نشر في موقع المسلم (http://www.almoslim.net)
حول ميثاق بوتفليقة للمصالحة
تم الإنشاء 02/09/2005 - 02:56

تعيش الجزائر هذه الأيام على وقع الاستعداد للاستفتاء الشعبي حول ميثاق السلم والمصالحة الذي سيجري في أواخر شهر سبتمبر المقبل، وعلى وقع الخطب العصماء لـ(الرئيس الجزائري) عبدالعزيز بوتفليقة الذي حرم من الكلام بقصد أو بدون قصد بعد مقتل هواري بومدين، حيث لجأ البعض إلى تهميشه وتغييبه كلية عن المشهد السياسي الجزائري وتمّت الاستعانة به مجدداً بعد مرور أزيد من خمس عشرة سنة من غيبته الصغرى ليصبح رئيساً للجزائر سنة 1999م.
وعلى الرغم من أنّ الشعب الجزائري والطبقة السياسية الجزائريّة مجمعة على أهمية المصالحة الوطنية الشاملة وتأثيرها على مستقبل الجزائر وتبنّي الشارع الجزائري لها إلاّ أنّ اللغط قائم حول ماهية المصالحة كما وردت في ميثاق السلم والمصالحة كما قدمّه بوتفليقة في اللقاء الموسّع الذي جمعه بإطارات الدولة الجزائرية, وهل يقف وراءها بوتفليقة أو الاستئصاليون الذين أدمنوا صناعة المكر والدهاء السياسي ويملكون القدرة على التلون السياسي حسب المراحل؟
وأيهما أولى الحقيقة أو المصالحة كما يطالب بذلك علي يحي عبد النور (رئيس رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان في الجزائر)؟

لا شكّ أنّ المرحلة الراهنة التي تمرّ بها الجزائر لا تحتاج إلى إعادة تقليب الصفحات ونكئ الجراح ومراجعة حيثيات وتفاصيل الفتنة الجزائرية، وأنّ كل ذلك أمر موكول للتاريخ الآن، غير أنّ هناك بعض الحقائق التي لا يجب المرور عليها سريعاً؛ لأنّ البناء على الخطأ سيفضي إلى أخطاء أكبر، وإذا كانت السلطة الجزائرية عازمة على إخفاء الحقيقة فلا يجب اللجوء إلى سياسة المراوغة وحتى الأكاذيب، والتي على رأسها تحميل ميثاق السلم والمصالحة جهة واحدة مسؤولية ما جرى في الجزائر وهي جبهة الإنقاذ الإسلامية، والتي وقع عليها ظلم لا يقبل به أي حرّ، ولعل أكبر الظلم هو حرمانها بكل عنجهية من الانتصار السياسي في الانتخابات التشريعية التي جرت في 26 كانون الأول – ديسمبر 1991م والواقع أنّ العنف يتحمّله الطرفان فالسلطة بفرضها حالة الطوارئ وقتلها الآلاف وخطفها الآلاف واغتصاب رجالها مئات الحرّات المظلومات وتشكيلها لفرق الموت التي كان يشرف عليها رئيس هيئة الأركان الجنرال محمد العماري وقتلها للعناصر الإسلامية بدون محاكمة واستخدامها لنفس منطق الإرهابيين تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية والأذرع العسكرية للتيار الإسلامي تتحمل الجزء الباقي من المسؤولية، وذلك عندما رفضت منطق الحل السياسي وخروج بعضها من تكفير السلطة وإلى تكفير المجتمع، والواقع أن سياسة كسر العظم التي تبنتها السلطة والمسلحّون على حدّ سواء كسرت العمود الفقري للجزائر.

و(الرئيس الجزائري) عبد العزيز بوتفليقة الذي كان يعترف سابقاً وعبر مئات الخطب بأنّ إلغاء الانتخابات التشريعية كان عنفاً، وأنّ مافيا نظامية قوامها متنفذون في السلطة يتحكمون في الاقتصاد الجزائري تراجع عن ذلك كله لدى تقديمه لميثاق السلم والمصالحة، والذي لولا عديد من التنازلات لبعض مراكز القوى لما أمكنه تمرير هذا المشروع الذي قال عنه مدني مرزاق (أمير الجيش الإسلامي للإنقاذ) بأنّه مشروع مصالحة أعدّه الاستئصاليون، والذي نصبر عليه إلى حين كما قال، علماً أنّ مدني مرزاق نزل من الجبل بعد مفاوضات بينه وبين المخابرات العسكرية الجزائرية قبيل بداية العمل بما يسمى بقانون الوئام المدني.
والمسألة الثانية المحرجة في الميثاق هي حرمان جبهة الإنقاذ ورجالاتها من العمل السياسي بناءً على الفقرة التي تحملّهم مسؤولية الزلزال الجزائري، وكان يفترض بالرئيس بوتفليقة أن يخرج كل المتورطين في الفتنة العمياء من جنرالات الدم وفقهاء التكفير من اللعبة السياسية الجزائرية، وبهذا الشكل ترتاح الجزائر من المرضى الذين ورطّوا الجزائر من أجل مصالح ضيقة ومن أجل البقاء في السلطة والانتفاع مما توفره من امتيازات ونعم.

ويفترض بميثاق يؤسسّ لمصالحة شاملة أن يكون خلواً من المصطلحات التي ستعكّر صفو هذه المصالحة, وإلاّ ما جدوى المصالحة والتي لن تنتصر إلاّ بتصالح الأطراف المتخاصمة أساساً، والأطراف المتناحرة، اللهم إلاّ إذا أرادت الجهات الاستئصالية أن تنتصر على معارضيها المسلحين بسلاح جديد هو سلاح المصالحة!
والأمر الثالث الذي لم يوفّيه الرئيس الجزائري حقّه في ميثاقه هو موضوع المفقودين الذين خطفتهم المخابرات الجزائرية ظلماً وعدواناً، وقتلوا بدون ذنب اقترفوه، فيجب على الرئيس الجزائري باعتباره القاضي الأول للبلاد أن يخبر ذوي المفقودين عن قبور أبنائهم والتفاصيل التي تبعث بعض الطمأنينة في النفوس لتسكن بعدهاأ أمّا أن يطلب الرئيس الجزائري من ذوي المفقودين نسيان الأمر وكفى، فهذا ما لا يقبله منطق، وكانت الموضوعية تقتضي أن يحمّل أجهزته الأمنية مسؤولية اختفاء المفقودين والمخطوفين تماماً كما حملّ جبهة الإنقاذ الإسلامية مسؤولية الزلزال الجزائري.
ويبقى القول وكنصيحة سياسية لـ(الرئيس الجزائري) بوتفليقة، وهو يسوّق للمصالحة الوطنية في أرجاء الجزائر ألا يتكلمّ بلسان جنرال فيهددّ ويتوعّد المسلحين الرافضين للمشروع بالويل والثبور وعظائم الأمور، فالمصالحة رحمة ومؤاخاة ومودة ويجب أنّ يكون الخطاب المرسل والموجّه إلى القابعين في الجبال الجزائرية خطاباً متسامحاً ولينّاً وزلالاً حتى يطمئن هؤلاء إلى هذه المصالحة التي لم يتسن للطبقة السياسية ولا للشارع الجزائري أن يناقشا وثيقتها، بل طرحت عليهم فجأة بعدما مرّت تكراراً ومراراً بين وزارة الدفاع وقصر المرادية -قصر الرئاسة-.
والمصالحة لا تحتاج إلى مناورة أو مراوغة أو حسابات سياسية ضيقة، سواء أكانت هذه الحسابات إقليمية أو دولية.. المصالحة قناعة تنبعث مبدئياً من الذات والوجدان ولا يمكن أن تنجح إلاّ إذا كانت كذلك.


article6 [1]

رابط المادة: http://www.almoslim.net/node/84783