تأتي انتخابات الرئاسة المصرية في ظل تغييرات كثيرة تعاني منها الحالة الإسلامية في مصر لم تكن موجودة من قبل في الانتخابات السابقة، ورغم أن الانتخابات الحالية تتم يشكل جديد يتم أول مرة في مصر، حيث يتم انتخاب الرئيس بالاقتراع المباشر بين عدة مرشحين بدلاً من النظام القديم الذي كان يتم بطريقة الاستفتاء حول مرشح واحد بنعم أو لا، إلا أن الإسلاميين أصبح لهم الآن شكل جديد اختلف عما كان من قبل.
وقديماً في ظل نظام الاستفتاء الذي لم يكن فيه اختيار بين مرشحين مختلفين كان الإسلاميون يعلنون الرفض للرئيس بطرق مختلفة منها المنابر و المنشورات والكتب حتى وصلت إلى حد الصدام المسلح مع الحكومة لكن اليوم شكل ومضمون الحالة الإسلامية تغير بفعل عوامل متعددة والتغيرات التي طالت الإسلاميين في مصر لها عدة أسباب، منها أولاً: سياسة تجفيف المنابع التي عملت بها الحكومة ضد الفكر والتيار الإسلامي بغلق ووقف وتجميد كل منافذ الدعوة ومحاربة الخطاب الإسلامي السلفي.
ثانياً: الاعتقالات طويلة المدى التي طالت معظم الإسلاميين في مصر.
ثالثاً: المراجعات التي قامت بها الجماعة الإسلامية، وأعلنت بها الانقلاب الفكري التام لكل أفكارها.
رابعاً: العداء الأمريكي الممتد نفوذه وخططه ضد الإسلاميين في كل مكان بعد الحادي عشر من سبتمبر.
وأبرز ما يلفت النظر في تغير شكل الحالة الإسلامية من انتخابات الرئاسة موقف جماعة الإخوان المسلمين من الانتخابات والمرشحين، فقد سبق لجماعة الإخوان في ظل الانتخابات السابقة للرئاسة أن بايعت الرئيس للإمامة الكبرى ولم تتردد ومن المفارقة أن ذلك كان في وقت تخوض فيه الجماعة الإسلامية والجهاد معارضة شديدة للحكومة ونظام الحكم، أما في الانتخابات الحالية فقد ظهر الإخوان بمعارضة للرئيس لافتة عبر أسلوب المظاهرات ثم توقفت تماماً، مما جعل المعارضة تتهم جماعة الإخوان بصفقة تمت سراً مع الحكومة المصرية وصمت الإخوان مدة طويلة في وقت أعلنت كل الفصائل السياسية موقفها من انتخابات الرئاسة.
ومما أثار اللغط أن الانتخابات لم تهبط وتقرر فجأة، بل هي حدث معلن منذ مدة، وفى ظل الصمت المطبق لجماعة الإخوان ظهر بيان منسوب للجماعة الإسلامية على لسان أميرها يعلن مبايعته للرئيس، وكأن حجراً ألقي في ماء راكد فتغيرت الأمور وانقلبت الأحوال وظهرت معارضة واضحة من تيار من الإسلاميين لانتخاب الرئيس، وظهرت بوادر انشقاق في الجماعة الإسلامية نتيجة هذا البيان ونقد شديد لها من التيار الإسلامي وسرعان ما تم تدارك الأمر بنفي للجماعة الإسلامية للبيان وإعلانها تقديرها للرئيس وكل المرشحين وإعلان أنها بعيدة عن المعركة الانتخابية تماماً، وأنها تهتم فقط بالإفراج عن المعتقلين والدعوة وهو خطاب لم يشهد له سابقة للجماعة الإسلامية مطلقاً، لكن المتابع الدقيق يعرف تغير وانقلاب خطاب الجماعة منذ حديث مجلة المصور الشهير عام 2002م، الذي أعلنت الجماعة الإسلامية على لسان قادتها جواز أن يحكم الحاكم بغير ما انزل الله وغير ذلك من المفاهيم الجديدة التي أحدثت ثورة وردود فعل شديدة.
وما يهمنا الآن أنه وفي نفس التوقيت لهذه الضجة أعلن المرشد العام لجماعة الإخوان أنهم لن يؤيدوا الرئيس، وأنهم سوف يصدرون بياناً، وذلك رداً على ما أثير حول تأييدهم للرئيس.
وقد حدث هذا من قبل في حديث للمرشد لمجلة المصور، وكانت كل التحليلات تذهب إلى أن الإخوان سوف يلجؤون إلى الهروب عبر المقاطعة إلا أنهم لجؤوا إلى الهروب بطريقة أخرى مغايرة وهي الإعلان عن ترك الأمر لآحاد الإخوان ليقرروا من ينتخبون من المرشحين وأنهم لن ينتخبوا ظالماً أو مستبداً، وهو موقف يتفق مع سياسة الإخوان.
أما جماعة الجهاد فهي لم يتغير موقفها من الرفض، ولكن بالقول فقط فقد اختفى الرفض المسلح الذي كان عنواناً لها.
أما الجماعات و"الكنتونات السلفية" الصغيرة المنتشرة في مصر فقد توارى واختفى صوتها تماماً بعد أن كان الكثير منها يعلن رأيه من على المنبر علانية، فقد سحبت الحكومة المنابر من تحت أرجلهم فيما عرف بسياسة تأميم المساجد واستيلاء وزارة الأوقاف عليها فقد حجبت الأصوات السلفية تماماً عن المعركة الانتخابية الرئاسية.
وأهم ما يلفت في خضم تلك التغيرات الملفتة أمرين:
الأول أنها تحدث في وقت علا صوت المطالبة بالإصلاح السياسي والنقد الشديد للدولة من الكثير من التيارات السياسية التي كان صوتها ضعيفاً وقت أن كان صوت الإسلاميين عالياً وقوياً.
ثانيا: أن الإسلاميين اليوم لم يعد الحديث عن الشريعة موجوداً في خطابهم الإعلامي بقوة كما كان من قبل ومرد هذين الأمرين ناتج عن الضعف والسقوط الواضح للحالة الإسلامية في مصر، وذلك نتيجة الأسباب الأربعة التي ذكرتها في البداية، وهى سياسة تجفيف المنابع والاعتقالات والمراجعات وامتداد نفوذ العداء الأمريكي إلى بلاد المسلمين، ويبدو أن الحالة الإسلامية في مصر في مرحلة إحلال وتبديل انتظاراً لجيل جديد، ولكن هل يعي الجيل الجديد التجارب السابقة، ويلجأ إلى الحكمة والثبات على الأمر هذا هو السؤال الهام الذي يتطلب من الدعاة ومشايخ الدعوة في كل مكان العمل عليه.
-------------------------------------
* محام وكاتب مصري