نشر في موقع المسلم (http://www.almoslim.net)
فرنسا تحاصر مسلميها !!
تم الإنشاء 11/08/2005 - 05:56

الذين يتابعون التطورات السياسية الفرنسية يعون جيداً أن نهاية الحكم "الديغولي" سيكون هذه المرة انهياراً حقيقياً للجمهورية الفرنسية الخامسة، و بداية لما يمكن تسميته براديكالية العلمانيين الجدد الذين في الحقيقة ينتمون "فكرياً و مذهبياً" إلى نفس التيار الموجه من قبل المحافظين الجدد في الولايات الأمريكية، و الذين كما يعرف العالم يتم تسييرهم وفق الرؤى المسيحية الداعمة للصهيونية الدولية.

لقد أخطأ العديد من المحللين حين ربطوا الموقف الفرنسي من الحرب الأمريكية على العراق بأنه موقف الدفاع الإنساني و الأخلاقي عن العراق، و لعل كتاب (الحقائق الأربع)، الذي صدر قبل عام للصحفي الفرنسي " جون جاك ودمين" بمثابة الكشف الذي عرى الموقف الفرنسي المساوم إزاء العراق، و الرافض التنازل عن "حقه" في الاقتسام الريعي لما بعد الحرب في حالة مشاركة فرنسا إلى جانب الولايات الأمريكية و قوى التحالف في الحرب ذاتها.

أمريكا التي رفضت و ترفض مقاسمة " غنائمها" أجهضت بشكل كبير و متعمد الحلم الفرنسي في الوجود في العراق تحت قبعة " مكافحة الإرهاب العراقي" الذي عدته موروثاً فكرياً متطابقا مع النظام العراقي البائد، والذي في الحقيقة كان يحظى بكل الدّعم السياسي و العسكري و اللوجستيكي من الغرب نفسه، من الأمريكيين ( إبان حرب الخليج الأولى) و من الفرنسيين أيضاً فيما بعد. لقد أرادت فرنسا أن تلعب نفس الورقة " الحضارية" التي لعبتها بريطانيا في منطقة الشرق الأوسط في بداية القرن الماضي، بحيث إن الاختلاف لم يكن في نوعية التحضر الذي قيل: إنه يمارس على أساس "جدير" بأخلاقيات القوانين التابعة للجمهورية الخامسة و هي الكذبة الكبيرة التي سقطت عنها ورقة التوت الشهيرة.

فرنسا الحضارية كانت أكثر الدول خنقاً للحريات الشخصية، لحق الحياة نفسها منذ صاغت في لغتها الجديدة مصطلحاً اسمه" المستعمرات الثقافية"، والذي يعني في النهاية كل هذا الغبن الذي ما تزال تعانيه الدول التي وقعت تحت الاحتلال الفرنسي، منذ القرن الثامن عشر الميلادي إلى يومنا هذا.

ألم تكن أحداث ساحل العاج التي خرج خلالها آلاف الشباب يطالبون بخروج فرنسا من أراضيهم، ألم تعريها تلك الأحداث الازدواجية التي تتعامل معها فرنسا سياسيا و فكرياً حين يتعلق الأمر بدول العالم الثالث، الدول الفقيرة كما تسميها، والتي استسهلت احتلالها "الأبيض" !

لعل أخطر ما صاغته الجمهورية الخامسة ( بعيداً عن الاحتلال العلني الفكري و الثقافي لنصف القارة الأفريقية على سبيل المثال لا الحصر) هو أنها ارتكبت جريمة ضد القانون المدني نفسه، بحيث إن قانون الحجاب الذي صدم الجميع شكل سقف السياسة الفرنسية التي سوف تتأسس في الحقيقة مع انهيار الديغوليين و صعود الراديكاليين الجدد. لعل "نيكولا ساركوزي" الطامع إلى رئاسة الجمهورية الفرنسية يشكل رأس الحربة في ما يحق لنا تسميته من الآن بالجمهورية السادسة، من حيث التركيبة التي سوف تستحدثها التيارات المحافظة في الدولة الفرنسية، و حين نقول: المحافظة فنعني بذلك نفس الأيديولوجية التي تراهن عليها أمريكا لهيكلة فرنسا وفق الرهانات التي تصفها أمريكا بالحرب على الإرهاب، بمعنى احتلال الشرق الأوسط و إعادة تشكيله جغرافياً و سياسياً وفق ما يخدم إسرائيل " الكبرى".

لهذا لم يكن ثمة ما يسمى بـ"رسكلة" القوانين إلا لأغراض يراد منها نزع كل شرعية ليس عن الوجود الإنساني الطبيعي في العالم، بل و عن المسلمين الذين صارت تهمة الإرهاب تستساغ لأجل إسقاط الحقوق المدنية عن كل الذين يحملون في مسامات جلدهم قضاياهم الإنسانية، و أهمها القضية الفلسطينية التي ارتبطت في كل الأزمنة و التواريخ الحديثة بالإنسان العربي المسلم. فرنسا لم تكتف بحظر الحجاب، و لم تكتف بصياغة قوانين أقل ما يقال عنها أنها استفزازية و مناهضة للمسلمين تحت غطاء المحافظة على الدستور، بل ذهبت إلى حد اعتبار "نقد" إسرائيل عملاً يمكن وصفه بـ"الإرهاب الفكري"، و بالتالي صاغت( عبر اللجنة الإعلامية السمعية البصرية) قانوناً يعاقب رسمياً و مباشرة كل الذين ينتقدون إسرائيل، أو "يعادون" السامية ! إلى درجة أن مدير إذاعة فرنسا الدولية قدم استقالته قبل أشهر احتجاجاً على "راديكالية" القوانين الرجعية في فرنسا.

ثم ها هو "نيكولا ساركوزي" يصدر قانوناً يهدد فيه بإسقاط الجنسية الفرنسية و إسقاط حق الإقامة على كل "من يثبت عليه فكراً أو تصرفاً إرهابياً" و كان الكلام ضد الجالية العربية الإسلامية في فرنسا، فكيف يمكن فهم المقصود من " الفكر و التصرف الإرهابي"؟ أليست القوانين الفرنسية المدنية منافية لحق الإنسان في الحرية و التفكير الحر؟ أليس تهديده بالعقاب أسلوباً متطرفاً مناهضاً لكل المرجعيات التي قيل: إن القانون الفرنسي حققها أو مستند عليها؟ أليس الإرهاب الفكري هو هذا المرتكب ضد آلاف المسلمين الذين عليهم أن "يثبتوا" طاعتهم للائكيين المتشددين؟

ثم أليس من حقنا أن نتساءل عن المرجعية التاريخية لهذه التصرفات؟ الحقيقة أن ما تسعى إليه فرنسا اليوم هو إعادة بلورة الرؤية السياسية "الديغولية" التي اعتمدت على "مبدأ الاحتلال الكلاسيكي"، لتصبح السياسة اليوم عودة إلى الفكر اللائكي الأكثر راديكالية و تطرفاً، انطلاقاً من عزل الناس عما يؤمنون به، و عن هوياتهم في سياسة الذوبان التي تسعى من خلالها إلى فرنسة كل ما هو مختلف أو أجنبي و هو الشيء الذي فشلت فيه إبان كل معاركها الاحتلالية التي قامت بها في العديد من الدول الإسلامية، و الإفريقية. المسألة لم تعد قانوناً و لا تشريعاً مدنياً كما يدعون، بل بلورة مقصودة لعالم جديد سوف تتأسس فيه جملة من المفاهيم الجديدة أولها أن الحرب على الإسلام بمثابة المقصد نحو ما يسمونه بالـ" مسيحية اليهودية"، على الأقل بالمعنى السياسي الذي يعتد "شارون" المجرم "مناضلاً مسالماً" ( كما جاء على لسان بوش الابن) بينما يعد المدافعين عن حقوقهم وكرامتهم و مكاسبهم إرهابيين، و تلك هي اللعبة القذرة التي تسوقها قوى الشر في العالم !

==========
* كاتبة و صحفية جزائرية

article5 [1]

رابط المادة: http://www.almoslim.net/node/84769