في حقيقة الأمر وقبل البداية بتحليل الموضوع لا بدّ لنا من القول: إنّ الحكم في قضايا التفجيرات حكماً قاطعاً أمر غير ممكن في ظل غياب دلائل ملموسة وقاطعة، وعليه فإنّ دورنا يقتصر على تحليل الموضوع للوصول إلى نتيجة قد تكون الأقرب بنظر البعض إلى كنه وحقيقة الموضوع وقد تكون الأبعد بنظر آخرين.
هل القاعدة فجّرت في شرم الشيخ؟
من خلال ما تابعته حتى الآن فيما يتعلق بتفجيرات شرم الشيخ يصعب القول: إنّ القاعدة هي الفاعل، ولكن يجب ألا يعد لك تقليلاً من شأن القاعدة وقدرتها على فعل مثل تلك الأعمال، فأحد أكبر الأخطاء العالمية في محاربة ما يسمى "الإرهاب" هو التقليل من قدرات الفاعل، وبالتالي عدم القدرة على تصور أعماله وتوقعها.
وللحقيقة فانّ معظم التحليلات التي طالعتها حتى الآن سواء المسموعة أو المقروءة شبهت وربطت بين تفجيرات شرم الشيخ وتفجيرات لندن التي وقعت هذا الشهر، واستدلّت على أنّ القاعدة هي الفاعل، وهذا خطأ كبير والتباس أكبر.. لماذا؟
أولاً: منطقة التفجير ليست متشابهة، فشرم الشيخ العاصمة المصرية الثانية بعد القاهرة والمقر شبه الرسمي لـ(الرئيس المصري) مبارك الذي يقضي أغلب شهور السنة فيها، فضلاً عن أنها المكان الأبرز سياسياً لعقد العديد من المؤتمرات واللقاءات السياسية، وبالتالي فهي بمثابة قلعة أمنية، وهي على الرغم من أنها سياحية أيضاً إلاّ أنّ التدابير الأمنية فيها عالية جداً، وهو الأمر الذي قد يعيق أو يعرقل إمكانية التفجير فيها على هذا النحو الذي شاهدناه، ولا يقل لي أحد: إنّه كان يتوقع تفجيراً بهذا المكان، بينما ساحة الانفجارات في لندن من الصعب تأمينها؛ لأنها بالأساس مكان عام وللنقل والانتقال أيضاً، وبالتالي فالناس في حركة دائمة من وإلى المنطقة التي قد يبلغ القادمين من خارجها في اليوم الواحد مليون شخص، وبالتالي هي موقع مثالي لطبيعة ضربات وتحركات القاعدة من حيث سهولة الضرب والانسحاب أو الذوبان في الجمهور أو "الانتحار".
ثانياً: أن المتفجرات غالباً ما تكون محلية الصنع فيما يتعلّق بتفجيرات القاعدة، كما أن تكلفة العملية تكاد لا تذكر مقارنة بحجمها، أضف إلى ذلك أن نتائجها غالباً ما تصب في الاتجاه الذي تريده القاعدة ولرصيدها وخطّتها الاستراتيجية، وهذا ما شاهدناه في أسبانيا أو في لندن، حيث انسحبت الأول من العراق فيما بدأ الجدل في الثانية يتصاعد حول ضرورة الانسحاب، أما في حالة شرم الشيخ تحديداً فإنّ الهدف غير واضح المعالم من هذه العملية، ولا أرى أنها تصب في اتّجاه خط القاعدة، وهذا ما سنتحدث عنه في سياق المقال.
ثالثاً: يجب الاعتراف أن القيام بعمليات للقاعدة ومناصريها في البلدان العربية هي أصعب بكثير من القيام بها في أي مكان آخر في العالم؛ وذلك بسبب بطش المخابرات العربية وسطوتها على المجتمعات، وإن حصل وأن تمّ خرق في بعض الحالات لا يلبث أن يتم تلافي الأمر وسد الثغرة.
وإذا كانت خلايا القاعدة أو مناصريها قد قامت بتفجيرات شرم الشيخ، هذه مع العلم أن عدداً من منفذي هجمات طابا التي تمّ الادعاء أن القاعدة كانت وراء العملية هم في السجن، فمن الفاعل؟ ومن صاحب العملية؟ وهل من أحد يريد خلط الأوراق؟!
ماذا عن وضع أجهزة المخابرات العالمية؟!
لا بدّ لنا من الحديث في هذا السياق عن وضع أجهزة المخابرات العالمية المناط بها كشف مثل هذه العمليات أو غيرها خاصّة في البلدان التي تحصل فيها الانفجارات، وسنتحدث هنا عن 3 أصناف من البلدان:
الصنف الأول: مثل: أمريكا وبريطانيا وأسبانيا.
الصنف الثاني: مثل: مصر والأردن.
الصنف الثالث: لبنان
- بالنسبة للصنف الأول، فإنّ الادعاء أن مخابراته مسيطرة على الوضع وتعمل على مكافحة ما يسمى "الإرهاب" وتقليص خطورته هو أمر غاية في الكذب، فأجهزة المخابرات الغربية بشكل عام في حالة من الضياع والتوهان، ونستطيع أن نقول: إن معظم عملياتها الناجحة ومعلوماتها المفيدة كانت بفضل بلدان من دول العالم الثالث مثل: باكستان، إيران، مصر، السعودية، الأردن، سوريا... وعدا عن ذلك فإنّ كل ما تقوم به هو الاعتقالات العشوائية وتوزيع التهم بالمجان، والاشتباه في أناس أبرياء بناءً على شكلهم أو لونهم أو اسمهم والترويج على أنهم إرهابيون أو من القاعدة لدرجة أن قد تعتقل وتتهم بأنك من القاعدة بسبب جملة قلتها على الهاتف وتم فهمها بشكل خاطئ كما حصل في أسبانيا، وقد تعتقل مدى الحياة وتتهم بدعم الإرهاب مادّياً كما حصل مع المهندس الفلسطيني في أمريكا الذي سجن مدى الحياة لتبرعه بعدد من الحواسيب لحركة حماس وتهمته دعم الإرهاب تكنولوجيا!! أو قد يتم تعذيبك وملاحقتك ومن ثمّ قتلك لأنّ ملامحك شرقية!! كما حصل في لندن مؤخراً مع أن القتيل برازيلي!!
- بالنسبة للصنف الثاني: فإنّ مخابراته فاعلة؛ لأنها بكل بساطة تتهم معظم الناس خاصّة الذين ليسو في صفّها أو صف النظام، وبالتالي لا حرية حركة ولا فكر ولا تصرّ، وتكرر عمليات بهذا الحجم يعني أن هناك خيوط خارجية لها علاقة بالموضوع، وهي تمتلك حرية عمل ومعلومات وتقنيات وتكنولوجيا، ونتساءل من هي يا ترى؟! خاصّة أن التجربة التاريخية تقول بإمكانية حصول مثل هذه التدخلات الخارجية، وما عليكم إلا مراجعة ما يسمى "فضيحة لافون" التي حصلت في مصر تحديداً من قبل الموساد الإسرائيلي.
- الصنف الثالث: بلده مخترق أمنياً ومخابراتياً على أعلى مستوى وبه عدد من أجهزة الاستخبارات العالمية والموساد والعملاء وهو عاجز من ناحية العديد والعدّة على سد الثغرات الأمنيّة.
هل هناك من يحاول خلط الأوراق؟!
لا بدّ لنا من الاعتراف أن هناك فوضى عالمية حالياً وأنّ الشكل الهلامي لتنظيم القاعدة وخلاياه ومناصريه يساعد على تصعيب الأمور وصعوبة الحكم إذا ما كانت اعي عملية تفجير هي في الحقيقة من صنع التنظيم وأنصاره أو عدمه، وبالتالي فقد يجد أحدهم أن هذه الفوضى مناسبة له في ناحية من النواحي، فيعمل على استغلال مثل هذه الفوضى ويوجهها لصالحه ولغاياته تحت ما غطاء "أنها عمليات للقاعدة" مستخدماً بعضاً من تواقيع القاعدة باستخدام السيارات المفخخة والتفجيرات المتنقلة والمتعددة في آن واحد، وهي ختم القاعدة والسبّاقة إليها، وبالتأكيد نتحدث هنا عمّا يسمى "الفوضى الخلاقّة"، لكن مع ذلك فإنّ القاعدة لها خصوصية في عملياتها ويمكن إدراك ذلك من خلال التمحص جيداً في كل عملية ونتائجها، كما أن التنظيم يمتلك عدداً من الناطقين باسمه في المنتديات ولديهم مستوى عالٍ من المصداقية كما أثبتت التجارب.
على العموم ما نريد قوله في صلب الموضوع: إنّه إذا حاول أحدكم رصد سلسلة التفجيرات التي تحصل في عدد من البلدان جيداً، فإنّه سيلاحظ ما يلي:
هناك 3 أنواع من التفجيرات؛ نوع يتوافق مع أهداف القاعدة من حيث الأسلوب ومواد التفجير ومسرح العملية وفي النتائج، وغالباً تبنّي العملية يكون واضحاً وصريحاً وغير ملتبس وغير متعدد.
أما النوع الثاني: فهو لا ينسجم إذا دققنا به جيداً مع أهداف القاعدة وأسلوبها ومواد التفجير ومسرح العملية والنتائج غالباً ما تكون غير واضحة وفي اتجاه مختلف، وهذا النوع يستخدم بعض أساليب القاعدة للتخفي وراءها وخلط الأوراق.
أما النوع الثالث: فهو عبثي بدائي، ومن أمثلته تفجيرات الأزهر وعائشة في مصر والتفجير الأخير الذي حصل في تركيا وتبناه حزب العمال الكردستاني.
و للدلالة على كلامنا بشكل أدق نعطي مثالين عن النوعين الأول والثاني.
بالنسبة للأوّل: تفجيرات القطارات في أسبانيا والأنفاق في لندن ويمكن القول بأنها من صنع القاعدة ومناصريها، سواء من طبيعة مسرح العملية من حيث الاستعدادات الأمنيّة وطبيعة المكان ونوع التفجيرات وحجمها ومن حيث نتائج العملية وجهة التبني التي كانت واضحة جداً ولا التباس فيها مطلقاً، والمطالب التي ترافقت مع التفجيرات وهذه أمور كلها تنسجم مع أساليب القاعدة وأهدافها.
بالنسبة للثاني: تفجيرات شرم الشيخ(إلى الآن) وتفجير موكب الحريري في لبنان.
و هذان التفجيران الأخيران من وجهة نظرنا وكما خبرنا القاعدة ومن خلال المعطيات المتوافرة حالياً هما خارج سياق القاعدة من ناحية الهدف أو التفجيرات المستخدمة أو من ناحية التبني والإعلان ولعدد من الأسباب منها:
أولاً: المنطقة التي حصلت فيها هاتان العمليتان في كلا البلدين هي منطقة ذات استعدادات أمنية عالية جداً، حيث تعد الأولى كما ذكرنا العاصمة الثانية بعد القاهرة ومقر إقامة الرئيس مبارك شبه الدائمة، أما الثانية فهي منطقة سوليدير في قلب بيروت العاصمة، وتضم البرلمان الذي كان قريباً جداً من موقع التفجير، وسنطرح تساؤلاً في هذه الفقرة على هذا الشكل: من الذي يتمتع عادة بحرية عمل كبيرة في هكذا أماكن؟ هل هم الإسلاميون أم السياح وغيرهم؟؟ وفي حالة مصر، ما هو وضع السياح الإسرائيليين؟
ثانياً: أن كلتا العمليتين كانتا ناجحتين بشكل كبير جداً مع أضرار بالغة وبتقنية عالية وتكنولوجيا متطورة، فإذا كان الإسلاميون هم الفاعلين والقادرين على فعل ذلك في هذه الظروف، فكان الأجدر بهم أن يفجروا موكب السفير الأمريكي في حالة لبنان أو أن يقوموا بعملية كبيرة داخل فلسطين المحتلة بدلاً من شرم الشيخ، فالذي يستطيع تهريب هذا القدر من المتفجرات العالية التفجير وإدخالها إلى شرم الشيخ بهذا المستوى، يستطيع دخول فلسطين المحتلة وتهريب هذه المتفجرات إليها، اللهم إلا إذا كانت الجهة الفاعلة هي غير القاعدة وهذا ما نرجّحه.
ثالثاً: أن نتائج كلتا العمليتين غير واضحة المعالم والمطالب غير موجودة، والنتائج لم تصب في خانة تحقيق أهداف القاعدة كما حصل في أسبانيا وبريطانيا بأي شكل من الأشكال.
رابعاً: أن العمليتين وقعتا في أكثر وأشهر المناطق سياحياً واقتصادياً في البلدين، فنتساءل من مصلحة من ولمصلحة من؟ في وقت يعاني الكيان الصهيوني من شبه انهيار اقتصادي وسياسي وسياحي وليس من مصلحته تطوّر البلدان المجاورة، ونعيد التذكير بفضيحة "لافون".
ولدينا الكثير لنقوله، لكن كل في وقته وزمانه، ونذكّر كخلاصة أن هناك من يحاول أن يصطاد في الماء العكر، ويريد خلط أوراقه بأوراق القاعدة، واستغلال الفرصة لغاية في نفس يعقوب محاولاً استنساخ أسلوب القاعدة ليبعد الشبهات عنه.
ولن نسمي كي لا يقال استخدم نظرية "المؤامرة" مع أن عهد المؤامرات مكشوف منذ القدم ولا خوف من الحديث عنه، ولكنها عقدة العربي إلى أن يفيق من جحيمه البائس.