نشر في موقع المسلم (http://www.almoslim.net)
المؤسسات الإسلامية وحقوق العاملين فيها 2
تم الإنشاء 25/03/2006 - 06:19

استعرضنا في الحلقة الأولى تعريف المؤسسات الإسلامية، وأوضحنا مكانة وأهمية هذه المؤسسات في عالم اليوم، وخلصنا إلى أهمية العنصر البشري في المؤسسات الإسلامية، وإلى مفهوم (الوسع) الذي نظمه الشرع الحنيف.
ونتابع اليوم الحديث عن حقوق العاملين في هذه المؤسسات.

المؤسسة الإسلامية، وكل عمل، صَغُرَ أو كَبُر، ينبغي أن تتواءم أهدافه مع أهداف الإسلام ومراميه؛ فإنه يحتاج إلى عاملِين يؤمنون بأهداف الإسلام ابتداءً ليكونوا صالحين للقيام بعمل يجعل الأعمال والمعاملات تتوافق وتشريعات الإسلام؛ وهذا يستدعي من صاحب العمل أو المخوَّل بإدارته أو المكلف بذلك، أن يكون حريصاً على تخيُّر العاملين معه ممن يتوسم فيهم أداء ذلك على وجهه الشرعي الذي يشمل اقتناع العامل بضرورة هذا النوع من النشاط وحاجة الأمة له؛ إضافة للاختصاص أو الخبرة والتجربة في مجال ما سيقوم به من عمل للمؤسسة، والاستعداد الجسدي والنفسي لأداء ما يكلف به من عمل.

ولا بد لكل عامل في المؤسسة من التوقيع على عقد العمل الذي يقدمه له صاحب العمل، ولا بد للعقد أن يكون واضحاً في بيان الحقوق والواجبات التي تربط بين العامل والمؤسسة ليعرف كلٌّ من صاحب العمل والعامل ما له وما عليه؛ ولأن ذلك سيحدد العلاقة بينهما، وهذا يستدعي شرح بنود العقد وبيان ما يحتاج من بنوده وجُمَله ومفرداته للبيان، والإجابة عن كل سؤال يوجهه طرف منهما للآخر، وألاَّ يُستغل جهل العامل بما له وما عليه مما لم تشر إليه بنود العقد؛ فالعقد شريعة المتعاقدين ما لم يكن إثماً.

العناية بالعامل:
العامل في المؤسسة مكلَّف بأداء مهمة مقابل أجر يخضع لاعتبارات عديدة تحقق للطرفين ما يصبوان إليه من مصلحة تخص كلاً منهما.
ولما كانت المؤسسة في مجملها تشكل شخصية اعتبارية؛ إلا أنها في الواقع تتشكل من أشخاص حقيقيين تنتظم العلاقة بينهم وفق مصالح مشتركة، وبمقتضى النظام الداخلي الخاص بالمؤسسة الذي يرسم الأهداف العامة التي يُتطلَّع إلى تحقيقها من خلال تضافر جهود جميع الأفراد كلٌّ حسب اختصاصه ووظيفته في المؤسسة.

وإذا كان للشخصية الاعتبارية للمؤسسة أهدافها التي ينص عليها نظامها الأساسي؛ فإن للشخصيات الحقيقية أهدافها أيضاً، والتي تنحصر بصورة عامة وأساسية في تحصيل دخل مادي يقوم بأود العامل، وهو ما يتمثل في: 1 - مسكن لائق. 2 - مأكل ملائم. 3 - كسوة مناسبة. 4 - أمور أخرى يمكن تحديدها فيما يأتي: (أ ) زواج العازب. (ب) إعالة الأسرة بكل متطلباتها. (ت) توفير قدر من المال للطوارئ. (ث) توفير قدر من المال لمستقبل الشيخوخة أو العجز عن العمل.

كل ذلك ينبغي أن لا يقل عن الحد الأدنى الذي يليق ببني آدم، وبالحد الذي يشعر فيه العامل بالطمأنينة التي تنشطه نفسياً وعقلياً وجسدياً للعمل والعطاء، وهو ما يرتد بالنفع على المؤسسة التي يشعر العامل بقيمة الانتماء إليها والعمل في أنشطتها، واعتبار نفسه جزءاً من المؤسسة، وأن المؤسسة ملكه الحريص على رقيه وتنميته.

إن أدنى ما يستحقه العامل من الأجر ينبغي ألا يقل عما يقوم بأوده وسائر شؤونه الشرعية، وهو لا يقل عما يستحقه العاجز عن العمل لأسباب صحية من مجتمعه من مسكن ومأكل وملبس ورعاية صحية له ولمن يعول.

فإذا لم تحقق المؤسسة للعامل هذه المتطلبات فإنها في الحقيقة تسيء إلى نفسها أولاً؛ بحيث لا تحوز على احترامه أو أمنياته بازدهارها، وتجعله يبحث عن مكان آخر أكثر نفعاً له وأقرب إلى تحقيق الحياة الكريمة اللائقة بمثله، والمقدرة لحاجاته.

حقوق العاملين في الإسلام:
رتب الإسلام للعاملين بجهدهم البدني أو الذهني حقوقاً لو نظرنا إليها من خلال علاقة العاملين بأرباب العمل على مدى التاريخ لوجدنا أن الإسلام سبق كل النظم السائدة في الأرض اليوم بالعناية بالعامل. ونعني بالعامل كل أنواع العاملين المتعاقدين لأداء عمل لغيرهم لقاء أجر بصرف النظر عن التسمية وطبيعة العمل مثل طبيب ومهندس ومدرس وفلاح وحارس وخادم، وغير ذلك.

ومن أجلى وأوضح ما ورد في هذا الخصوص قول النبي _صلى الله عليه وسلم_: "من وَلِيَ لنا عملاً وليس له منزل فليتخذ منزلاً، وليست له زوجة فليتخذ زوجة، وليست له راحلة فليتخذ راحلة، ومن أصاب شيئاً غير ذلك فهو غالٌّ"(1). وهو نص صريح على حقوق العاملين في الإسلام.

قد يقول قائل: هذا يتعلق بالعاملين في مؤسسات الدولة. ونقول: نعم! ولكن لا يعني أنه مقتصَر على الدولة دون المؤسسات الأخرى، وإنما يعني - أيضاً - فيما يعنيه أن تكون الدولة هي المثال والرائد في ذلك المسلك وأول الآخذين به؛ ليكون عملها هذا قدوة للقطاع الأهلي الخاص؛ بحيث إذا دعت إليه لم تعاتَب على مخالفته؛ فما بالنا إذا كان هذا القطاع يعلن أنه يتخذ من المنهج الإسلامي طريقاً يسير وفقه في أهدافه وتصرفاته؟ بل إن من شأن تطبيق هذا النهج في المؤسسات الأهلية خاصة والقطاع الخاص عامة إثراء هذه القطاعات بأصحاب الخبرات الذين يساهمون بشكل فعال في النهوض بها من خلال شعورهم بالانتماء إلى مؤسسات تكفل لهم العيش الكريم، وترعى شؤونهم، وتهتم بمستقبلهم ومستقبل عائلاتهم.

بل إن فئة الخَوَل - وهم الخدم - وهم من فئات العاملين في المجتمع ينبه النبي _صلى الله عليه وسلم_ إلى مكانتهم؛ ويبين أن العلاقة الأساسية بينهم وبين مستخدميهم هي الأخوة في الدين؛ حيث يقول: "إخوانكم خَوَلكم جعلهم الله تحت أيديكم؛ فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يطعم، ولْيُلبسه مما يلبس..."(2). وقد حث _صلى الله عليه وسلم_ على تعجيل إيفاء العامل أجرَه، فقال: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه". وروى البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه فقد خصمته..." وعدَّ منهم: "رجلاً استأجر أجيراً فاستوفى منه ثم لم يعطه أجره".

تثمير الحقوق التقاعدية:
في قصة الثلاثة الذين آواهم الغار في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين سقطت صخرة سدت عليهم بابه، فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم، ففرج الله عنهم(3)، وكان صالح عمل أحدهم تثمير أجر أجيره وتنمية حقوقه دون أن يكلف بذلك؛ إحساساً منه بالمسؤولية تجاه غائب لا يعلم وجهته... في هذه القصة تعليم لأصحاب الأعمال أن يكونوا حريصين على الاهتمام بمختلف شؤون عامليهم حاضراً ومستقبلاً؛ كما يؤخذ منها ضرورة تنمية حقوق العاملين التقاعدية أو التعويضية واستثمارها فيما يعود عليهم بدخل إضافي يساعدهم في شؤون حياتهم، ويُدخل الطمأنينة إلى نفوسهم؛ وفي ذلك تخفيف من الآثار المترتبة على غياب الدولة الإسلامية بمفهومها الشرعي الراقي الواسع.

وبعد: فإن على المؤسسة الإسلامية - في غياب الدولة المنشودة - القيام برعاية شؤون العاملين فيها بجميع مستوياتهم، وجعل ذلك نهجاً يحتذى من الآخرين حتى يدرك الناس أن الإسلام إذا ما عاش الناس في ظلال أحكامه قادر بحرص أبنائه على الأخذ بتوجيهاته ووضعها موضع التنفيذ على وضع الحلول المناسبة لحياة اجتماعية واقتصادية وسياسية تتسم بالطهر والتقدم والبركة.

______________
(1) أخرجه أحمد في المسند، رقم 18055، وقال الأرنؤوط: حديث صحيح. (2) أخرجه البخاري: كتاب العتق، رقم 2359. ومسلم: كتاب الأيمان، رقم 3140.
(3) إشارة إلى الحديث الذي أخرجه البخاري، كتاب الإجارة، رقم 2111. ومسلم: كتاب الذكر، رقم 4926.

article3 [1]
الملخص الاول:
العامل في المؤسسة مكلَّف بأداء مهمة مقابل أجر يخضع لاعتبارات عديدة تحقق للطرفين ما يصبوان إليه من مصلحة تخص كلاً منهما

رابط المادة: http://www.almoslim.net/node/83189