شكل أبومصعب الزرقاوي (رئيس ما عُرف بتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين)، فيلق عمر كقوة ردع لما عرف في الماضي بفيلق بدر الرافضي، والذي تعاون رجالاته مع المحتل فأسروا من السنة وقتلوا ونهبوا.
وقبل أيام قلائل استمعت إلى شيء من مقابلة مع أبي محمد البرقاوي المقدسي، الذي يعده البعض أباً روحياً للزرقاوي، كما يعده قطاع عريض أحد الرموز المنظرة الجهادية –وفقاً للتقسيمات الإعلامية- وقد لفت نظري اتسامه بالدهاء والموضوعية واللباقة أثناء الطرح والنقاش الإعلامي، وكل تلك صفات يفتقدها قطاع عريض مِن مَن يُنسبون إلى ذلك التيار، أو يزعُمون التحدث باسمه، والذب عنه –شأنهم شأن عامة قواعد كثير من العرب بل الإسلاميين وللأسف- وبالأخص عند آمن الغائلة تحت ستار الأسماء المستعارة، وأرجو ألا يكون من حول قادة المجاهدين في العراق كهؤلاء فإن وضعهم أكثر حساسية من غيرهم.
ومن القضايا التي أخذت زخماً إعلامياً في الحوار قضية الشيعة وموقف الاثنين منهم، فبينما يرى الزرقاوي تحتم ردعهم إذ تمادوا في بغيهم، يرى البرقاوي صحة إسلام عوامهم، وذلك حائل يمنع من استهداف مساجدهم وتجمعاتهم أو اغتيال سوادهم.
وقد خرجت من اللقاء بانطباع يفيد تقدير المقدسي لاجتهاد الزرقاوي وإدراكه لدوافعه وأسبابه التي يسوغ بها صنيعه، وإن كان لا يوافقه الرأي، وكأن اختلاف وجهات النظر في تلك الدماء عنده لا يفسد للود قضية، ولا أستطيع أن أجزم برأيه في المنظرين أو المعتدين من الشيعة والذين تحلو لي تسميتهم بشيعة أمريكا، فهل يسوغ عنده أخذهم بذنبهم في الوضع الراهن أو لا، بضوابط أو مطلقاً؟ الله أعلم، فقد تحاشى المقدسي بدهاء الخوض في هذا ولم يجعل للمراقب إلاّ الأخذ بمفهوم مخالفة ليس بلازم.
وأياً ما كان فلعل الذي يتأمل حال بلاد الرافدين يرى أن التوجه بالقتال تلقاء شيعة أمريكا -ومن نافلة القول وكذلك عموم الشيعة- ليس من الحكمة في شيء رغم موقف جمهورهم السلبي من مقاومة الاحتلال، بل رغم ممالأة كثير منهم المحتل ونظامه، ورغم اعتداء العديد منهم على السنة ومساجدها ورجالتها الأحياء والأموات، ورغم غير ذلك من الدوافع والمسوغات التي حُشدت. اللهم إلاّ إن كان استهدافهم ضمن الإطار العام لجهاد المحتل وأعضاده وآلاته.
ولذلك أسباب لعل من أهمها أن ما يفعله أولئك الروافض يفعله غيرهم من منتسبي السنة الذين انضووا تحت لواء حكومة المحتل، كبعض الأكراد مثلاً، وإني لأقف حائراً عندما أعقد مقارنة بين بعض الكرد –ولا تزال فيهم بقية من أهل المقاومة الشرفاء- وبين جدهم صلاح الدين الأيوبي بالأمس! يقال هذا على الرغم من أن منتسبي السنة أو بتعبير أدق غير الرافضة الذين يعاونون المحتل، ويحمون نظامه قد يكونون أقل عدداً وحنقاً على المقاومة السنية ورجالاتها في الجملة –وفقاً لشهادة المناطق السنية الملتهبة- إلاّ أن تشعيب القتال مع هؤلاء جميعاً يهدر طاقة المقاومة ويخرج بها عن استراتيجيتها.
فبينما كانت أهداف المقاومة متركزة في قوات المحتل وأجهزته العميلة، تتحول الأهداف إلى شخصيات شعبية ورسمية يصعب حصرها، وكذلك التحقق من مسؤوليتها، وفرق بين أن يكون الهدف أجهزة وأدوات للمحتل بها قوامه لا كبير فرق بينها وبين دباباته وطائراته، وبين تقصد رجالات وأفراد بغض النظر عن أجهزتهم إن كانوا منتسبين إلى أجهزة أصلاً، فإن هذا في أحسن أحواله يوزع الضربات ويمنع تركيزها وبالتالي يذهب إيجاعها، وقد يوقعها في غير محلها، أو على غير مستحقها.
إن هذا التغير في الأهداف تغير استراتيجي في أسلوب المقاومة، ولعل بعض المجاهدين جُر إليه من حيث لم يشعر، ولا أعتقد أن عواقبه سوف تكون حميدة، و على الأقل سوف يُضعف من عمل المقاومة.
هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنه لا كبير فائدة من استثارت نعرات طائفية في هذا الوقت قد يذهب ضحيتها مستضعفون من أهل السنة وفئام من عوام الشيعة طالما أن المقصود حاصل أو يمكن أن يحصل بمجرد الترصد للأجهزة العميلة للمحتل، فلماذا لا يقصر تشكيل فيلق عمر مثلاً على قتال من كان بهذه الصفة أياً كان مذهبه. وهل من الحكمة، بل هل من العدل في شيء أن يخصص في إعلان أهدافه أولئك الشراذم من شيعة أمريكا ويدخل معهم تبعاً من شايعهم جهلاً أوعمداً؟
ويتأكد هذا الاعتراض عند أولئك الذين يوافقون الإمام ابن تيمية في تقسيم الرافضة إلى غلاة وشيعة هم دون، وإلى منظرين طغاة وأتباع هم أقل جريمة وخطراً.
فابن تيمية يرى أن الغلاة الباطنية من الرافضة الذين تستروا باسم التشيع هم أشد شراً من اليهود والنصارى، إلاّ أن في منتسبي السنة من هو مثلهم يلحقه من الذم ما يحلق أولئك وإن كان هؤلاء –منتسبو السنة الذين هم بهذه الصفة- أقل من منتسبي التشيع الذين هم بمثل تلك الصفة، ويبقى عوام الشيعة من أهل الإسلام في الجملة( ).
وأما القول بأن شيعة أمريكا انفردوا بوصف هو بدء السنة بالقتال مع مملأة المحتل، فغير دقيق، إذ العملاء أجهزة متعددة، وكون هؤلاء فيهم شيعة أو كثير منهم رافضة لا يسوغ الانصراف عن المحتل ولو جزئياً لمناوشة مجموع هؤلاء، ولعل في هذا الانصراف الجزئي فوائد تعود إلى المحتل ظاهرة.
كما أن هذا الانصراف إلى الرافضة تحديداً بغير وضعه في إطار منضبط عام كقتال المظاهرين الممالئين للمحتل، ليشمل الانصراف بالقتال كل من وقع ضمن ذلك الإطار سواء أكان شيعياً أو سنياً –بزعمه- ويستثني كل من باينه سنة وشيعة، إذا لم يكن الانصراف نحو ذلك الإطار الجامع للممالئين المانع لسواهم، فسوف يصعب تكييف الوضع بحيث يَسُوغ ذلك الاستهداف شرعاً مع السلامة من المحظور، فهل يقاتل الرافضة لأن عامتهم:
بغاة –والبغاة لا يجوز تعمد قتلهم إلاّ بقيود وإن جاز قتالهم.
أو خوارج –وقد اختلف في حكم تعمد قتلهم دون قتالهم.
أو كفار –وهم أقسام من حيث جواز القتل والمقاتلة.
فعلى ما سبق يتفرع القول في قتلهم ثم من المخول بقتالهم؟ الجدل قد يطول!
لقد كان علماء الإسلام في الماضي ومجاهدو الأمة أثقب نظراً، فعلى الرغم من ممالأة بعض الرافضة أو الباطنية للمحتل لم يؤثر في التاريخ انصراف جحافل المسلمين تجاههم إلاّ بعد الفراغ من الأصل، ولعل الاشتغال ببتر شيء من ذيل الأفعى وترك رأسها أمر لا تحمد عقباه كثيراً.
ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك وهو تطبيق عملي لمنهج شيخ الإسلام ابن تيمية ورأيه في قتال أمثال شيعة أمريكا هؤلاء –ولايخفى هنا أن القتال أوسع من القتل كما قرر فقهاؤنا- فعلى الرغم من أذى بعض الرافضة شيعة التتري قازان للسنة في وقته ومن ذلك ما ذكره ابن عبدالهادي –وغيره- من إشارتهم على قازان بعد أن استولى على جبل الصالحية بنهب الجبل وسبي أهله وقتلهم وتحريق مساكنهم؛ لأنهم ناصبة على حد زعم الرافضة، مع ذلك كله لم يؤثر انصراف جموع السنة إلى قتالهم، أو الانشغال بشأنهم، إلاّ بعد وقعة شقحب وانجلاء التتر عن البلاد وذهاب ريحهم، عندها فقط حض شيخ الإسلام ابن تيمية على التوجه إلى قتال أهل جبل كسروان الذين بغوا وأخافوا السبل وخرجوا على الإمام وعرضوا للمارين بهم من الجند بكل السوء، أما قبلها فكل جهده في شقحب، حتى المناظرات العلمية في الأصول مع عظمها توقفت، فالفتوى الحموية والواسطية ومناظرات الشيخ الإمام للمخالفين حولها لم يعد لها ذكر فقد انصهر الجميع في بوتقة ردع التتر، ثم عادت المناظرات واستؤنفت وظهر الحق بعد شقحب.
وأنبه هنا إلى أن إيراد هذا المثل ليس الغرض منه تخصيص فئة بعينها (بعض الرافضة) بحكم عند البغي والتآمر مع المحتل، وإنما ضربت المثال الذي يناسب المقال لأبين منهج التعامل الذي سلكه علماء الإسلام، وإلاّ فإن هذا المنهج الذي اتبعه شيخ الإسلام وأفتى به في شأن أولئك الطائفة من الرافضة اتبعه فقهاء الإسلام من قَبلُ يوم أفتوا دولة المرابطين وأميرها يوسف بن تاشفين بقتال ملوك الطوائف –وهم ينسبون إلى السنة- الذين تآمروا مع الصلبيين وظاهروهم على إخوانهم، ولكن ما تم هذا إلاّ بعد أن صدت دولة المرابطين الغزو الصليبي الإسباني الذي قاده ألفونسو السادس ملك قشتالة عام 479هـ في سهل الزلاقة. بعدها أفتى الغزالي كما في رسالته لابن العربي بجواز قتال ملوك الطوائف، وأفتى إمام المالكية أبوبكر الطرطوشي بخلعهم، بل نقل بعض مؤرخي الإسلام كالبرزالي تكفير بعضهم.
وعوداً على بدء فإن هذا المنهج –درء الخطر الخارجي الداهم للإسلام أولاً- كان مستقراً حتى عند العوام، والذي يتأمل كتب التاريخ الإسلامي يجد المؤرخين في حوادث السنين يذكرون فتناً تثور بين عوام السنة والشيعة ولا أذكر رغم استقراء شيء من كتب التاريخ الكبار الإشارة إلى شيء من تلك الفتن أثناء غزو تتري أو احتلال صليبي ثار من قبل السنة خاصة إذ الخطب عندهم أعظم، وجدول الأولويات حتى عند العوام واضح.
بل أعظم من هذا تجد بعض الأئمة –كابن كثير مثلاً- يعدون بعض الفتن التي تحدث بين عوام أهل السنة وعوام الشيعة في حال الأمن من انعدام العقل عند كليهما، وأذكر من ذلك ما ساقه في حوادث سنة ثلاث وستين وثلاثمئة قال: "في عاشوراء عُملت البدعة الشنعاء على عادة الروافض، ووقعت فتنة عظيمة ببغداد، بين أهل السنة والرافضة، وكلا الفريقين قليل عقل أو عديمه، بعيد عن السداد، وذلك: أن جماعة من أهل السنة أركبوا امرأة وسموها عائشة، وتسمى بعضهم بطلحة، وبعضهم بالزبير، وقال: نقاتل أصحاب علي، فقتل بسبب ذلك من الفريقين خلقٌ كثير، وعاث العيارون في البلد فساداً، ونهبت الأموال، ثم أخذ جماعة منهم فقتلوا وصلبوا، فسكنت الفتنة". فكيف بنا اليوم والكفار يعثيون في الأرض فساداً!
وقال في حوادث سنة تسع وثمانين وثلاثمائة: "وفيها: أرادت الشيعة أن يصنعوا ما كانوا يصنعونه من الزينة يوم غدير خم، وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة فيما يزعمونه، فقاتلهم جهلة آخرون من المنتسبين إلى السنة فادعوا أن في مثل هذا اليوم حصر النبي _صلى الله عليه وسلم_ وأبو بكر في الغار فامتنعوا من ذلك، وهذا أيضاً جهل من هؤلاء، فإن هذا إنما كان في أوائل ربيع الأول من أول سني الهجرة...
ولما كانت الشيعة يصنعون في يوم عاشوراء مأتماً يظهرون فيه الحزن على الحسين بن علي، قابلتهم طائفة أخرى من جهلة أهل السنة، فادعوا أن في اليوم الثاني عشر من المحرم قتل مصعب بن الزبير، فعملوا له مأتماً كما تعمل الشيعة للحسين، وزاروا قبره كما زاروا قبر الحسين، وهذا من باب مقابلة البدعة ببدعة مثلها، ولا يرفع البدعة إلا السنة الصحيحة".
والشاهد أن بغي شيعة أمريكا لا ينبغي أن يحمل المجاهدين على بغي، وجهل أولئك وعدم عقلهم كذلك.
كما لا يعني ما سبق ترك الجاني بغير عقاب، ولكن تلك وظيفة ينبغي أن يليها واليها المخول بعد أن تضع الحرب مع المحتل أوزارها، ولايبقى إلاّ الخوارج والبغاة أو الممتنعون والمجرمون شيعة كانوا أو سنة... ولعل من الحكمة تأخير قطع اليد أو إقامة الحد إلى ما بعد انتهاء الحرب.
ويتأكد هذا الكلام في حق شيعة أمريكا إذا كانت الحقيقة فعلاً هي أن تعداد السنة يفوق تعداد الشيعة في العراق مع ما بين الشيعة من افتراق، فحري بثاقب النظر ألا يقلق من تأخير محاكمة تلك الأقلية المارقة ومن لف لفها إلى أجل يعمل جهده ويبذل طاقته حتى يكون قريباً، وذلك بعمله على خروج المحتل أولاً، فإذا خرج وانتهت سيادته وتأثيره، فصل بينه وبين أذنابه أو عملائه الذين رضي عنهم ورضوا عنه.
فإن بقيت طائفة مجرمة مارقة ممتنعة شيعية أو سنية فليكن مصيرها كمصير أهل كسروان، وإذا أذعنت الطوائف إلى حكم الإسلام فلتخضع حينها إلى شريعته التي لا تأخذ البريء بجريرة المسيء، ولا تلقي بالتهم جزافاً، بل لا تقبل من المدعي إلاّ البينة أو إقرار الخصم.
وختاماً أرجو أن لا أفجع بعد كل هذا الكلام بمحب للخير –أرجو له إدراكه- يقول: تباكوا وصاحوا لأجل الرافضة وما اهتزت لهم شعرة من أجل أهل السنة والمقاومة!
أعوذ بالله السميع العليم من البهتان العظيم، فما هذا إلاّ بكاء على السنة وعلى المقاومة، وأسأل الله مفهم سليمان _عليه السلام_ أن يفهمنا، وأن يصلح دواخلنا، وذات بيننا بجمعنا على كلمة حق سواء.
-----------------------------------
(1) ليس الغرض من هذا المقال بيان مذهب شيخ الإسلام بياناً علمياً ولهذا لم أعتن بتحرير النقول ومن أرادها فليراجع كلامه في دقائق التفسير 2/143، وكذلك 2/152-153، ومجموع الفتاوى 13/96 وأيضاً 28/474-475، وكذلك 35/141-144، وبيان تلبيس الجهمية 2/44، ومنهاج السنة 2/452، فإن فيها بيان رأي شيخ الإسلام في الرافضة بجلاء، ولعل محصلته ما أشير إليه من تقسيمهم إلى غلاة كالإسماعلية وإلى رافضة عوامهم دون ذلك، وإلى منظرين طغاة وأتباع لا يعرفون كثيراً من مرديات المذهب.