نشر في موقع المسلم (http://www.almoslim.net)
المحنة المنحة-2
تم الإنشاء 12/12/2004 - 10:25

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد: فمازلنا في وقفاتنا مع سورة يوسف _عليه السلام_، ونقف اليوم مع الأمر الجائر بالسجن، والصادر من إمرأة العزيز ابتداء، قال الله _تعالى_: "ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ" (يوسف:35)، وهنا يرد سؤال: لماذا سجنوه بعد ظهور براءته؟ ألم يرو الآيات؟! ألم يشهد شاهد من أهلها؟ بلى ولكنه سجن لأمور كلها باطلة، ومنها:

أولاً: من هذه الأسباب قوة سيطرة النساء وقوة مكرهن وتأثيرهن على الرجال، وخاصة على من يملك القرار؛ فالمرأة هنا هي التي أصدرت القرار، وما كان من زوجها وهو عزيز مصر إلا أن ينفذ، ولك أن تتساءل من هو العزيز هنا؟ ومن هو الرئيس؟
الزوج أصبح أمام المرأة كالجندي يُصدَر إليه الأمر فينفذ!

وسبب آخر ذكره بعض المفسرين، وهو أنّه سجن من أجل انقطاع الخبر، قالوا: لعل سجنه يقطع الخبر وينهي القضية، ولا شك أن هذا أسلوب خاطئ في التعامل مع مثل هذه الأحداث، وهو ضرب من الطغيان والاستكبار، يؤكد هذا قوله _تعالى_: " لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ"، والحين هو الوقت المطلق وغير المقيد بزمن، قال بعض المفسرين: إذا أعوز السجان الدليل على تهمة المسجون سجنه سجناً مطلقاً يخضع لإرادته وهواه؛ أما إن كانت هناك تهمة حقيقية أو جريمة فعلية فسوف يُحال المتهم إلى المحاكمة وتفرض له عقوبة مقدرة، ولكن عندما لا تكن هنالك تهمة حقيقية يسجن بها هذا المتهم ولا يستطيع أن يثبتها أمام المحاكم وأمام القضاة يعتقل المظلوم اعتقالاً تحفظياً بغير توجيه تهمة ويطول أمد سجنه بغير قيد غير هوى السجان واستكباره وطغيانه.
وهكذا يفعل الذين لا يخافون الله _جل وعلا_ في كل عصر وفي كل مصر وفي كل حين.

وانظروا إلى سجن عدد من الدعاة والمصلحين على مر التاريخ ابتداءً من سجن يوسف _عليه السلام_ ومَن بعده يُسجن أحدهم سجناً مطلقاً لا يُحال فيه إلى محكمة ولا ينظر في قضيته قاض، اللهم إلاّ إن لفقت لائحة اتهام تدينه، فهنا يحال إلى القضاء لينال الجزاء على الجرم الملفق.

ولا يعد أسلوب التلفيق هذا تطويراً في أسلوب الحبس التعسفي الذي علمته امرأة العزيز ظلمة أهل العصر، بل هو أسلوب قديم مورس من قبل امرأة العزيز، وحكى الله _عز وجل_ ذلك في قصة يوسف على لسان إخوته، فقال الله _تعالى_: "إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ" (يوسف: من الآية77).

لقد لفقت تهمة السرقة من قبل ليوسف _عليه السلام_ وحوكم محاكمة صورية كما هو الحال اليوم في كثير من بلاد العالم، ثم اعتقل إلى غير أجل، ومع ذلك صبر إلى أن كتب الله له الظهور والظفر.

لقد أصبح هذا السجن الذي ذكره الله _جل وعلا_ في سورة يوسف، مدرسة تؤخذ منها الأحكام والدروس والعبر، وسأتناول في موضوع السجن الوقفات التالية:

أولاً: إن السجن محنة وبلاء فلا يتمناه أحد، فالسجن بلاء ومحنة ولكن الله _جل وعلا_ قد يجعله منحة لمن صدق معه فلا يرى فيه المسجون غضاضة، بل يراه خير مما دعي له، كما قال يوسف _عليه السلام_: "رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ" (يوسف: من الآية33)، ثم تكون هذه المحنة شرفاً لصاحبه مادام سببها أمراً مشروعاً شريفاً، فإذا سُجن الإنسان بسبب الدعوة أو الأمر بالمعروف أو بسبب ثباته على مبدئه وعقيدته وعرضه فهو شرف له وهو عِزّ.
ومن أبيات الحكمة السائرة قول الأول:


يهون علينا أن تصاب جسومنا
وتسلم أعراض لنا وعقول

فكيف إذا كان السجن لأجل سلامة الدين.

وبالمقابل هنا رسالة أرجو أن يدركها وأن يعيها من أخاطبه، إن من أشد الناس حزناً أولئك الذين يذهبون في غير مذهبهم، ويضيعون في غير قضيتهم، فلا تسأل عما يعانيه المسجون إذا سُجن بسبب لم يكن مقتنعاً به!

ولست أعني بذلك أولئك الذين يسجنون بسبب بعض المعاصي والآثام والجرائم فهذه أمرها واضح، وإنما أتحدث عن بعض الطيبين الذين قد يرتكبون أعمالاً لم يحرروها شرعاً فيتعجلون في اقتراف هذه الأعمال فإذا دخلوا السجن وخلوا بأنفسهم بدؤوا يلومونها، وبدؤوا يراجعون مواقفهم، وبدأت المحاكمة العسيرة الحقيقية، وهذه أشد على المسجون من السجن نفسه.

بخلاف الذي يسجن وهو مطمئن على صحة موقفه، وسلامة جانبه، فهو يحتسب كل ثانية أجراً، فيجد فنفسه داخل السجن قوة وثباتاً وسعادة لا يجدها في حياته أبداً.

وقد سمعت بأذني أكثر من واحد يُقسم بالله، وقد سُجن سنوات أنه يعيش لحظات من أسعد لحظات حياته أيام هذا السجن .

بل سمعت أحدَ كبار الدعاة الذي ثبت في السجن سنوات طويلة أكثر من ثمان سنوات سمعته بعد صلاة الفجر وهو في سجنه يقول: والله لا أتصور أنه يوجد على ظهر الأرض مَن هو أسعد مني! مع أنه في سجن، بعيداً عن أولاده عدة سنوات.. لماذا؟

بل سمعتُه بعد أن خرج من السجن بساعة أو بأقل من ساعة يقسم بالله، وقد بات في السجن أكثر من ثلاثة آلاف ليلة أنه ما بات ليلة واحدة وهو حزين! فما السر في ذلك؟
الجواب باختصار: إنه الاطمئنان على قوة موقفه، وشرف مقصده، وسلامة جانبه، وعليه:

فذلك في ذات الإله وإن يشأ
يبارك على أوصال شلو ممزع

على النقيض تماماً من أولئك المتعجلين المتسرعين الذين لا يفكرون في صنائعهم ولا يقفون مع أنفسهم إلاّ في حبس انفرادي.

ولهذا أقول: علينا أن نحرر مواقفنا قبل أن نقدم عليها، وبخاصة كلما عظم الخطب، فإن بقيت وسلمت فالحمد لله، وإن ابتليت فاطمئن "يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ" (إبراهيم:27) "إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ" (غافر:51، 52).

نسأل الله أن يلهمنا رشدنا، وأن يرزقنا السداد في القول والعمل، يا حي ياقيوم برحمتك نستغيث أصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا لأنفسنا طرفة عين، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

article4 [1]
الملخص الاول:
يعتقل المظلوم اعتقالاً تحفظياً بغير توجيه تهمة ويطول أمد سجنه بغير قيد غير هوى السجان واستكباره وطغيانه، وهكذا يفعل الذين لا يخافون الله _جل وعلا_ في كل عصر وفي كل مصر
الملخص الثاني:
هنا رسالة أرجو أن يدركها وأن يعيها من أخاطبه، إن من أشد الناس حزناً أولئك الذين يذهبون في غير مذهبهم

رابط المادة: http://www.almoslim.net/node/82456