبور الحدود المصرية الفلسطينية، للدخول إلى فلسطين المحتلة.
الإعلام الإسرائيلي وصف مقتل بعض الإسرائيليين هناك بالقول: " أم وابنتها سقطتا من ا لطابق السابع إلى الأول، فيما سقط طابقان على إحدى الإسرائيليات بينما كانت في بانيو الحمام..."
المصادر الإسرائيلية قالت في بداية الانفجار: " إن عدد القتلى يفوق الـ30 قتيلاً" إلا أن البيانات أشارت فيما بعد إلى نحو 29 قتيلاً، و30 مفقوداً.
وقالت مصادر مصرية طلبت عدم الكشف عن هويتها: "إن عدد القتلى بلغ 24 شخصاً، من بينهم عدد كبير من الإسرائيليين و7 مصريين، والبقية من الجنسيات الأجنبية الأخرى، من بينهم امرأة روسية".
وقد أعلنت وزارة الخارجية الروسية نبأ مقتل امرأة روسية، ووجود 8 روس بين المصابين.
فيما أعلنت وزارة الخارجية البريطانية وجود اثنين من البريطانيين بين الجرحى أيضاً.
وأعلنت الحكومة الإيطالية من روما وجود أختين إيطاليتين من بين المفقودين حتى الآن.
أما وزارة الخارجية الأمريكية فلم تعلن عن مقتل أي من مواطنيها، بل أعلنت وجود موظفين في السفارة الأمريكية في تل أبيب وعائلاتهم بين الجرحى.
كما وجهت خطاباً إلى الأمريكيين بتجنب الذهاب إلى شبه جزيرة سيناء على مدى الأشهر الثلاثة القادمة.
وكانت الحكومة الإسرائيلية وجهت نداءً إلى الإسرائيليين في التاسع من شهر سبتمبر الماضي، لتجنب الذهاب إلى مصر، مخافة وقوع هجمات تفجيرية ضدهم.
الحكومة المصرية والتفجيرات:
فيما يبدو، فإن الحكومة المصرية لم يفزعها شيء أكبر من فزعها من إصابة قطاع السياحة فيها بالضرر، ذلك أنها كانت قد عاشت تجربة سابقة، عندما تم قتل نحو 58 سائحاً أجنبياً في مدينة الأقصر الجنوبية، على يد مجموعة مسلحة عام 1997م.
كما أن الحكومة الحالية تولي مسألة السياحة أهمية وأولوية خاصة، بسبب الإيرادات الضخمة التي تجلبها لسد بعض النقص في الخزينة الفقيرة للدولة.
لذلك، فقد حاولت منذ البداية إعلان براءتها من التنفيذ والتخطيط والمساندة، عبر دعوة الحكومة الإسرائيلية لإمدادها بطواقم طوارئ، وفتح الباب أمام الإسرائيليين الداخلين والخارجين.
كما شدد (رئيس الحكومة المصرية) أحمد أبو غيط ، على تسمية المنفذين "بالإرهابيين" وتسمية العلمية "بالإرهابية"بغض النظر عن الدافع، ودون أي مقارنة ما بين مجازر الإسرائيليين في فلسطين المحتلة والاغتيالات الداخلية والخارجية لقيادات المقاومة الفلسطينية، وبين التفجيرات الجديدة".
فيما شدد (وزير الداخلية المصري) حبيب العدلي على أن مصر " لن تسمح بعودة" ما وصفه "بالإرهاب".
أما (وزير السياحة المصري) أحمد المغربي فقد أكد أن الهجمات ذات طابع سياسي، قائلاً: " انظروا إلى التوقيت وإلى المكان"، في محاولة لتفريغ الهجمات من أي بعد يستعدي "السياح" بشكل خاص، ولحصر المسألة بـ"الإسرائيليين" تحديداً.
ورغم أن المغربي لم يشر بشكل مباشر إلى المجازر التي تقع ضد الفلسطينيين على يد الاحتلال الإسرائيلي، إلا أنه حمّل الهجمات التي وقعت على عاتق الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. بعيداً عن مصر كدولة.
وقد قامت الجهات الأمنية المصرية على الفور، برفع مستوى التعزيزات الأمنية عبر التفتيش الدقيق للسيارات الداخلة والخارجية من المنطقة، وتكثيف الحضور الأمني حول المطارات والفنادق، وغيرها.