حماس .. هيبة الجهاد الحقيقي في فلسطين
" في غزة يجلس قادة حماس (..) يبتسمون برضا , إن لهم ميزة واحدة يتفوقون بها علينا : إنهم يعرفون أين سينفجر الباص التالي" (عوفر شيلح / يديعوت أحرونوت 19/5/2003) ". في هذه الأثناء تقود حماس , وإلى جانبها الجهاد الإسلامي , وكذا تنظيم فتح , الأحداث . ورغم كل الضربات التي تلقتها وآلاف المعتقلين في السجون الإسرائيلية , يستمر الإرهاب على نحو مشابه لما كان عليه قبل حملة السور الواقي في إبريل من العام الماضي." (زئيف شيف / هآرتس 19/5/2003). هذه هي النفسية التي ينظر بها اليهود للنجاحات النوعية التي تحققها المقاومة الفلسطينية الباسلة في مواجهة الاحتلال اليهودي البغيض. كما يصفها أحد قادة المقاومة بالكلمات التالية: حماس تحطم النظرية الأمنية الإسرائيلية " لقد حطمت المقاومة الفلسطينية بما قامت به حركة المقاومة الإسلامية حماس من عمليات في فلسطين المحتلة في الثلاثة أيام الماضية(19,18,17/5/2003)، النظرية الأمنية الصهيونية، والخطط الأمنية الإرهابية التي نفذها الإرهابي "شارون" بهدف قتل المقاومة، ولقد شكلت العمليات الأخيرة رسالة واضحة خاطبت فيها الفلسطينيين أولا، والأمة العربية والإسلامية ثانيا، والصهاينة ثالثا، والمجتمع الدولي رابعا بلغة سهلة يستطيع أن يفهمها الجميع دون كثير عناء..."(د.عبد العزيز الرنتيسي/ مركز الإعلام الفلسطيني/ القدس العربي 22/5/2003).
بعد عام من مجزرة جنين التي راح ضحيتها المئات من أبناء فلسطين , بعد أن خاض شبابهم أروع ملحمة بطولية عرفها القرن الحالي ؛ حين تصدى المجاهدون الفلسطينيون لآلاف من جنود الاحتلال تعززهم الأرتال المدرعة والطائرات الحوامة لأيام قبل أن تنفد ذخيرة المجاهدين , وتدمر القوات الباغية مخيم الصمود .
بعد عام ونيف , خال فيه للجميع أن مصنع الاستشهاد في جنين القسام قد أغلق أبوابه أو بات لا ينتج إلا بأدنى طاقته , وأن نجم الاستشهاد والفداء قد خبا , عادت قناديل النور من جديد لتبدد وحشة الطريق , هذا الطريق الذي بات يدرك المجاهدون دروبه دونما حاجة لخارطة طريق مضللة . فنجاحات المقاومة التي تقودها اليوم حركتي حماس والجهاد الإسلامي لا سيما في الأيام الأخيرة ومن خلال عملياتهما النوعية قد كشفت عن خارطة الطريق الحقيقية التي أضحى معظم أفراد الشعب الفلسطيني يؤمنون بها , يقول الكاتب الصهيوني أوري دان : " ..هذه الموجة الإرهابية الجديدة من جانب حماس هذا الأسبوع تثبت ثانية أن خارطة الطريق الحقيقية هي خارطة الإرهاب الإسلامي (..) إن حماس والجهاد الفلسطينيين هما جزء من سرطان الإرهاب الإسلامي (..) ؛ ومحور الشر الإسلامي" (معاريف 22/5/2003) . عمليات في الوقت المناسب وهذه العمليات النوعية التي قامت بها الحركتان الأبرز في المقاومة الفلسطينية خلال الأسبوعين الماضيين , والتي كان أبرزها حدوث خمس عمليات فدائية خلال 48 ساعة فقط في الأسبوع الثالث من شهر مايو الماضي , تكتسي أهمية خاصة لكون :
1 ـ هذه العمليات جاءت في أعقاب انتصار ظاهري لليمين الصهيوني الأمريكي في العراق أدى إلى تأمين الجبهة الشرقية للكيان الصهيوني تماما , ما اعتبر لجزء كبير من "أرض المعاد/إسرائيل الكبرى/مملكة الرب" بحسب المفهوم اليهودي , وهو ما أعطى بدوره دفعة قوية للكيان الصهيوني, وأثر سلبا على الداخل الفلسطيني وكثير من المسلمين والعرب .
2ـ هذه العمليات أتت في أعقاب تحول دراماتيكي لاهتمامات العرب نحو العراق المنكوب , وهو ما كاد ينتقص شيئا كبيرا من زخم القضية الفلسطينية وبريقها الشعبي العربي , وهذا أضاف لها بعدا تفاعليا ربما أراد به منفذوه لفت نظر الشعوب العربية لضرورة توجيه الدعم اللوجيستي للمقاومة الفلسطينية من جديد , بعد أن غفل العرب عنها في غمرة أحداث أفغانستان والعراق , وبعد أن آتى التضييق الأمريكي على المنظمات الخيرية الإسلامية والعربية ثماره المتوقعة.
3 ـ هذه العمليات جاءت بعد اغتيال عدد كبير جدا من قادة ونشطاء حركتي حماس والجهاد الإسلامي , لذا فهي تشير إلى كفاءة الحركتين في جبر كسورهما وقدرتهما العالية ـ بفضل الله ـ على تجديد خلاياهما وتعويض خسارتهما بسرعة , وهما بذلك يبثان رسالة إلى الصهاينة بأن عملياتهم الأمنية قد أصبحت فاشلة , ويريدان أن يستمر العدو الصهيوني في حالة عدم الاتزان التي حاول أن يخرج منها العام الفائت في الوقت الذي يشيعون الأمل في نفوس الفلسطينيين قبل أن يدهمهم سراب السلام من جديد.
4 ـ هذه العمليات وجهت صفعة مؤلمة لأجهزة الاستخبارات الصهيونية , اعترف بها جيش الاحتلال ذاته عبر الإذاعة اليهودية التي قالت(17/5/2003) :" إن المسؤولين في جهاز الأمن الداخلي (شين بيت) يشعرون بالإحباط لأنهم لم يكونوا يملكون أي معلومات عن العمليات الاستشهادية الخمس الأخيرة , ولأن الجيش الإسرائيلي يحتل منذ عام المدن الفلسطينية ويستطيع التحرك كما يشاء ميدانيا." وتقول مصادر صهيونية في تقارير نشرتها عدة صحف يهودية يوم 16/5/2003 : أن "موجة العمليات تعتبر صعبة بشكل خاص , لأنها ـ إضافة إلى ألم سقوط القتلى والجرحى ـ تناقض ما تعلمه مواطنو إسرائيل من تصريحات القيادة العسكرية والسياسية الإسرائيلية , فقد قيل للمواطنين الإسرائيليين إن إسرائيل على وشك حسم الصراع , وأن الفلسطينيين قد فهموا ثمن العمليات .." وتتحدث مصادر عسكرية صهيونية عن أن مقتل 12 جنديا صهيونيا بينهم اللواء درور فاينبرج وجرح أكثر من 70 آخرين ـ بحسب ما أعلنته أجهزة الأمن اليهودية التي عادة ما تعلن عن مقتل وجرح عدد أقل من الحقيقي فيما يخص عسكرييها بالذات ـ "شكل حقنة تشجيع مهمة لتنظيمات فلسطينية عديدة , ولأشخاص لا علاقة لهم بانتماءات تنظيمية محددة , للقيام بأعمال فدائية متنوعة." وقالت المصادر : "لئن كنا نتحدّث قبل بضعة أشهر عن وجود نحو 25 إنذارًا عامًا في اليوم ، فقد بلغ عدد الإنذارات العينية في الأسبوعين الأخيرين نحو 50 إنذارًا في اليوم"
ويلاحظ أن حركتي حماس والجهاد الإسلامي تبدوان حريصتين على تنفيذ عمليات نوعية ومفاجئة للعدو الصهيوني وليست من ذوات العيار الثقيل بهدف إرباك العدو وحرفه في ذات الوقت عن اتخاذ إجراءات انتقامية تدميرية كعمليات تهجير كبرى أو كطرد عرفات ورفاقه, كما تحرص الحركتان على الإبقاء على حالة استنزاف عسكري تربك العدو على الدوام وتجعله عاجزا عن رصد التحرك القادم , ومفاجأته كل يوم بضربات غير متوقعة ونوعية بهدف دفع جنده المحتلين إلى اليأس والإحباط . عمليات نوعية ومن أمثلة هذه العمليات المتنوعة المباغتة التي جرت خلال الأسبوعين الأخيرين من شهر مايو الماضي :
# في بيانٍ وزعته كتائب القسام في العشرين من شهر مايو الماضي أعلنت الكتائب مسئوليتها عن عملية استشهادية وقعت قرب مستوطنة كفار داروم في دير البلح وسط قطاع غزة ؛ حيث قام مجاهد على دراجة بتفجير شحنة ناسفة كان يحملها عند مروره أمام سيارة جيب عسكرية . و قال مصدر عسكري صهيوني : "إن العملية أدّت إلى إصابة 3 جنود بجروح طفيفة و مقتل الاستشهادي" . لكن الكتائب قالت في بيانها "أن "شادي سلمان النباهين - 21 عامًا - فجّر دراجة هوائية كان يقودها محمّلة بعبوة جانبية مضادة للدروع عندما اصطدم بسيارة جيب عسكرية صهيونية قرب مستوطنة كفار داروم في دير البلح بقطاع غزة" . و تحدّث البيان عن سقوط قتلى صهاينة في العملية . و قال البيان نقلاً عن شهود عيان : إن سيارة الجيب العسكرية "تطايرت أشلاء في المكان بينما وصلت مروحية عسكرية صهيونية لنقل القتلى الصهاينة"" . ويعد استخدام الدراجات النارية من الأمور نادرة الحدوث في حروب العصابات .
# فجرت فدائية نفسها على مدخل مجمع "هعمكيم" التجاري في مدينة العفولة يوم 17/5/2003، مما أسفر عن مقتل 3 صهاينة على الأقل و إصابة 20 آخرين أربعة منهم في حالة خطرة . و قالت مصادر أمنية إن منفّذة العملية ، هي هبة سليم ضراغمة (19 عاماً) , وهي ترتدي خمارا سابغا وتقول بعض المصادر الإسلامية أنها كانت منتقبة وهذه أيضا من الحالات النادرة التي تقوم فيها مختمرة بتفجير نفسها في مكان كل رواده من اليهود , ويعد ذلك لفتة عسكرية مميزة لحركة الجهاد الإسلامي التي نفذت الفدائية العملية باسمها.
# في القدس والخليل نفذت في التاسع عشر من شهر مايو الماضي أربعة عمليات استشهادية تقليدية , غير أن الجانبين غير التقليديين فيهما كانا يتمثلان في اختيار الخليل الهادئة نسبيا كمسرح لبعض العمليات القوية , وفي طريقة اختيار الفدائي فؤاد القواسمي 22 عاما وباسم التكروري 19 عاماً الذي قيل عنهما وعن خليتهما "إنه تحت أنف المخابرات نمت خلية فتاكة نجحت في المبادرة إلى موجة العمليات الأشد منذ عدة أشهر" على حد قول الصحافي عاموس هارئيل في "هآرتس" اليهودية , حيث يضيف الصحافي ذاته : " يتعاظم الإحساس بالفشل الاستخباري في ضوء اكتشاف أن القواسمي كان قيد الاعتقال الإداري حتى شهر كانون الأول . أما الآن فيتبين أن القواسمي جنّد للعملية بينما كان في السجن" .
# استهداف "هيبة" رأس الكيان الصهيوني ذاته من خلال استهداف مقره , إذ كشف رئيس بلدية ما تسمى بلدة "سدروت" اليهودية المقامة على الأراضي المحتلة عام 48 إيلي مويال أن صواريخ القسام التي تطلقها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) من قطاع غزة نحو البلدة تستهدف في الواقع إصابة بيت و مزرعة رئيس الوزراء الصهيوني آرئيل شارون .
المشكلة الوحيدة نقص الإمكانات
و أشار مويال إلى أنه يستند في معلوماته إلى تحليلات رسمية في قيادة الجيش الصهيوني أن مسار صواريخ القسام من مدينة بيت حانون إلى "سدروت" اليهودية يدلّ على أن مطلقيها خططوا لها أن تسير في خط مستقيم نحو بيت و مزرعة شارون حيث يقع البيت على بعد كيلومترين فقط من "سدروت" شرقاً ، مشيراً إلى أن مطلقي تلك الصواريخ لو كانوا يملكون قوة دفع أكبر أو أجهزة أفضل لكانوا قد حقّقوا هدفهم و ضربوا هيبة دولة الكيان الصهيوني برمتها جيشاً و حكومة و شعباً .
و أوضح الصهيوني مويال أن رجال المقاومة الفلسطينية أطلقوا حتى الآن 70 صاروخاً من طراز "القسام" و سقطت جميعها على البلدة الصهيونية المذكورة حيث فحص الجيش الصهيوني مسار هذه الصواريخ فوجدوا أنها جميعاً تتجه نحو بيت الإرهابي شارون ، و قال : "مما يعني إننا نشكّل خط دفاع لحمايته و حماية الهيبة (الإسرائيلية)" على حد زعمه .
وبرغم رفض ناطق عسكري صهيوني تأكيد أو نفي هذه المعلومات ، إلا أنه وافق على القول إن حركة "حماس" تحاول الوصول إلى العديد من المراكز الحساسة في دولة الكيان للبرهنة على أن العمليات التي يقوم بها الجيش الصهيوني في المناطق الفلسطينية غير مجدية .
وفي الأخير فإنه "أصبح واضحاً للأجهزة الأمنية الصهيونية من خلال العمليات على الأرض و التحقيقات و المعلومات الاستخبارية ، أن المقاومين استطاعوا فهم نمط عمل الجيش في المناطق و الردّ وفقاً لذلك . و يكفيهم نافذة فرص صغيرة ، من عدة ساعات ، من اللحظة التي يرفع فيها منع التجوّل و حتى إرسال الاستشهاديّ" حسبما تقول حركتا حماس والجهاد رأسا حربة المقاومة الفلسطينية اليوم .
وهذا بالتحديد هو ما يفسر الحرص العالمي العربي على إجهاض هذا التطور النوعي في مستوى المقاومة الفلسطينية الذي قد يحرج أطراف المنطقة ويربك الخطط المرسومة لما بعد احتلال العراق واستمرار ما يسمى بالحرب على " الإرهاب " . والسؤال الذي يفرض نفسه ويتطلع له الكثير من المراقبين هو ماذا سيكون موقف المقاومات الإسلامية المشروعة في المنطقة مع هذه التطورات..!!؟؟