القضية الثانية: ضوابط مهمة – من وجهة نظري – في تعلم العلوم الشرعية وتعليمها عبر الوسائل الإلكترونية:
تطوير استعمال الوسائل الحديثة(1) في تعليم العلوم الشرعية وتعلمها، يعتمد على:
- استيعاب الباحثين – وخصوصاً المتخصصين في العلوم الشرعية والتربوية - للتطور التقني في مجال الوسائل الإلكترونية الحديثة.
- مواجهة المشكلات التي تنبع من استعمالها في مجال التعليم الشرعي(2) ، والسعي إلى وضع حلول لها، وخصوصاً أن أمتنا في بدء الطريق لتطوير التعليم في هذا المجال(3) ، لنصل إلى تكييف تلك الوسائل لتخدم العلوم الشرعية.
- تشجيع البحوث والدراسات التي تهدف إلى التوفيق بين طبيعة العلوم الشرعية وخصائص الوسائل الإلكترونية، ووضع الضوابط التي تكفل سلامة المضمون وصحة المنهج. وفي هذا فوائد كثيرة، منها تقديم التصور الصحيح للشركات المتخصصة لإنتاج البرمجيات التي تناسب المادة الدينية والعلوم الشرعية، ومنها تقديم التصور الصحيح للمعلم في اختيار الوسيلة الإلكترونية المناسبة، وكيفية استعمالها(4).
ومن ثم فإن الباحثين والدارسين في هذا المجال عليهم معوّل كبير لدراسة هذه الوسائل الإلكترونية الحديثة، وتقديم البحوث النافعة للأمة في مجال تطبيقها في تعليم العلوم الشرعية، سواء في المراحل المدرسية أو في المرحلة الجامعية أو في التعلم عن بعد.
وسوف أشير هنا إلى أمثلة لبعض الضوابط العامة المهمة – في رأيي - والتي ينبغي لنا مراعاتها في تعليم العلوم الشرعية وتعلمها عبر الوسائل الإلكترونية:
أولاً: ضوابط تتعلق بطالب العلم الذي يبحث عن تعلم العلوم الشرعية عبر الوسائل الإلكترونية:
ومن أهم هذه الضوابط: تحري مصادر العلم الشرعي الموثوقة:
فالعلوم الشرعية يُشترط في نقلها عدالة الناقلين، مع اختصاص رواية الحديث الشريف بشروط خاصة معروفة، فلا يؤخذ العلم الشرعي عن كافر أو مبتدع أو فاسق أو مجهول الحال، سواء في مجال رواية الحديث والقراءات، أو في مجال الفقه وما يشبهه من العلوم الشرعية، أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ابن سيرين قال: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فيـُنظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، ويُنظر إلى أهل البدعة فلا يؤخذ حديثهم"(5) . وقال الطيبي: "المأخوذ عنه العدول الثقات المتقون"(6).
أما العلوم الطبيعية، كالطب والهندسة والكيمياء واللغات وغيرها من العلوم الطبيعية، فمجال التعلم فيها من غير المسلم - إذا كان ثقة في مجاله مأموناً - مجال واسع مفتوح، وقد جعل الرسول _صلى الله عليه وسلم_ فداء الأسرى من الكفار أن يعلّم الواحد منهم عشرة من أبناء المسلمين الكتابة والقراءة.
ومن ثم لا يصح - في تعلّم العلوم الشرعية - الاعتماد على وسائط إلكترونية تعليمية تضعها شركات غير مسلمة إلا إذا كان دورها قاصراً على الجانب التقني أو الفني.
ولا يصح السعي لزيادة الثقافة الفقهية والعلوم الشرعية من مواقع ذات توجهات غير صحيحة أو تعصبية أو تابعة لمذاهب مبتدعة وتيارات ضالة، وهي كثيرة كمواقع الشيعة، ومواقع الصوفية، وغيرها.
ولا يصح كذلك التوجه نحو الجامعات والمعاهد التي تنشئها جهات غير مسلمة أو مجهولة الحال لتعلم العلوم الشرعية وأخذ الدرجات العلمية منها؛ لأنها لا يتوافر فيها شرط العدالة، ومن حيث الواقع يغلب على تلك الجهات محاربة الإسلام بصورة أو بأخرى؛ كأن يكون هدفها نشر مفهومات منحرفة عن الإسلام تخدم سياساتها، أو تخريج أجيال ذات فكر مضلل، تساعد تلك الجهات أو الدول غير المسلمة في محاربة الإسلام الصحيح.
ولا يصح التلقي عبر الشبكة العالمية الإنترنت من جامعات ومعاهد إلكترونية من أشخاص لا يُعرف حالهم، أو دراسة العلوم الشرعية من مناهج غير موثقة من جهة إسلامية معتمدة معروفة لدى المسلمين.
ولا يصح أن يتجه طالب العلم المبتدئ إلى بحار الشبكة العالمية الإنترنت يجوب بين الغث والسمين قبل أن تتكون لديه ملكة التمييز الشرعي، ويكون لديه منهج واضح يؤهله للاطلاع على التيارات والأفكار والفرق الأخرى.
ولا يصح أن يجمع المبتدئ من شبكة الإنترنت كل ما يراه من كتب إلكترونية شرعية ومواد وبحوث، ويعتمد عليها إلا بعد أن يطمئن إلى مصدرها، ثم يتأكد أهي نسخ معتمدة مدققة يوثق بها، أم من جمع الهواة وغيرهم، فإذا كان مجال النشر الورقي، من كتب ورسائل، يقع فيه كثير من التجاوزات العلمية والأخطاء، وتنتشر فيه الطبعات التجارية غير المحققة ولا المدققة، وهو مجال لا يتيسر لكل أحد الخوض فيه لتكاليفه المالية وغيره، فما ظنكم بالنشر الإلكتروني الذي يستطيع من خلاله كل من تروق له فكرة أن ينشرها صحيحة كانت أم باطلة!
ومجال النشر الإلكتروني سهل إلى الدرجة التي صار الأمر فيها بلا ضابط ولا رابط، فكل من أراد نشر شيء وضعه في صورة كتاب ونشره عبر الشبكة، وطالب العلم الناشئ إذا لم يكن على منهج سليم في تلقي العلم الشرعي أو لم يكن له شيخ يوجهه، أو معلم ناصح يرشده؛ فقد يخبط خبط عشواء بين مواقع لا تلتزم بالمنهج العلمي الصحيح، أو تخلط الحق بالباطل، ومثال ذلك مواقع خاصة بعلامات الساعة، لا يُعرف من هم أصحاب كثير منها، ولا تتبع منهجاً صحيحاً، وتدمج الآراء الشخصية بالعبارات العلمية، والخرافات بالأحاديث، وتنزل النصوص تنزيلاً مباشراً على الأحداث دون علم ولا دليل.
وهنا تبرز أهمية أن يكون للجهات الشرعية الموثوقة، والعلماء الأعلام، والدعاة الثقات، مواقع على شبكة الإنترنت يسهل رجوع طلاب العلم والباحثين إليها.
ثانياً: ضوابط تتعلق بالجهات التي تعتمد على الوسائل الإلكترونية والتعليم الإلكتروني:
1 - ألا تكون هناك مبالغة في استعمال الوسيلة على حساب الملكات المطلوب تنميتها في طالب العلوم الشرعية:
إذ لا ينبغي لنا الاندفاع في استعمال الوسائل الإلكترونية بضغط مواكبة التقدم الغربي دون حساب لخطوات هذا الاستعمال ودراسة لمتطلبات تطبيقه، يقول الدكتور نبيل علي: (يحتاج استخدام الكمبيوتر في مجال التعليم إلى عملية تجديد شاملة تتضمن تأهيل المدرسين، وإعداد المناهج، واستحداث المنهجيات والأساليب، وتطوير الإدارة المدرسية. إن إدخال الكمبيوتر للمدارس دون توفر الحد الأدنى من البيئة التحتية اللازمة، ودون أن تسبقه عمليات التجريب والتحليل الدقيق يعد مجازفة حقيقية...)(7).
يحتاج المتخصص في العلوم الشرعية إلى عدد من الملكات والمهارات؛ حتى يكون مؤهلاً وجديراً بتخصصه، ومن هذه الملكات على سبيل المثال: ملكة الحفظ ، والتصور الذهني المجرد، والقدرة على البحث، والحوار والمناقشة، ويحتاج إلى تعود الصبر على القراءة، والصبر على الكتابة بالقلم، وتعود البحث في الكتب الورقية والمكتبات.
وكثيراً ما يؤخذ على التعليم التقليدي القديم أنه لا ينمي مثل تلك الملكات؛ لأنه يعتمد على التلقين وسلبية موقف المتعلم، وهذا المأخذ قد يقع في الوسائل الإلكترونية الحديثة، حيث سيتحول دور المتعلم عند التركيز عليها والإكثار من استعمالها في الموقف التعليمي إلى دور سلبي يعتمد على التلقي فقط، ولا تتوافر له الفرصة لتنمية الملكات المذكورة أو غيرها.
وهنا لا بد من التنبه إلى أن استعمال الحاسوب، بما له من قوة جذب وتأثير، وتطبيقاته المتنوعة والتمرس عليها؛ يُكسب مهارات متعلقة بالحاسوب نفسه، ولكنه في الوقت نفسه ليس لزاماً أن يُكسب المتعلم مهارات عقلية وفكرية، إلا إذا كانت المهارات العقلية والفكرية مدرجة في البرنامج التعليمي المعروض عبر الحاسوب، بحيث يتخطى الموقفُ التعليمي تأثير دور الحاسوب، ويركز على المهارات العقلية والفكرية فعلاً.
وكما هو معروف في علم النفس البيولوجي أن الذاكرة نوعان؛ ذاكرة للمعلومات مثل معلومات التلاوة، وذاكرة للإجراءات مثل كيفية تحريك جهاز النطق كاللسان لتطبيق أحكام التلاوة، فإذا تدرب الطالب مثلاً على التعامل مع الحاسوب، واستطاع بمهارة أن يتجاوب مع وسيلة التعليم المستعملة في الحاسوب، فهذا لا يعني أنه اكتسب مهارة تطبيق أحكام التجويد في تلاوته، مثله مثل التعليم النظري تماماً، إلا إذا كان التطبيق هدفاً في تعليم المادة، ووُظفت الوسيلة توظيفاً هادفاً يحدد دورها في خدمة الأهداف التعليمية.
ومن الملكات المهمة المطلوب تنميتها في المتخصص في العلوم الشرعية: قدرة التصور الذهني المجرد دون استعمال وسائل مساعدة، والتركيز على الوسائل الإلكترونية التي تعتمد على المؤثرات الصوتية والمرئية؛ قد يؤدي إلى ضمور هذه الملكة، يقول الدكتور نبيل علي: "يسيء البعض لدينا فهم ما يتردد عن ثقافة الصورة على أساس أنها تعني عدم حاجتنا إلى التعامل مع النصوص، وهو مفهوم خاطئ، فما زالت النصوص وستظل أداة فعالة للمعرفة الجادة خاصة في مجال العلوم الإنسانية التي يسودها طابع السرد. إن النصوص ما زالت هي الوسيلة الفعالة لتناول الأفكار المجردة، إلى الحد الذي جعل البعض يردد الشعار المعكوس: الكلمة خير من ألف صورة"(8).
ومن الملكات التي تنبغي تنميتها في طالب العلم الحفظ، فهو يحتاج إلى قدر غير قليل من المحفوظات الشرعية من نصوص القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، وأقوال الصحابة والتابعين، وأقوال العلماء ومذاهبهم، وغير ذلك مما هو معروف، ولا يتصور أن يعتمد المتخصص على الحاسوب المحمول لاسترجاع مثل هذا القدر من الأساسيات المهمة في تكوين شخصيته العلمية، قال الإمام الشافعي:
| علمي معي حيثما يممت ينفعني | قلبي وعاء له لا بطن صندوق | |
| إن كنت في البيت كان العلم فيه معي | أو كنت في السوق كان العلم في السوق |