نشر في موقع المسلم (http://www.almoslim.net)
ما لم يُجِب عليه الملأ في مداخلة أدونيس
تم الإنشاء 24/11/2007 - 09:41

لم يكن يخطر بالبال أن يتهجم الشاعر أدونيس على الإسلام في دار يفترض أنها "دار إسلام" (الإمارات العربية المتحدة) دون أن يكون هناك موقف يرقى لمستوى التجني واللاعقل في مداخلة أدونيس في ما تم تعريفه بـ(مؤتمر المعرفة!) وتحديدا الجلسة التي تم عنونتها بـ"التنوع الثقافي في المجتمعات العربية" بل قوبل بتصفيق البعض،واستحسان البعض ممن أطلق عليه لقب (شاعرنا) أو مديح، الفقي، له ووعده بجائزة نوبل بعد تلك المداخلة!!!

تناقض التناقض: لقد تهجم أدونيس على ختم النبوة، والقول بأن الرسول صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء كما ورد ذلك تكرارا في القرآن المجيد والأحاديث النبوية الشريفة، وزعم أن ذلك يعني الوصول إلى الحقيقة المطلقة، وأن "الله لم يعد لديه ما يقوله" على حد تعبيره. وفي نفس الوقت يدعو إلى الاعتراف بحق الكفر وعدم الايمان أو "عدم التدين" حسب قوله. وهذا تناقض فضيع لا سيما إذا أضفنا إليه الزعم بالمناداة إلى "تحكيم العقل" بدل الكتب المقدسة، وعلمنة العالم الإسلامي حيث دعا في مداخلته إلى قمع من وصفهم بالأصوليين، تاركا مساحات جدباء بينه وبين العقل، وتجلياته عبر النقاش والحوار والمجادلة والمطارحة والمناظرة التي لم يدعو إليها إطلاقا.

إن تكوين أدونيس يمنعه من التفكير فضلا عن التوق لاستمرار النبوات، فهو غير متدين،حتى لا نقول إنه باطني أو وجودي أوملحد أو مرتد، فما الذي يجعله يعترض على ختم النبوة وكون الرسول صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء؟ هل هي المماحكة، والاعتقاد والوهم بأن المسلمين لن تكون لديهم الاجابة الفاصلة والحاسمة، أم الببغائية الاستشراقية التي درج عليها أولئك الذين لا يتوقفون عن إدعاء امتلاك الحقيقة وهي تهمة لا يتورعون في كل مناسبة من رمي المخالفين بها. وربما كان ذلك من جملة ما يحشون به من قبل زملائهم من متطرفي اليهود والنصارى والمرتدين، ليقذفون به الاسلام والمسلمين.

ما الذي يريد أدونيس العلماني أن يقوله من خلال اعتراضه على حقيقة ختم النبوة، في الوقت الذي يحارب فيه النبوة والرسالة، والديانة والمتدينين؟!
فالمنطق يفرض عليه وعلى أمثاله أن يرحبوا بختم النبوة، وبزوغ فجر العقل ليتولى الخلافة،بهدي من قبس الرسالة، لكن الاعتراض أعطى إشارات كاذبة توحي كذبا بالحرص على استمرار الرسالات وتوالي الرسل، وهو أمر لا يمكن أن يفكر به أدونيس فأوقعه في تناقض مضاعف، أو تناقض التناقض بناء على مقولة (كتاب) ابن رشد " تهافت التهافت".

ختم النبوة:
لقد رد البعض على ما تفوه به أدونيس حول التسامح، حيث زعم أن التسامح يعني أنك تمتلك الحقيقة،و تتفضل على الآخر فتسمح له بالعيش. أو كما قال الدكتور البكوش في نفس الندوة "التسامح لا يعني امتلاك الحقيقة وإنما حق الآخر في الاختلاف" وهو تفسير أقرب ما يكون لفهم، فولتير، الذي يرى أن التسامح هو قبول الآخر "علينا أن نأخذ بعضنا بعضا بالتسامح". أما الكاتب العراقي حسين شعبان فيبدو أنه انبهر بما يقوله أدونيس فعبر عن ذلك بقوله " هذا زمن الأسئلة التي يتوقف فيها الجواب "!!!
فهل الأمر كذلك؟!!!

لقد انفتحت آفاق رحبة من الفهم النوراني لابعاد استماتة علماء الاسلام وفي مقدمتهم الامام أحمد بن حنبل في التأكيد على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، كما حصل في زمن فتنة (خلق القرآن) وبدا وضحا للعقول اليوم وغدا،أكثر من أي وقت مضى الأهمية القصوى لذلك الموقف الذي لم يلق حظه كما ينبغي من العلماء بعد الامام أحمد رحمه الله. فعندما يسأل أدونيس عما " إذ كان ليس لله ما يقوله بختم النبوة " يأتي الجواب بأن القرآن كلام الله وهو صفة وليس مخلوقا، مما يفند تلك الشبهة.

ففي القرآن ما يكفي للهداية، وأن العقل المستنير بتعليم ومقاصد الشرع كفيل باستئناف المسيرة الانسانية. أو بعبارة أخرى ختم النبوة تأكيد على كمال العقل الانساني المستنير بمقاصد الوحي الالهي. فإذا كان ابن خلدون من قبل قد كتب مؤلفه التاريخي الضخم في أكثر من سبعة مجلدات، وإذا كان أرنولد تويمبي قد أنجز عمله الضخم "دراسة للتاريخ"، في ما يقرب من سبعة آلاف صفحة وقضى فيه أكثر من أربعين عاما، فإن كتابة هذا الكم من المعارف أصبح اليوم ممكناً في جهاز بسيط يمكن للإنسان أن يحمله معه، وهكذا دخلت التكنولوجية في تفاصيل حياتنا الخاصة والعامة، ونقلتها إلى طور آخر من أطوار تعاملها مع الحياة والكون والناس، وأخرجتها من طور قتل الأوقات، وتبديد الطاقات إلى مراحل الاقتصاد في الجهد والوقت، وإلى عالم الدقة، والإتقان، والجمال، في العمل الإنساني.

فالاتصال السلكي واللاسلكي، والحاسوبات الإلكترونية، والأدمغة الصناعية، وأجهزة الذكاء الاصطناعي، والأقمار الصناعية، والتقنيات الاتصالية الحديثة، والمراكب الفضائية، والتكنولوجية العسكرية، والطبية، وكل الأداتية، والتقانية، والآلياتية التي نشاهدها في عالم الحضارة المعاصرة هي نتاج طبيعي "للمنطق التكنولوجي" و"للعقل التقني" الذي خلفته النزعة العالمية، والعلمية، والعملية، والتخصصية، والمنهجية في حياة الناس.

لقد أعطت "التكنولوجية" الحديثة للعقل البشري فرصة التفاعل الإيجابي مع سنن الله في الكون والأنفس، وأمدته ببعض وسائل التسخير المادية التي تتطلب استعمالاً أكثر فاعلية لأجهزة التسخير المعنوية:السمع والبصر والفؤاد والقلب.. والتكنولوجية اليوم تسير بخطى متسارعة إلى عالم جديد أسماه مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، زبيغنيو بريجنسكي، بـ"العصر التكنتروني".

ويرى علماء الإسلام أن حقيقة ختم النبوة حقيقة تطورية لها أهمية بالغة، إنها تطور في منهجية المعرفة والتلقي ومصدر المعرفة، لها مقدماتها كما لها نتائج بعيدة المدى ومبررات وأسباب لإغلاق باب أسلوب من التلقي، وفتح أسلوب آخر. فشهادة أولي العلم حين تقرن بشهادة لله فهذا إعلان ببلوغ البشر إلى نوع من التلقي، غير التلقي بواسطة الرموز، إلى التلقي بواسطة الأحداث وعواقب التاريخ، فكان هذا إعلان وراثة العلماء لدور الأنبياء.

فإن الأنبياء أسسوا ورسخوا فكرة التوحيد بأسلوب النبوات، وعلى أولي العلم أن يحولوا هذه الفكرة المحورية إلى علم وممارسة عملية، والتسلسل الذي عرضناه من اقتران الأنبياء وأولي العلم ثم ختم النبوة، فيه إلغاء أن يدعي أحد أن له مصدراً خاصاً به للمعرفة لا يتيسر لبقية الناس، وهذا إغلاق أبدي لأسلوب التلقي من الغيب إلى المعرفة العلمية التاريخية البرهانية.

وهذا التسلسل يوصل إلى الخروج من المنهج الخارق اللاسنني للدخول إلى العالم العلمي السنني. يسجل القرآن مطالبة المعاصرين لنزول القرآن بالخارق التي كان يأتي بها الأنبياء سابقاً، فيجيبهم: يكفي هذا الكتاب برهاناً.
(وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ. أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ] العنكبوت: 29/50-51 [.
(وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ..) ] البقرة: 2/118 [.
(بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلْ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) ] الأنبياء: 21/5 [.
(وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً. أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيراً. أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلاً. أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً) ] الإسراء: 17/90-93

عالمية الحضارة وختم النبوة:
ويقول العلماء أن فكرة عالمية الحضارة متصلة مباشرة بفكرة (ختم النبوة) ودلالتها على الصعيد المنهجي، والفكري، والعملي، لفهم المسلم لرسالته بصورة خاصة، وفهمه لحركة العالم، ومآليته بشكل عام. فمن الدلالات الأساسية لختم النبوة ما ذكره العلامة إقبال، رحمه الله" إن مولد الإسلام هو مولد العقل الاستدلالي، وأن النبوة لتبلغ كمالها الأخير، في إدراكها العميق لاستحالة بقاء الإنسانية معتمدة إلى الأبد على مقود تقاد منه، وأن الإنسان لكي يحصل على معرفته بنفسه، ينبغي أن يترك ليعتمد في النهاية على وسائله هو " ويقول الاستاذ جودت سعيد " يمكن النظر إلى ختم النبوة من جانب آخر على أنها فكرة تعلن انتهاء الدروات الحضارية.. وبانتهاء النبوة، وختمها، انتهت الدورات، وأمسك الإنسان بسنن الحضارة ليجعلها مستمرة.. فمعنى ختم النبوة: ختم الدورة الحضارية.. والميزة الأخرى لمحمد صلي الله عليه و سلم أنه للناس كافة، وهذه هي عالمية الحضارة، وانتهاء زمن الدورات، وإن كنا لا نزال نعيش دورة الحضارة، وتعددها، إلا أن إرهاصات زوالها بدأت تبرز لمن تأمل ".

ويقول جودت سعيد: "إن ختم النبوة إعلان رسمي عن انطلاق عهد الجهاد الحضاري الطويل، وبداية عصر البحث عن البرهان الواقعي، والعملي على فكرة عالمية الإسلام، التي تقررت في عالما العقيدة الإسلامي كأساس من أسس الدعوة التوحيدية. إننا في واقعنا الراهن نعيش معطيات العصر العالمي، ولكن يبدو أننا لم نفكر بعد، كما لم تفكر الحضارة الغربية بجد في موضوع العصر العالمي، وشروط العيش فيه: (فالحضارة أصبحت مع الثقافة الغربية، هدفا مقصودا، وعملا شعوريا، وفنا، ووظيفة تتطلب ذكاءه، وإرادته وهو يرى فيها غايته الأرضية. هذه الذاتية الجديدة، قد وسعت أولا حقل الحضارة نفسها، حين مدته من النطاق القومي، والعنصري إلى النطاق العالمي، والإنساني، ولكن الغرب حين حقق امتداد الحضارة في المكان، بفضل قوته الصناعية، قد أحدث تحولاً في طبيعتها التاريخية " ويضيف "إن منعطف التاريخ الحالي.. يجتاز بالإنسانية المرحلة الثانية من تطورها، بعد التحول الأول، الذي دخلت به في التاريخ في نهاية العصر الحجري الجديد.. وهذا التحول قد يغير توقعات التاريخ تغييراً تاما بحيث لا يدع مجالاً لافتراض (الأفول) إذ في التوقع الجديد لن يكون هناك أمامنا سوى افتراض الكسوف الكلي، والنهائي الذي لا يمكّن من أن تصاغ (نهضة).. وتلك هي نتيجة توحيد المشكلة الإنسانية.. هذا التوحيد الذي أوصل مقدرة الإنسان إلي المستوى العالمي، وهو يتجلى في حياة كل شعب وفي تشكيلاته السياسية، وفي ألوان نشاطه العقلي، والفني، والاجتماعي. فالمقاييس، وطرائق السلوك، والتفكير، لا تكف عن التقارب على محور طنجة - جاكرتا، ومحور واشنطن - موسكو). من هذه التحديات الأولية، تبدو لنا أهمية فكرة عالمية الحضارة كمشروع حضاري، يطلب منه أن ينقل البشرية إلى طور حياتي جديد على الصعيد العقلي والسلوكي ".

الموقف الشرعي من ختم النبوة:
يقول الكاتب خالد بن عبدالعزيز السيف " من القواعد المقررة أن نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ثبتت كما ثبتت نبوة غيره من الأنبياء السابقين ممن يؤمن بهم النصارى كموسى عليه السلام وسائر أنبياء بني إسرائيل؛ وإذا ثبتت نبوة نبي وأنه مرسل من عند الله وجب الإيمان به وأن كل ما يقوله حق يجب تصديقه ". ويتابع " ومما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أنه خاتم الأنبياء لا نبي بعده، كما قال تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا)[الأحزب: 40]. وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً وختم بي النبيون "

أما عبدالعزيز بن محمد عبد اللطيف فيقول " لقد أوضح الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله معتقده في مسألة ختم النبوة في مواضع من مؤلفاته، منها ما ورد في رسالته لأهل القصيم لما سألوه عن عقيدته فقال - بكل وضوح "وأومن بأن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين والمرسلين ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته " ويقول أيضا في هذه المسألة " وأول الرسل نوح عليه السلام وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم " ويذكر الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسين في إحدى رسائله معتقد الشيخ الإمام في هذا المقام، فيقول"ويعتقد، أي الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أن القرآن الذي نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين وخاتم النبيين كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود " ويوضح صاحب كتاب جواب الجماعة معتقد الشيخ في هذه المسألة " ويؤمن، أي الشيخ محمد بن عبد الوهاب، بأن محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين والمرسلين، لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته " ويقول الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود في إحدى رسائله "ونؤمن بأن محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وأفضلهم ".ويقول صاحب كتاب " التوضيح عن توحيد الخلاق " في تلك المسألة " وآخر الرسل محمد صلى الله عليه وسلم بالنص والإجماع ".

كما يؤكد الباحث أسامة سليمان، على أن الله تعالى ختم النبوة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم وتلك إحدى العقائد الأساسية في الإسلام التي لا يصح إيمان العبد إلا بها، وهي من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، إلا أن هذه العقيدة تعرضت في القديم والحديث لكيد ماكر من أعداء الأمة الإسلامية بشتى أساليب المكر والخداع، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تقوم الساعة حتى يُبْعَثَ دجالون كذابون قريبًا من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله". رواه البخاري ومسلم، وفي رواية للترمذي وابن ماجه: " إنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون كلهم يزعم أنه نبي". وقد باءت محاولات مدعي النبوة بالفشل في القديم وأغلق الباب في وجوههم، وأصبحت قصصهم وأخبارهم تنقل في كتب النوادر، وأخبار الحمقى والمغفلين، بيد أنه في العصر الحاضر وجد أدعياء النبوةِ قبولا عند بعض المسلمين لجهلهم وبعدهم عن شرع ربهم، ونجح الاستعمار وأعداء الدين في استدارج بعض أصحاب الدعوات الباطلة والفرق المنحرفة الكافرة، ومن هذه الفرق الضالة القاديانية والبابية والبهائية وبعض غلاة الصوفية.

أقوال علماء الإسلام في ختم النبوة:
وفي قوله سبحانه وتعالى: "ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين "الأحزاب: 40 يقول شيخ المفسرين الطبري رحمه اللَّه " ما كان محمد أيها الناس أبا لزيد بن حارثة، ولا لأحد من رجالكم، وإنه كان رسول اللَه وخاتم النبيين الذي ختم النبوة فطبع عليها فلا تفتح لأحد بعده إلى قيام الساعة...". ويقول ابن الجوزي رحمه اللَّه: " من قرأ خاتِم بكسر التاء فمعناه: وخَتَمَ النبيين، ومن فتحها فالمعنى: آخر النبيين، وهذا فهم كل المفسرين من سلف الأمة من صدر الإسلام إلى اليوم ". ويفهم من عموم رسالته صلى الله عليه وسلم أنها خاتمة الرسالات وآخرها، فلا تحتاج البشرية بعده إلى دين جديد.و قوله عز وجل:اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا "المائدة: 3 ".وهذا من أكبر نعم اللَّه على عباده، حيث أكمل لهم سبحانه الدين فليسوا بحاجة إلى دين جديد، ولا إلى نبي بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم، ومن ثم جعله سبحانه خاتم النبيين وبعثه إلى الثقلين الإنس والجن.

وقوله صلى الله عليه وسلم: " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنام ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ". رواه البخاري
وفي رواية مسلم وأحمد: " وختم به النبيون "، وهذا الحديث قال عنه الإمام السيوطي إنه بلغ حد التواتر، وهو يؤكد عقيدة ختم النبوة ويقررها في نفس المؤمن.و قوله صلى الله عليه وسلم: " ذهبت النبوة وبقيت المبشرات ". رواه أحمد وابن ماجه، في روايات أخرى قيل: يا رسول الله، وما المبشرات، قال: " الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له". وقوله صلى الله عليه وسلم: "أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي، وأنا العاقب ". رواه البخاري ومسلم،والعاقب الذي لا نبي بعده.

أما أقوال السلف في عقيدة ختم النبوة فمنه قول عمر رضي اللَّه عنه: "إن ناسا كانوا يؤاخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن الوحي قد انقطع وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم ".البخاري
وقول أنس رضي الله عنه: " كان إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم قد ملأ الأرض ولو بقي لكان نبيا، ولكن لم يبق لأن نبيكم آخر الأنبياء ". رواه أحمد في مسنده. ولدينا أيضا إجماع الصحابة على أن الوحي قد انقطع بموت النبي صلى الله عليه وسلم.وكان الصحابة رضي الله عنهم يتهكمون بالمتنبئين والدجالين الكذابين، فعندما طلب خالد بن الوليد رضي الله عنه من أصحاب طليحة الذين أسلموا وحسن إسلامهم أن يُسمعوه مما قال شيئا قالوا، إنه كان يقول: الحمام واليمام والصرد الصوام قد صمن قبلكم بأعوام ليبلغن ملكنا العراق والشام ".

ثالثًا: موقف الأمة من مدعي النبوة.
وقال البغدادي رحمه الله: " كل من أقر بنبوة محمد أقر بأنه خاتم الأنبياء والرسل وأقر بتأييد شريعته وامتناع نسخها ". أصول الدين ص162. و قال القاضي عياض رحمه اللَّه: " أخبر صلى الله عليه وسلم أنه خاتم النبيين لا نبي بعده وأخبر اللَّه تعالى أنه خاتم النبيين وأنه أرسل للناس كافة وأجمعت الأمة على حمل هذا الكلام على ظاهره وأن مفهومه المراد منه دون تأويل ولا تخصيص " الشفا 2/271 . وقال أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم،إذا خرج متنبئ وادعى النبوة فمن طلب منه الحجة يكفر لأنه أنكر النصوص وكذلك لو شك فيه ".و قال الباقلاني رحمه اللَّه: " ويجب أن يعلم أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى كافة الخلق وأن شرعه لا ينْسخ بل هو ناسخ لجميع من خالفه ".

ولسائل أن يسأل هل هناك فرق بين النبي والمحدث؟ حيث إن بعض الأحاديث أخبرت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان محدثا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: " لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون فإن يك في أمتي منهم أحد فإنه عمر"، رضي اللَّه عنه. رواه البخاري.

والمحدث هو الرجل الصادق الظن الذي يلقى في روعه الشيء فيجري الصواب على لسانه، بيد أن هناك فروقًا بين المحدَّث والنبي، منها:أن النبي يوحى إليه بوحي يعلم أنه وحي من اللَّه عز وجل، ولا يحتاج للتأكد من صحة ما أوحي إليه بعرضه على وحي سابق، وكذلك النبي معصوم فيما يخبر به عن اللَّه عز وجل.

أما المحدث فرأيه يكون ظنًا لا علما، فقد كان عمر رضي الله عنه يقول: "لا يقولن أحد قضيت بما أراني اللَّه، فإن اللَّه عز وجل لم يجعل ذلك إلا لنبيه صلى الله عليه وسلم،وأما الواحد منا فرأيه يكون ظنًا ولا يكون علمًا ".
فالمحدث يعرض كلامه على الكتاب والسنة فهما الميزان لصحة ما قال، لذا فإن عمر رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم لما مات أنكر موته، فلما سمع الصديق رضي الله عنه يقرأ: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين، آل عمران: 44، عاد إلى صوابه ورجع عن قوله إلى ما سمع من كتاب الله.

وقد يرد على البعض شبهة نزول عيسى عليه السلام وهو نبي، فما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "لا نبي بعدي". والجواب: أن عيسى عليه السلام عند نزوله إنما ينزل متبعا لشريعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ويصلي صلاة المسلمين مأموما خلف إمامهم ليبين ذلك المعنى من أول وهلة.

ومن الفرق الضالة التي شذت عن الصراط المستقيم وتخبطت في ظلمات الجهل والكفر، البهائية حيث ذهب مؤسسها إلى أنه نبي يوحى إليه بعد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مستندا إلى تفسير للقرآن تفسيرًا باطنا، وزعم أيضا أن الله أوحى إليه كتاب الأقدس، وهو عبارة عن أفكار صوفية يهيم بها صاحبها في أودية الخيال، فمن خرافاته في أول الاقدس: "قد ماجت بحور الحكمة والبيان بما هاجت نسمة الرحمن اغتنموا يا أولي الألباب ". الأقدس ص169.ومن ذلك الهراء قوله: "وقد أخذهم سكر الهوى على شأن لا يرون مولى الورى ". الأقدس ص153.

وهكذا يتبين بحجة العقل والنقل أن النبوة ختمت وأن الرسالة الخالدة هي رسالة الاسلام حيث العقل مناط التكليف، ومرآة التنزيل الحكيم، ولو كان لدى العلمانيين عقل كما يزعمون لقالوا آمنا به كل من عند ربنا. ولردُّوا على مقولة أدونيس و أمثاله بالقول، سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم.

_______________
* كاتب عربي مقيم في منطقة البلقان.

article3 [1]
الملخص الاول:
لم يكن يخطر بالبال أن يتهجم الشاعر أدونيس على الإسلام في دار يفترض أنها "دار إسلام" (الإمارات العربية المتحدة) دون أن يكون هناك موقف يرقى لمستوى التجني واللاعقل في مداخلة أدونيس

رابط المادة: http://www.almoslim.net/node/84246