الضرورة إذا اقتضت اختلاطاً:
تقرر أن الاختلاط محرم "ولا يدخل في ذلك ما تدعو إليه الضرورة وتشتد الحاجة إليه ويكون في مواضع العبادة كما يقع في الحرم المكي والحرم المدني نسأل الله تعالى أن يهدي ضال المسلمين، وأن يزيد المهتدي منهم هدى، وأن يوفق ولاتهم لفعل الخيرات وترك المنكرات، والأخذ على أيدي السفهاء، إنه سميع قريب مجيب"(176).
فمن المقرر أن الضرورات تبيح المحظورات، بَيْدَ أن الضرورة تقدر بقدرها، فيتقي المرءُ ربَّه ويتحرز عما نهاه عنه ما استطاع.
فإذا اقتضت الضرورة اختلاطاً، كما في الحج –على سبيل المثال- فإن الحج ركن من أركان الإسلام وهو فعل مأمور مقدم على ترك المحظور، فإن اشتد الزحام ولم يمكن تجنبه كالحال في هذه الأزمنة، فتؤدي المرأة فرضها، متقيدة بضوابط الشرع، حريصة على محرمها، ثم تتحرز ما استطاعت، والله غفور رحيم.
ومثل الحج سائر الضرورات التي تبيح المحظورات، فينبغي أن تقدر بقدرها، ولايتعدى قدر الاضطرار فيها، وهذا يقدره ويقرره أهل العلم والشأن فهم أعلم بضابط الضروريات وأجدر بعرض الوقائع على الأحاديث والآيات، فإن وجدت ضرورة لاتكون إلاّ مع الاختلاط فكشأن سائر المحظورات تباح بقدر الحاجة، وبعد انتهائها يعود كل حكم إلى أصله.
افتعال الضرورة!
الضرورة حالة ملجئة لفعل، والإلجاء لايعتبر باختيار الشخص وفعله بغير إكراه، فلايجوز بحال أن تفتعل نازلة أوتصنع بيئة لاختلاط الرجال بالنساء أو لاتراعي الفصل بينهم، ثم يُقال بجواز الاختلاط فيها للضرورة، فمثل ذلك افتئات على الشرع لايقر فاعلوه وإن عذر بعض من واقعه باضطراره، والذي ينبغي هو أن يقوم أساس البنيان وفق ضوابط الشريعة، فإذا وقع محظور لضرورة بعد التحرز ساغ الاعتذار بالضرورة، إن كان الضرر المترتب على تركه أعلى، على أن تقدر الضرورة بقدرها.
وإلاّ لكان المفتعل للضرورة المعتذر بها كمن قطع يدي مسلم ورجليه ثم أذهب سمعه وبصره وقال هذا تحل له الزكاة! إذ ليس له عائل.
أو كالذي صبر إنساناً عن الطعام والشراب فلما أشرف على الهلكة قدم له لحم خنزير أو ميتة وقال: كله اضطرار!
أما إذا اضطر مضطر لحاجة عند من لم يراع ضوابط الشرع فيما أنشأ فالمضطر معذور والمفرط موزور وإلى الله ترجع الأمور والله عليم بذات الصدور.
طرف من كلام أهل العلم في المنع من الاختلاط:
لقد راعى علماؤنا رحمهم الله أصل المنع من اختلاط الرجال بالنساء في كثير من الأحكام، وعللوا به، ولعله سبق ذكر طرف من ذلك، وليس الغرض هنا تقرير أعيان المسائل التي ربما عللوا بالاختلاط منعها، ولا الكلام على ما قيل فيها بنفي ولا إثبات، فربما خالف مخالف فيها، وإنما الغرض بيان ما اتفق عليه العلماء من المنع بالاختلاط وتعليلهم به الكثير من الأحكام، مع نصهم على المنع منه(177).
ومن ذلك ما نقله ابن القيم رحمه الله: " ولي الأمر يجب عليه أن يمنع اختلاط الرجال بالنساء في الأسواق والفرج ومجامع الرجال. قال مالكٌ رحمه الله ورضي عنه: أرى للإمام أن يتقدم إلى الصُيَّاغ في قُعود النساء إليهم وأرى ألا يَترُك المرأة الشابة تجلس إلى الصُّيَّاغ فأمَّا المرأة المتجالَّة(178) والخادم الدُّونُ التي لا تتهم على القُعود ولا يتُهم من تقعد عنده: فإني لا أرى بذلك بأساً. انتهى(179) ، فالإمام مسئولٌ عن ذلك والفتنة به عظيمة قال صلى الله عليه وسلم : "ما تركت بعدي فتنةً أضرَّ على الرجال من النساء" ... ويجب عليه منع النساء من الخروج متزيِّناتٍ مُتجمِّلاتٍ ومنعهنَّ من الثياب التي يكنَّ بها كاسياتٍ عاريَّاتٍ كالثياب الواسعة والرِّقَاقِ ومنعهنَّ من حديث الرجال في الطرقات ومنع الرجال من ذلك."(180) ، ثم قال رحمه الله مشيراً إلى ما يناسب واقعهم: "وإن رأى وليُّ الأمر أن يُفسِد على المرأة -إذا تجمَّلت وتزيَّنت وخرجت- ثيابهَا بحبرٍ ونحوه فقد رخَّصَ في ذلك بعض الفقهاء وأصاب وهذا من أدنى عقوبتهنَّ الماليَّة. وله أن يحبس المرأة إذا أكثرت الخروج من منزلها ولا سيَّما إذا خرجت متجمِّلةً بل إقرار النساء على ذلك إعانةٌ لهنَّ على الإثم والمعصية والله سائل وليَّ الأمرِ عن ذلِك. وقد منع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه النساء من المشي في طريق الرجال والاختلاط بهم في الطريق. فعلى ولي الأمر أن يقتدي به في ذلك ..".
إلى أن قال: "ولا ريب أنّ تمكين النساء من اختلاطهنَّ بالرجال: أصل كل بليَّةٍ وشرٍّ وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامَّة كما أنَّه من أسباب فساد أُمورِ العامة والخاصة واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة. ولما اختلط البغايا بعسكر موسى وفشت فيهم الفاحشة: أرْسَلَ الله إليهم الطاعون فمات في يوم واحدٍ سبعون ألفا والقصة مشهورة في كتب التفاسير. فمن أعظم أسباب الموت العام: كثرة الزنا بسبب تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال والمشي بينهم متبرِّجاتٍ متجملات ولو علم أولياء الأمر ما في ذلك من فساد الدنيا والرعية -قبل الدين- لكانوا أشد شيء منعا لذلك".
وقال الماوردي رحمه الله يعرف الدَيُّوث: "هو الذي يجمع بين الرجال والنساء، سمي بذلك لأنه يدث بينهم"(181).
وقد منع علماؤنا بعلة الاختلاط شهود بعض الواجبات، قال النفراوي في من دُعي إلى وليمة عرس: " المتبادر من الأمر الوجوب.. قال خليلٌ: تجب إجابة من عيَّنَ وإن صائماً ..." قال: "ثم شرع في بيان ما يُسقِط الإجابة بقوله: "إن لم يكن هناك" أي في محل الوليمة "لهو مشهور" أي ظاهر بحيث يُخالطه المدعو وهو ممَّا يَحرُمُ حُضُوره وفسره بقوله: "ولا منكرٌ بيِّنٌ" أي مشهور ظاهر كاختلاط الرجال بالنساء أو الجلوس على الفرش الكائنة من الحرير أو الاتكاء على وسائد مصنوعة منه.."(182).
وقد نقل أئمة المالكية؛ كابن فرحون، وابن زيد البرناسي، وأحمد القرافي، أنه لايختلف في المذهب في عدم قبول شهادة من يحضرون الأعراس التي يمتزج فيها الرجال بالنساء، وما شابه ذلك، وقالوا: لأن بحضورهم في هذه المواضع تسقط عدالتهم(183).
وقال ابن العربي في أحكام القرآن معلقاً على قول الحسن: "كان النساء يسلمن على الرجال، ولايسلم الرجال على النساء"، قال:"وهذا صحيح فإنها خلطة وتعرض، إلاّ أن تكون امرأة متجالة؛ إذ الخلطة لاتكون بين الرجال والنساء، وهذا هو المقصود والمنتهى"(184).
وذكروا أن من آداب القضاء إفراد وقت أو يوم للنساء، قال المواق معلقاً على قول خليل: "وينبغي أن يفرد وقتاً أو يوماً للنساء"، قال: "أشهب: إن رأى أن يبدأ بالنساء فذلك له على اجتهاده، ولايقدم الرجال والنساء مختلطين، وإن رأى أن يجعل للنساء يوماً معلوماً أو يومين فعل"(185).
ثم نقل عن ابن الحكم قوله: "أحب إلي أن يفرد للنساء يوماً، ويفرق بين الرجال والنساء في المجالس"(186).
وعن المازري: "إن كان الحكم بين رجل وامرأة أبعد عن المرأة.."(187).
وذهب متأخروا الحنفية للقول بكراهة الصلاة في المسجد للمرأة شابة أو عجوزاً، وكذلك حضور مجالس الوعظ، قال في الكافي: "والفتوى اليوم على الكراهة في الصلاة كلها، لظهور الفساد، ومتى كره حضور المسجد كره حضور مجالس الوعظ، خصوصاً عند هؤلاء الجهال، الذين تحلوا بحلية العلماء"(188).
وقال الحموي معللاً حكمه على الزفاف: "وهو حرام في زماننا فضلا عن الكراهة لأمور لا تخفى عليك منها اختلاط النساء بالرجال"(189).
وعلل ابن عابدين رد شهادة من خرج للفرجة على قدوم أمير بقوله: "لما تشتمل عليه من منكرات، ومن اختلاط الرجال بالنساء"(190).
ومن نكت الأحناف قول بعضهم في الآفة الستون من آفات اللسان: "الإذن والإجازة فيما هو معصية، كإذن الزوج لامرأته أن تخرج من بيته إلى غير مواضع مخصوصة" ثم عدها سبعاً وقال: "وفيما عدا ذلك من زيارة الأجانب وعيادتهم والوليمة لا يأذن لها ولو أذن وخرجت كانا عاصيين"(191).
ومن اطراد الشافعية على قواعدهم منعهم من اختلاط الرجال بالنساء أمواتاً، قال في معالم القربة: "ولايدفن في قبر واحد ميتان ما أمكن، وإن اجتمع موتى في وباء جعلنا الرجلين والثلاثة في قبر واحد، وقدمنا الأفضل إلى جدار اللحد، فيقدم الأب على الابن، والابن على الأم لمكان الذكورة، ولايجمع بين الرجال والنساء، فإن دعت الضرورة جعلنا بينهما حاجزاً من تراب"(192).
ونحوه قول الرملي: "ولايجوز الجمع بين الرجال والنساء إلاّ لضرورة متأكدة"(193).
وقد ذكر الفقهاء أنه يشرع للمرأة أن تبادر بالخروج من المسجد لتسلم من مزاحمة الرجال(194) ، واستحبوا للرجال أن يمكثوا ريثما تصدر النساء ما لم يكن المأمومون رجالاً ليس فيهم نساء(195) ، وقد مضى في الكلام على شهود النساء للأعياد والصلوات بعض ما ذكره أهل العلم في خروجها للصلاة، وكيف تخرج، ومن أين تدخل، وأين تقف(196) ، ومتى تنصرف، وكل ذلك حذار الاختلاط بالرجال.
وكذلك راعوا المنع من الاختلاط في الطواف، وقد سبقت الإشارة إليه، عند ذكر مراعاة الشريعة المنع من الاختلاط في النسك.
وقال الشيخ الجليل أبوبكر الطرطوشي –رحمه الله- وقد سئل حول الاجتماع لختم القرآن: "إن كان ذلك على وجه السلامة من اللغط، ولم يكن إلاّ الرجال، أو الرجال والنساء منفردين بعضهم عن بعض يسمعون الدعاء فهذا البدعة التي كره مالك رحمه الله.." إلى أن قال: "وكل من قال بأصل الذرائع يلزمه القول بهذا الفرع، ومن أبى أصل الذرائع من العلماء، يلزمه إنكاره لما يجري فيه من اختلاط الرجال والنساء"(197).
وذكر ابن حجر الهيثمي في الفتاوى الحديثة: أن"الموالد التي تفعل عندهم في زمنه أكثرها مشتمل على شرور ، ولو لم يكن منها إلا رؤية النساء الرجال الأجانب لكفى ذلك في المنع"(198).
وقد علل بعضهم اشتراط الذكورية في القاضي أو الحاكم فقالوا: ليتمكن من مخالطة الرجال(199).
وقد تقدم ذكر شيء من كلامهم بهذا عند ذكر مراعاة عدم الاختلاط في الشرائع، كالحج والجهاد وغيرهما.
من كلام العلامة محمد بن إبراهيم:
للشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله جواب مطول عن حكم الاختلاط أفرد في رسالة سبقت الإشارة إليها فليراجع، ولعله يُكتفى هنا بنقل مواضع أخرى من كلامه في فتاواه خارج تلك الرسالة، خاصة وأن شيئاً من الرسالة فاح عبقه بين طيات البحث. وانظر كذلك فتاواه بعدها(200).
ومن كلامه قوله رحمه الله عند تلخيصه ذكر مفاسد الموالد التي عدها ابن الحاج: "3- خروج النساء إلى المقابر وارتكاب أنواع المحرمات هناك من الاختلاط وغيره"(201).
وقال رحمه الله: "وأما اختلاط النساء بالرجال وحصول المفاسد التي ذكرتها(202) ، فهذا من أكبر المنكرات التي يتعين إنكارها على الجميع"(203).
وقال: "ومن أدلة ذلك أيضاً النصوص الدالة على منع اختلاط الرجال بالنساء، لأن المرأة الموظفة لا تختص بالنساء لا بد أن تخالط الرجال بمقتضى طبيعة وظيفتها. ومن تلك النصوص قوله تعالى: }وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب{ فالأمر بكون سؤالهن من وراء حجاب دليل واضح على لزوم الحواجز وعدم الاختلاط"(204).
وقال حول ما تقدم به بعضهم ضد هيئة الأمر بالمعروف، متظلماً من سجنه، وتأديب المشتركين في حفلة زواج بضرب كل واحد منهم خمسة أسواط.
"بتأمل ما قرره قاضي الأفلاج بحق المذكورين، بناء على ما تحقق لديه من اجتماعهم مختلطين رجالاً ونساءً على ضرب الدفوف، وما ترتب عليه من وجود منكرات لا يجوز فعلها شرعاً، يعتبر إجراءً حسناً، وفي محله، ولا وجه لتشكي المذكورين، بل الذي ينبغي في ذلك على ولاة الأمر أن يكونوا عوناً لرجال الدين والحسبة في قمع أمثال هؤلاء والضرب على أيديهم بما يحفظ للدين كرامته وللشرع قداسته".
ثم ذكر –رحمه الله- "أن ضرب الدفوف إذا كان مقصوراً على النساء فقط سالماً من الأمور المحرمة فلا مانع منه، لشرعية إعلان النكاح"(205).
ومن أقواله أيضاً: "بهذه المناسبة أشرح أمراً هاماً ينبغي أن يكون العمل عليه في مستشفات المملكة، وذلك أن الرجال والنساء الذين يرتادون المستشفيات للعلاج ينبغي أن يكون لكل منهم قسم خاص في المستشفى، فقسم الرجال لا يقربه النساء بحال، ومثله قسم النساء، حتى تؤمن المفسدة، وتسير مستشفيات البلاد على وضع سليم من كل شبهة، موافق لبيئة البلاد ودينها وطبائع أهلها، وهذا الترتيب لا يكلف شيئاً ولا يوجب التزامات مالية أكثر مما كان، فإن الإدارة واحدة، والتكاليف واحدة، مع أن ذلك متعين شرعاً مهما كلف"(206).
وقال في شروط دراسة تمريض النساء: "ومنها أن يكون عمل المتخرجات في الأجنحة النسائية فقط، ولا يكلفن بالعمل في أجنحة الرجال، ومنها أن يكون التدريب العلمي في الأقسام النسائية في بُعد عن الاختلاط بالرجال"(207).
من كلام العلامة ابن باز:
قال رحمه الله: "والكتاب والسنة دلا على تحريم الاختلاط وتحريم جميع الوسائل المؤدية إليه"(208).
وقال: "لقد ذكرنا من الأدلة الشرعية والواقع الملموس ما يدل على تحريم الاختلاط واشتراك المرأة في أعمال الرجال مما فيه كفاية ومقنع لطالب الحق، ولكن نظراً إلى أن بعض الناس قد يستفيدون من كلمات رجال الغرب والشرق، أكثر مما يستفيدون من كلام الله، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وكلام علماء المسلمين، رأينا أن ننقل لهم ما يتضمن اعتراف رجال الغرب والشرق بمضار الاختلاط ومفاسده، لعلهم يقتنعون بذلك ويعلمون أن ما جاء به دينهم العظيم من منع الاختلاط هو عين الكرامة والصيانة للنساء وحمايتهن من وسائل الإضرار بهن والانتهاك لأعراضهن"(209).
ثم قال: "ولو أردنا أن نستقصي ما قاله منصفو الغرب في مضمار الاختلاط الذي هو نتيجة نزول المرأة إلى ميدان أعمال الرجال لطال بنا المقال ولكن الإشارة المفيدة تكفي عن طول العبارة"(210).
وقال معلقاً على من زعم بأن عزل الطالبات عن الطلاب مخالفة للشريعة، وأن المسلمين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤدون الصلاة في جامع واحد: "ولاشك أن هذا الكلام فيه جناية عظيمة على الشريعة الإسلامية، لأن الشريعة لم تدع إلى الاختلاط حتى تكون المطالبة بمنعه مخالفة لها، بل هي تمنعه وتشدد في ذلك"(211).
ومما قاله رحمه الله: "فمن واجب النصح والتذكير أن أنبه على أمر لاينبغي السكوت عليه، بل يجب الحذر منه، والابتعاد عنه، وهو الاختلاط الحاصل من بعض الجهلة، في بعض الأماكن والقرى مع غير المحارم، ولايرون بذلك بأساً بحجة أن هذا عادة أجدادهم، وأن نياتهم طيبة.."(212).
وقال حول الاختلاط في المدارس الابتدائية: "إن الاختلاط وسيلة لشر كثير، وفساد كبير لايجوز فعله" ثم قال: "وبكل حال فاختلاط البنين والبنات في المراحل الابتدائية منكر لايجوز فعله"(213).
وقال رحمه الله: "من المعلوم أن نزول المرأة للعمل في ميدان الرجال يؤدي إلى الاختلاط، وذلك أمر خطير جداً، له تبعاته الخطيرة، وثمراته المرة، وعواقبه الوخيمة، وهو مصادم لنصوص الشريعة التي تأمر المرأة بالقرار في بيتها، والقيام بالأعمال التي تخصها في بيتها ونحو، مما تكون فيه بعيدة عن مخالطة الرجال"... إلى أن قال: "والأدلة الصريحة الصحيحة الدالة على تحريم الخلوة بالأجنبية، وتحريم النظر إليها، وتحريم الوسائل الموصلة إلى الوقوع فيما حرم الله، أدلة كثيرة محكمة قاضية بتحريم الاختلاط المؤدي إلى ما لاتحمد عقباه"(214).
وسئل عن حفلات التوديع المختلطة، فقال: "الحفلات لاتكون بالاختلاط! بل الواجب أن تكون حفلات الرجال للرجال وحدهم، وحفلات النساء للنساء وحدهن، أما الاختلاط فهو منكر، ومن عمل أهل الجاهلية نعوذ بالله من ذلك"(215).
وللشيخ رحمه الله رسائل وفتاوى متعددة في المسألة غير ما أشير إليه(216).
وما سبق نزر يسير، وطرف من كثير، ولعل فيه كفاية، ولعله قد تبين من خلال العرض الآنف أن المنع من اختلاط الرجال بالنساء، ليس من مفردات الحنابلة! فهؤلاء علماء الإسلام بشتى مذاهبهم، وبمختلف أعصارهم وأمصارهم يقولون به. فليست الدعوة إلى ترك الاختلاط إذاً، دعوة إقليمية، ولامذهبية، بل هي إسلامية إسلامية.
بعض شبه من اختلط عليه الاختلاط:
إن الشبه التي يتمسك بها بعضهم لاتخرج عن كونها اختلاط مع التحرز لضرورة أو حاجة ملحة، أو ليس فيها مستمسك أصلاً، بل بعضها أدلة هي عند العقلاء حجة على موردها.
ولو أمعن القارئ الكريم النظر في الشبه التي يسوغ بها البعض أضرباً من الاختلاط، لوجد أن الإشكال يكمن في التمسك بأمور مجملة، حُملت على معنى فاسد، ساق إليه ارتباط الذهن بواقع الناس اليوم، والواجب حمل المجمل على وجه صحيح دل عليه الشرع، ما أمكن ذلك. وبخاصة إذا جاء المجمل من صاحب الشريعة، أو من الجيل الذي عرف بالتزامه للشريعة.
ومن هذا القبيل ما يُستدل به على جواز الاختلاط من نحو شهود المسلمات في العصر الأول للجمع والجماعات والأعياد، وكذلك حجهن واعتمارهن وجهادهن، ونحو ذلك مما سبق بيان وجهه الشرعي، بعيداً عن واقع الناس اليوم.
غير أن هناك نصوصاً أخرى أشكلت على البعض، ولعله يتم التعرض لبعضها فيما يلي:
الاستدلال بقصة يوسف عليه السلام:
من شبه من أشكل عليه الاختلاط، ما يستدل به بعضهم، من دخول نبي الله يوسف على النسوة، قال الله: }فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكيناً وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن{ الآية، ومن تأمل هذه الآية وما جاء قبلها وبعدها جزم بأنه لايصح الاستدلال بها على جواز الاختلاط، بل الآيات حجة عند النظر والتأمل لمن منع من الدخول على النساء ومخالطتهن:
فيوسف عليه السلام اشتراه عزيز مصر، وكان في بيته وكان خروجه بأمر ربة البيت فكان الخروج في حقه لضرورة أو حاجة، خاصة وأنه لايعلم لماذا دُعي، فغاية ما في القصة الاستدلال بفعل النسوة أو امرأة العزيز، وهذا استدلال بفعل من كان على الشرك، ومع ذلك فإن الآيات في سياق القصة وما تبعها من فتنة حصلت للنساء بل ولامرأة العزيز من قبل دليل على حرمة الاختلاط، فمن حلل الاختلاط بقصة يوسف لم يفقه ما استدل به عليه من سورة يوسف، ولو فقهه لحرم الاختلاط به، فانظر إلى الفتنة التي حصلت إثر الدخول على النساء ولئن عصم الله يوسف عليه السلام فأراه برهان ربه لكونه من المخلصين، فمن الذي يضمن هداية من تقحم الفتن وعرض نفسه لها؟ فـ"إياكم والدخول على النساء"، كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم(217).
الاستدلال بنبأ موسى مع المرأتين:
ومن عجيب ما يتمسكون به كذلك نبأ موسى –عليه السلام- مع بنتي صاحب مدين، وليس فيه حجة على جواز الاختلاط بل هو دليل آخر على المنع، فموسى لما رأى أُمّة من الناس يسقون، ووجد من دونهم امرأتين تذودان غنمهما عن السقيا مع القوم، منعزلتان لاتسقيان مع الناس، لم يرضه موقفهما واستغربه ولهذا سألهما بعبارة مختصرة: ما خطبكما؟ فكان الجواب بأوجز عبارة وبقدر الحاجة: }لانسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير{.
والأسئلة التي ينبغي أن تطرح هنا لماذا هذا الاقتضاب؟ مع أنه عند أبيهما قص القصص! ولماذا لم تسقيا؟ ولماذا ذادتا غنمهما؟ وعن ماذا ذادتا الغنم؟ أليس عن الاختلاط بغنم القوم؟ ثم أليس الأولى لهما أن تعجلا؟ جواب ذلك في القول باستقرار المنع من الاختلاط عندهما ولهذا قالتا: }لا نسقي حتى يصدر الرعاء{، وقد ذكر بعض المشايخ المعاصرين أربعة عشر وجهاً في القصة انتزع منها الدلالة على منع الاختلاط. وآخر ذكر تسعة عشر مظهراً من مظاهر العفة في القصة.
الاستدلال بأخبار سمراء والشفاء رضي الله عنهما:
ومما أشكل على بعضهم خبر مفاده تولية النبي صلى الله عليه وسلم سمراء بنت نهيك أمر السوق، وحديث سمراء بنت نهيك الذي أخرجه الطبراني في الكبير، صححه بعض أهل العلم(218) ، وفيه أن يحيى بن أبي سليم قال: "رأيت سمراء بنت نهيك -وكانت قد أدركت النبي صلى الله عليه وسلم- عليها درع غليظ وخمار غليظ بيدها سوط تؤدب الناس وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر"(219) ، وهو كما ترى ليس فيه ذكر لولاية بل ولاسوق!
ثم إن الاحتمالات ترد على معناه وغاية ما فيه أنه –ابن أبي سليم- رأى سمراء تأمر وتنهى، ولم يقل أنها اتخذت ذلك عملاً أو وليته منصباً، فربما كانت خارجة لبعض حاجتها فرأت المنكرات فأنكرتها، وهذا دأب عباد الله الصالحين، ولعل مما يجعل هذا الاحتمال وجيهاً هو عدم نقل غيره له ولو كان مَنصِباً لكان معروفاً مشهوراً منقولاً عن غيره، ولاسيما لو كان منصباً في محل عام يرده ويصدر عنه الفئام، بل ندر من لاتكون له حاجة فيه.
وأهل العلم لايحرمون خروج المرأة للحاجة أو الضرورة وإن تكرر الخروج، فلو خرجت امرأة لحاجة والتزمت بضوابط الشرع في خروجها، فلا حرج عليها، فإذا رأت منكراً وكان بوسعها إنكاره فعليها أن تنكره، وهذا غاية ما في أثر بنت نهيك.
ولايُعرف من أشار إلى توليتها السوق منصباً، وإنما ذُكر عن عمر –رضي الله عنه- أنه ولَّى أم سليمان بن أبي حثمة الشفاء بنت عبدالله العدوية القرشية شيئاً من أمر السوق، وقد كانت موصوفة بفضل وعقل وهي من المهاجرات الأوائل رضي الله عنهن جميعاً، ولعل خبر توليتها السوق ليس له سندٌ يُعوّل عليه، كما أن ظاهر كلام أهل العلم يفهم منه تولية ابنها ومساعدتها له في بعض الشأن، فقد ذكرها الحافظ المزي فقال: "وكان عمر بن الخطاب يقدمها في الرأي ويرضاها ويفضلها وربما ولاها شيئاً من أمر السوق ذكر ذلك أبو عمر بن عبد البر"(220) ونقله نحوه ابن حزم في المحلى(221) ولكن الزرقاني أشار إلى أن من وُلِّي هو ولدها سليمان بن أبي حثمة، قال: "وقال (أبو) عمر رحل مع أمه إلى المدينة وكان من فضلاء المسلمين وصالحيهم واستعمله عمر على السوق وجمع الناس عليه في قيام رمضان"(222) ، وكلام الزرقاني هو الذي نص عليه ابن عبدالبر كما في الاستيعاب(223) ، وقد نقله الحافظ ابن حجر في الإصابة، وقال: " قلت هذا كله كلام مصعب الزبيري وذكره عنه الزبير بن بكار"(224).
فغاية ما في هذا إن ثبت – فمصعب الزبيري توفي في ستة وثلاثين ومائتين وبينه وبين عمر مفاوز- أن عمر رضي الله عنه ولاها شيئاً من أمر السوق مع ابنها، ولعل ذلك فيما يختص بما يحتاج الرجال دخول النساء فيه فكانت تساعده في ذلك والله أعلم، وهذا الصنيع له وجهه الذي لايخفى فإن شؤون النساء قد لايناسب مباشرة بعض حالات احتسابها رجال، وهذا ظاهر.
وأخيراً هناك من يذكر خبراً عن شخصية يسمونها خولة بنت الأزور ويذكرون قصة إنقاذ أخيها ضرار –وهو صحابي معروف- من الأسر، ولا أصل لهذه القصة فلا يوقف معها، بل إن في ثبوت شخصية خولة هذه نظر فضلاً عن القصة(225).
دعاوى غير معقولة:
بعض من يعيه النقل الصحيح يلجأ إلى شبه أخرى بعضها ينقض بعضاً، والواقع أشد لها نقضاً، كقولهم الفصل يؤجج الشهوة، ويلجئ إلى طلب الجنس ولو من المثل، ثم نقضه بقولهم، القضية قضية قلوب! إذا سلم القلب فلا تهتم أين كان صاحبه، والمرأة الشريفة تستطيع أن تعيش بين الرجال في حصن حصين من شرفها وعفتها لا تمتد إليه المطامع.
وهكذا يدخل صاحب الهوى في مغالطات يهزأ منها قارئ التاريخ، ويكذبها الواقع بإحصائياته، بل بإقرار قدوات المغالطين من رجال الغرب ونسائه.
أما الدعوى الأولى فهي ضرب من الإرهاب الفكري المقيت، يُحصر فيه الناس بين خيارين؛ إما الاختلاط ولك أن تقول: الزنا، وإما الشذوذ، سبحان الله! ألا يرى هؤلاء إلاّ الجنس المحرم، مثلهم كمثل من يقول: إما أن يأكل الناس مما لم يذكر اسم الله عليه، أو يُؤكل لحم الخنزير. عجباً! وأين ذهب الحلال الطيب؟
ولك أن تعجب أيضاً من ذلك الشرف، وتلك العفة، التي يزعم امتلاكها من يبيح الاختلاط، ويتهم من ينادي بالفصل بسوء القصد! وأتساءل هل حقاً بلغت السذاجة بأناس مبلغاً يدفعهم لتصديق هذا الدّعي؟
لا أظن أن عاقلاً يتصور أن امرأة شريفة سوف تعيش في حصن من العفاف حصين أنى وجدت، ولو في قعر بيت بغاء!
إن الشرف ليس جوهراً قائماً منفصلاً، أو متبعضاً عن غيره، وكذلك العفة ليست كائناً يمشي على الأرض، ويمسك باليد، بل هي أعرض قائمة بالنفوس، فإذا جُبْتَ الطرقات والخلوات، فلن تصادف جسماً اسمه الشرف، وإذا شققت إنساناً وفتشت بين جنباته، فلن تجد قطعة اسمها العفة، ولكن ربما وجدت قلوباً حية بيضاء، وهذه لاتزال صافية، حتى يسقط فيها ما يكدرها.
إن الصفات والأعراض قابلة للتأثر إذا لم تصن، فالخفرات الخود، إذا خرجن فأكثرن التعرض لأشعة الشمس الحارقة، مالت نحو السواد أبشارهن وقلوبهن البيضاء!
وكم رأيتَ إنساناً يتقاطر الحياء من محياه، فعاد إليك بعد أن خالط أقواماً لم يتركوا في وجهه قطرة ماء.
إن من المستهجن في العقول أن تقول لغواص يجوب أعماق البحار، انزع لباسك الضافي الأسود وإياك إياك أن تبتل بالماء! ومن قبيله ترك المباعدة بين الرجال والنساء وترقب السلامة مع أن "كل فحل يمذي وكل أنثى تقذي".
ألم ير من يناد بهتك الستر بين الرجال والنساء أثر ذلك في الغرب المتحضر؟ هل خفف ذلك من ثورة الشهوات؟ أم أتاح لها متنفساً فلوثت الأعراض؟
ثم هب أن امرأة درجت على مخالطة الرجال فسلم لها شرفها وحياؤها فلم يهزل، فمن الذي يكفل عدم خدشها من قبل ثعالب وذئاب البشر..
| قالت بنو عـامرٍ خلوا بني أسدٍ | يابؤس للجهلِ ضَرَّاراً لأقوام | |
| تعدو الذئابُ على من لاكلابَ له | تتقي صولة المُسْتَثْفِرِ الحَامِي(226) |
الاختلاط بين الواقع والتشريع 3-1 [7]
الاختلاط بين الواقع والتشريع 3-2 [8]
لتحميل المادة كاملة:-