يرمي بعض الأدعياء دعاة التوحيد بالجمود ويزعم أن دعوتهم ليست دعوة شاملة لجميع مناحي الحياة، ولا ملبية لمتطلبات العصر، وعاجزة عن مسايرة المستجدات، فهي قاصرة على أمر معين هو العقيدة، ولا تتجاوزه لما يحتاج إليه المجتمع من علاج بعض الأمراض الخطيرة فيه.
ولعل نظرة عابرة، تبين تهافت هذه الشبهة وفسادها، وذلك لأن دعوة التوحيد هي دعوة الأنبياء عليهم السلام، وقد وضع الأنبياء عليهم السلام أيديهم على سائر أمراض المجتمع، فم يقفوا على فساد في مجتمعاتهم إلا ونصحوا قومهم وحذروهم منه، ولم يطلعوا على مرض من أمراض مجتمعاتهم إلا عالجوه وبينوا لقومه سبل الوقاية منه، إلا أنهم فعلوا ذلك انطلاقاً من الدعوة إلى التوحيد، فشعيب عليه السلام قال لقومه: "وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ" (هود: من الآية84)، وقال: "وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ" (هود: من الآية85)، وقال: "وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً" (الأعراف: من الآية86)، ولكن قبل ذلك كله قال: "اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ" (هود: من الآية84)، بل قرن هذا بالدعوة إلى الإصلاح الاقتصادي فقال: "وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ"، وكأن توحيد الله وإفراده بالعبادة أساس الإصلاح الاقتصادي الذي دعا إليه.
ولوط عليه السلام قال لقومه: "أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ" (الشعراء:165)، وقال: "أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ" (العنكبوت: من الآية29) ولكن قبل ذلك قال: "إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ" (الشعراء:162- 163)، وقد قال الله عنه وعن غيره من أنبياء الله: "وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ" (النحل: من الآية36)، ولوط من هؤلاء الرسل بنص قوله: "إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ" (الشعراء:162).
إن الادعاء سهل، ورمي التهم جزافا يسير ولكن إثبات الدعاوى والتدليل عليها هو المحك الذي يبين صدق المدعي من كذبه، فالأمر كما قال الشاعر:
| والدعاوى إذا لم تقم | عليها بينات فأهلها أدعياء |