نشر في موقع المسلم (http://www.almoslim.net)
توطد العلاقات المغربية- الجزائرية حتمية تفرضها التحديات
تم الإنشاء 03/06/2005 - 22:57

يبدو أن العلاقات المغربية-الجزائرية في طريقها إلى الاستقرار والتحسن في وقت قياسي، بعد طول جفاء بين الجارين الشقيقين، دام أكثر من عشر سنوات، تعطلت فيها العلاقات بين البلدين، مما أثر سلباً على المشروع الاتحادي لدول المغرب العربي، فلقد توقف نشاط هيئات اتحاد المغرب العربي، وظل كل شيء في الدرج إلى إشعار آخر، طيلة هذه المدة.

لا شك أن الأسباب التي كانت وراء هذا الجفاء كثيرة، إلا أن قضية الصحراء الغربية هي في مقدمتها، فمنذ ظهور البوليزاريو سنة 1975م، ورغبتهم في الاستقلال عن المغرب، ساءت العلاقات بين الجزائر والمغرب، و كادت تنشب حرب شاملة بين الدولتين، لولا الله وتدخل العقلاء من الطرفين.

وتعود جذور هذا النزاع إلى أن المغرب كانت تنظر إلى الجزائر على أنها المُحرضة للشعب الصحراوي في مطالبته بالاستقلال، ودعمه بالسلاح والعتاد والخبرات العسكرية، وفي نظر المغاربة فإن الجزائر وقفت ضد كل الحلول السياسية، التي اقترحتها المغرب مُصرة على فصل الصحراء الغربية عن الوطن الأم وعن عمقها السياسي والحضاري منذ آلاف السنين.

أما الجزائر فكانت – حسب زعم المسؤولين - تنطلق من مواقفها المبدئية في مساندة الحركات التحررية، أينما كانت في العالم، وإن هذه المواقف كانت مسيطرة إبان السبعينات، حين كان المعسكر الاشتراكي، المُهيمن على السلطة في الجزائر، يرى في المملكة المغربية ذيلاً للرأسمالية وأحد أذرع الأخطبوط الإمبريالي في المنطقة، فالقضية الصحراوية، إذن، معركة من معارك الحرب الباردة بين الشيوعية والرأسمالية، وإن لم يُفصح أصحابها عن ذلك.

والآن بعد انتهاء تلك الحرب "الباردة الساخنة" وانهيار المعسكر الشرقي، وجدت الجزائر نفسها متورطة في القضية الصحراوية، من حيث أنها ذهبت بعيداً في الخلاف مع المغرب والمساندة الكاملة للبوليزاريو، إلى درجة لا يمكنها العودة إلى الخلف، وللحفاظ على ماء وجهها، أمام الصحراويين، تدعم الجزائر اليوم حل القضية على مستوى الأمم المتحدة، مما يُخفف من الاحتقان بين الجزائر والمغرب في هذه القضية.

وفي الثمانينيات شهدت العلاقات انفراجاً ملحوظاً، وأثر ذلك بالإيجاب على تنقل الأفراد والسلع بين البلدين، وكانت تلك المرحلة الهادئة مناخاً ملائماً لتكثيف العمل الوحدوي، في إطار الاتحاد المغرب العربي وتفعيل هيئاته المختلفة، لكن للأسف أن تلك المرحلة توقفت في منتصف التسعينيات، بسبب حادثة إرهابية وقعت في مراكش، اتهمت المغرب إثرها الأجهزة الأمنية الجزائرية بالتورط في العملية، مما حدا بها إلى إغلاق حدودها مع الجزائر، وفرض تأشيرة الدخول على الجزائريين، وما لبثت أن ردت الحكومة الجزائرية بالمثل، وبقيت منذ 1995م الحدود مغلقة والتأشيرات مفروضة على الجانبيين، إلى أن بادرت المغرب بإلغائها قبل أشهر قليلة، بينما تأخرت الجزائر في إلغائها إلى ما بعد القمة العربية، التي عُقدت هذه السنة على أرضها.

ويُجمع المراقبون أن القمة العربية السابعة عشر، كانت قمة عودة الثقة بين البلدين، حيث اجتمع (الرئيس) بوتفليقة مع (العاهل المغربي) محمد السادس، على هامش القمة مرتين، ووعدا بعضهما البعض بحل القضايا العالقة منذ أمد، كما وعد بوتفليقة بزيارة ستُعد تاريخية إلى الدار البيضاء قريباً، وتم تفعيل المشاركة الجزائرية في اللقاء العربي – الجنوب أمريكي، الذي انعقد في المغرب قبل أسبوعين.

ومن الإجراءات الإيجابية كذلك التي اُتخذت بين الجانبين عودة اللجنة المشتركة الجزائرية – المغربية إلى الاجتماع نهاية هذا الشهر، والتي تجمد نشاطها بسبب الأزمة منذ أواسط التسعينات، ويُنتظر من هذه اللجنة المشتركة طرح العديد من الاتفاقات الثنائية، في كافة المجالات في أقرب الآجال، وأهم تلك الاتفاقات المرتقبة، الإجراءات العملية لفتح الحدود بين البلدين، وحمايتها لمواجهة مشاكل عويصة، لاسيما الحد من الهجرة السرية، وتهريب المخدرات (الكيف أو الحشيش) إضافة إلى تهريب بعض السلع كالغاز والبنزين.

وتجدر الإشارة إلى أن إغلاق الحدود بين البلدين أثر بشكل سلبي و مباشر على قطاعات واسعة من المواطنين، بالأخص التجار الذين توقف مورد دخلهم، والسواق والعاملون في الوظائف المعتمدة على السياحة، فإن توقف الحركة السياحية بين البلدين كان له أثر مدمر على أسرهم، وعلى اقتصاد البلدين، إلا أن المغاربة كانوا أكثر تأثراً بإغلاق الحدود، بسبب العزلة الجغرافية، حيث لم يعد لبلادهم منفذ على العالم الخارجي إلا عبر البحر، ولا تزال تُنقل أحداث غرق الشباب المغربي عرض البحر المتوسط، فيما يُسمى بقوارب الموت، وهم يفرون من البطالة وشظف العيش إلى سواحل إسبانيا.

ويعتقد الكثير من المسؤولين في البلدين أن المصالحة بين المغرب والجزائر ليست فقط قضية عاطفية، وإنما ضرورة سياسية واقتصادية، تفرضها المصالح المتبادلة والتحديات الدولية في المنطقة، وإن غياب التعاون السياسي والتكامل الاقتصادي بينهما يخدم بالدرجة الأولى دول أوروبا، خصوصاً الجنوبية، التي استولت على الأسواق التجارية واستطاعت أن تُسوق لسلعها في غياب المنافسة المغاربية، وأبسط مثال على ذلك أن المغرب وجد صعوبة بالغة في تسويق الطماطم المصبرة في أوروبا بسبب المنافسة، وفي ذات الوقت كانت الجزائر تصرف ملايين الدولارات من العملة الصعبة لاستيراد نفس المادة من تركيا، ونفس المشكلة بالنسبة لزيت الزيتون والفواكه وبعض الصناعات الخفيفة.

إلا أن التحديات السياسية والجيوستراتجية والأيديولوجية، المتمثلة في المشاريع الأمريكية والأوروبية المُعدة لمستقبل المنطقة، تُحتم تعاوناً فعلياً وعملياً، على مستوى البلدين ثم على مستوى المغرب العربي، ولا يمكن للدول المنعزلة عن بعضها البعض والكيانات الهزيلة أن تقاوم العمالقة، وهم يتجمعون في تكتلات إقليمية ودولية.

وفي هذا الصدد لا يمكن تجاهل الصراع الأمريكي- الفرنسي على المنطقة الذي يزداد يوما بعد يوم، وقد اشتكى مسؤولون فرنسيون من تنامي النفوذ الأمريكي في المغرب العربي، الذي يُعد تقليدياً تابعاً للنفوذ الفرنسي، فالولايات المتحدة الأمريكية تُكثف من علاقاتها السياسية والاقتصادية مع المغرب حتى صارت، حسب تصريح جورج بوش حليفاً دائماً لأمريكا، وتمتنت علاقاتها مع الجزائر، خصوصاً في مكافحة الإرهاب، واكتساح الشركات البترولية الأمريكية القطاع النفطي في الصحراء الجزائرية، وكذلك تسعى الولايات المتحدة لتحسين علاقتها مع ليبيا، بعد تخليها عن برنامجها النووي، وحل مشكلة لوكربي.

ومهما يكن فإن التغييرات والتحولات تتوالى، والمشاريع القادمة من وراء البحر ستُفرض بالقوة، ولا يمكن أن تواجه الدولتان الشقيقتان هذا الطوفان، إلا بالوحدة والتعاون في كافة المجالات، والترفع عن المشاكل التافهة، التي ستُدخل المنطقة في المجهول.

article3 [1]

رابط المادة: http://www.almoslim.net/node/84740