نشر في موقع المسلم (http://www.almoslim.net)
الاختلاط بين الواقع والتشريع 2/3
تم الإنشاء 12/06/2004 - 13:16

الكاتب:
إبراهيم الأزرق [1]

مراعاة المنع من الاختلاط في التشريع:
إذا عرضت للمرأة حاجة تسوغ خروجها فلا حرج عليها إن خرجت وفقاً لما سبق بيانه، غير أن تلك الحاجة لاتسوغ اختلاطها بالرجال إلاّ أن تكون ضرورة، وذلك لحرمة الاختلاط وإن من أقوى الأدلة على تحريم الاختلاط، رعاية الشارع للنساء، وصيانته لهن من الاختلاط في سائر أحكام التشريع.
ولهذا "اتفقت الأمة، بل سائر الملل على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس... وكان علمها عند الأمة كالضروري، مع أنه لم يثبت ذلك بدليل معين، ولا شهد به أصل معين يمتاز برجوعها إليه، بل علمت ملاءمتها للشريعة بمجموعة أدلة لا تنحصر في باب واحد"(78).
فمن تأمل نصوص الشريعة وجد أنها راعت طبيعة المرأة فلم توجب عليها التكاليف التي يكون فيها بروز ومخالطة للرجال، ومن ذلك إيجاب الجمع والجماعات على الرجال دون النساء، ومنه فرض الجهاد على الرجال دون النساء، وكذلك فرض النفقة على الرجل دون المرأة.
لكن ربما دعت الشريعة النساء إلى شهود ما يحضره الرجال، خلافاً للأصل الذي قررته وهو قرارهن في البيوت، غير أن المتأمل يلحظ في هذا أحد أمرين:
الأول: إما أن تكون المناسبة مما يفوت وقته وتذهب مصلحته بتأخيره كنحو شهود الأعياد.
الثاني: يضيف إلى ما سبق أن يكون محل المأمور به واحداً، اقتضت الحكمة الإلهية أن لايتعدد، كالطواف والسعي والرمي وغيرها من أعمال الحج أو العمرة.
وفي كلا الأمرين مصلحة العبادة تشمل جميع المكلفين، والعنت يلحق الناس إذا وضع لها الشارع نمطاً يكفل عدم الاختلاط، ومع ذلك فإن نحو هذه العبادات وضع الشارع لها من الضوابط ما يكفل عدم امتزاج الرجال بالنساء.

وإذا نظرت إلى واقع النساء في العهد الأول، وجدتهن بعيدات عن خلطة الرجال، يخرجن للحاجات والضروريات، متقيدات بالشريعة غير مفتئتات، ملتزمات في عبادتهن بما يكفل لهن الصيانة من خلطة الغرباء.
وفي ما يلي بعض العبادات التي راعى فيها التشريع ذلك الأصل وقد تكون محل التباس عند البعض:

1- طلبهن العلم:
طلب العلم واجب على كل مسلمة، كشأن الرجال فالكل محتاج إليه، ومع ذلك لم يكنَّ يُزاحمن الرجال لأجل تحصيله، ولكن طلبن أن يَجْعَل لهنّ النبي صلى الله عليه وسلم مجلساً خاصاً لايكون للرجال فيه نصيب، وقد بوب البخاري في كتاب العلم من الصحيح، باب: هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم، وساق حديث أبي سعيد، قالت النساء للنبي صلى الله عليه وسلم: غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوماً من نفسك، فوعدهن يوماً.. الحديث(79) ، قال العيني: "أي عين لنا يوماً" وقال: "قوله غلبنا عليك الرجال معناه أن الرجال يلازمونك كل الأيام ويسمعون العلم وأمور الدين، ونحن نساء ضعفة لا نقدر على مزاحمتهم، فاجعل لنا يوماً من الأيام نسمع العلم ونتعلم أمور الدين"(80).
وقد نص الفقهاء على المنع من اختلاط رجال بنساء في المسجد، لما يترتب عليه من مفاسد(81) ، ويشمل ذلك الاختلاط بغية طلب العلم.
ولو كان الاختلاط جائزاً لقال لهن احضرن مع الرجال مجالس العلم والذكر، فهو أولى من تبديد الطاقات والنبي صلى الله عليه وسلم أحرص على حفظ الأوقات.


2- مبايعتهن النبي صلى الله عليه وسلم:
من مراعاة التشريع للمنع في الاختلاط فيها، جعل محل خاص بهن، بعيد عن الرجال، أتاهن النبي صلى الله عليه وسلم فيه، ولم تقل إحداهن لماذا لم تأخذ علينا البيعة مع الرجال! بل خرجن فاجتمعن مع بنات جنسهن لهذه الحاجة الدينية، ملتزمات بالضوابط الشرعية، فأخذ عليهن النبي صلى الله عليه وسلم البيعة وعلمهن وما مست يده يد امرأة قط(82) ، وما يُروى في صفة ذلك من نحو مصافحة عمر –رضي الله عنه- لهن نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده في إناء فيه ماء، أو جاء بحائل فهذا ونحوه لم يثبت بنقل صحيح، فلا يعارض به ما ثبت.

3- ندبهن لشهود أعياد المسلمين، وجواز حضورهن الجمع والجماعات:
صلاة العيد مناسبة يفوت وقتها وتذهب مصلحتها بتأخيرها، ومن نظر إلى مقاصد العيد علم حكمة الشارع في عدم تكرار شعائره لأجل فصل الرجال والنساء فيه، فإن في ذلك عنتاً لايتناسب مع تيسير الشريعة، ومشقة لاتتناسب وتلك الأيام التي جعلها الشارع للتوسعة والترخص المنضبط وصلة الأرحام، ولذلك ناسب أن يحض الرجال والنساء على أداء صلاتها جميعاً مع وضع الضوابط التي تكفل عدم امتزاج الرجال بالنساء، قال ابن حجر في تعليقه على خطبة النبي صلى الله عليه وسلم النساء يوم العيد: " قوله: "ثم أتى النساء" يُشعِر بأنّ النساء كُنّ على حدة من الرجال غير مختلطات بهم، وقوله: "ومعه بلال" فيه أن الأدب في مخاطبة النساء في الموعظة أو الحكم أن لا يحضر من الرجال إلا من تدعو الحاجة إليه من شاهد ونحوه، لأن بلالاً كان خادم النبي صلى الله عليه وسلم ومتولي قبض الصدقة، وأما ابن عباس فقد تقدم أن ذلك اغتفر له بسبب صغره"(83) ، وقريب منه قول الخراشي في تعليل استحباب صلاة العيد في الفضاء حيث يقول: "ولبعدهن من الرجال لما فرغ من خطبته وصلاته، جاء إليهن فوعظهن وذكرهن، فلو كن قريباً لسمعن الخطبة.."(84) ، ومع ذلك اختلف أهل العلم فقال ابن عبدالبر: "..قال مالك لا يمنع النساء الخروج إلى المساجد، فإذا جاء الاستسقاء والعيد فلا أرى بأسا أن تخرج كل امرأة مُتَجَّالَّة(85). هذه رواية ابن القاسم عنه.
وروى عنه أشهب قال: تخرج المرأة المتجالّة إلى المسجد، ولا تكثر التردد، وتخرج الشابة مرة بعد مرة. وكذلك في الجنائز يختلف في ذلك أمر العجوز والشابة في جنائز أهلها وأقاربها(86).
وقال الثوري ليس للمرأة خير من بيتها، وإن كانت عجوزاً.
قال الثوري: قال عبد الله: المرأة عورة، وأقرب ما تكون إلى الله في قعر بيتها، فإذا خرجت استشرفها الشيطان.
وقال الثوري: أكره اليوم للنساء الخروج إلى العيدين.
وقال ابن المبارك أكره اليوم الخروج للنساء في العيدين، فإن أبت المرأة إلا أن تخرج فليأذن لها زوجها أن تخرج في أطمارها ولا تتزين(87) ، فإن أبت أن تخرج كذلك فللزوج أن يمنعها من ذلك"(88).
ثم قال أبو عمر: "أقوال الفقهاء في هذا الباب متقاربة المعنى وخيرها قول ابن المبارك لأنه غير مخالف لشيء منها ويشهد له قول عائشة: لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدثه النساء لمنعهن المسجد، ومع أحوال الناس اليوم ومع فضل صلاة المرأة في بيتها فتدبر ذلك"(89) ، وفي زماننا هذا ما أحوجنا لأن نتدبر ذلك.
ثم إن جواز شهودهن الجمع والجماعات بالضوابط التي وضعها الشارع لصلاة المرأة في المسجد، دليل واضح يفيد مراعاة الشريعة لأصل الفصل بين الرجال والنساء، فقد جعل الشارع صلاة المرأة في قعر دارها خير لها حتى جاء عند أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم: "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها"(90) قال في العون: " لأن مبنى أمرها على التستر"(91) ، قال ابن حجر: "ووجه كون صلاتها في الإخفاء أفضل تحقق الأمن فيه من الفتنة ويتأكد ذلك بعد وجود ما أحدث النساء من التبرج والزينة"(92) ، وقد قال ابن عبدالبر بعد أن ذكر أحاديث مسندة في لزوم المرأة بيتها: "قد أوردنا من الآثار المسندة في هذا الباب ما فيه كفاية وغنى فمن تدبرها وفهمها وقف على فقه هذا الباب"(93).
وبعد ذلك إذا خرجت المرأة أمرها الشارع أن تخرج تفلة غير متطيبة ولا متزينة، فإن خالفت ذلك عصت الله بخروجها ولو إلى مسجد، كما في صحيح مسلم عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيباً"(94).
ثم إذا جاءت المسجد تدخل من باب خاص لايدخل منه الرجال فقد ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بنى المسجد جعل باباً للنساء، وقال: "لو تركنا هذا الباب للنساء" قال نافع فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات(95) ، وروى نافع أن عمر –رضي الله عنه- كان ينهى أن يدخل من باب النساء(96). فإذا دخلت المرأة المسجد كان خير صفوفها أبعدها عن الرجال، وكان شرها أقربها منهم لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها"(97) ، وقد علل الفقهاء ذلك لما فيه من البعد عن مخالطة الرجال(98) ، فإذا خرجت من المسجد فعليها أن تستأخر وتلتزم حافة الطريق كما قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "استأخرن فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق " فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى أن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها كما جاء عند أبي داود بسند حسن(99). قال ابن الأثير: يحققن الطريق هو أن يركبن حقها، وهو وسطها(100) ، ووجه الدلالة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم حرص على قطع كل سبب للاختلاط وإن كان غرض الخروج أداء الفرض فكيف يسوغ في غيره، وإذا منعهن من الاختلاط العابر في الطريق إلى المسجد والمؤقت في داخل المسجد لأنه يؤدي إلى الافتنان، فكيف يقال بجواز الاختلاط في غيره؟

4- حج النساء واعتمارهن:
مما فرضه الله على المرأة والرجل، الركن الخامس حج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً، ولما كانت أعمال الحج والعمرة يتحد محلها للرجال والنساء، ولا مصلحة من تغيير وقته أو فصل محله فإن في ذلك عنتاً لا يخفى على المتأمل، لهذا اقتصر التشريع على وضع ضوابط لمن قصد هذا الركن من النساء، تكفل صيانة أعراضهن، وتمنع من اختلاطهن بالرجال(101) قدر الإمكان، ومن ذلك أن الشارع لم يوجب على المرأة حجاً أو عمرة إلاّ إذا كان معها محرم، ومن أباح لها السفر من الفقهاء مع رفقة من النساء مأمونةٍ قال: "لتستأنس بهنَّ ولا تحتاج إلى مخالطة الرجال"(102) ، بل كره مالك أن تركب البحر ولو للحج لأنه مظنة خلطة، وفرق فقهاء المالكية بين ما إذا كان في السفينة مكان تستغني به عن مخالطة الرجال فجوزوا هذا ومنعوا إذا لم يكن(103) ، ثم جعل الشارع رخصاً لمن كانت معه نساء أو ضعفة ليست لغيره، كالدفع من مزدلفة بليل فقد رويت فيه آثار ومن ذلك حديث عبد الله مولى أسماء عن أسماء أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة فقامت تصلي، فصلت ساعة ثم قالت" يا بني هل غاب القمر؟ قلت: لا. فصلت ساعة ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: نعم. قالت: فارتحلوا فارتحلنا ومضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها، فقلت: لها يا هنتاه ما أرانا إلا قد غلسنا، قالت: يا بني إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن للظعن(104). والأحاديث في هذا معروفة وقد رخص بها جمع من أهل العلم للنساء في الرمي قبل طلوع الشمس ولو كانت جمرة العقبة.
ومن مراعاة المرأة قول طائفة من الفقهاء بجواز تأخير الرمي إلى بعد الغروب، بل إن الفقهاء مراعاة لأصل المنع من الاختلاط في الشريعة استحبوا للمرأة ما لم يستحبوا للرجل من نحو طوافها بعيدة عن البيت(105) ، ورخصوا لها في تأخير طواف القدوم إلى الليل خشية الزحام(106).
وفي البخاري: "قال ابن جريج أخبرني عطاء إذ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال قال كيف يمنعهن وقد طاف نساء النبي صلى الله عليه وسلم مع الرجال! قلت: أبعد الحجاب أو قبل؟ قال: إي لعمري لقد أدركته بعد الحجاب. قلت: كيف يخالطن الرجال؟ قال: لم يكن يخالطن. كانت عائشة رضي الله عنها تطوف حَجْرة(107) من الرجال لا تخالطهم، فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين قالت انطلقي عنك وأبت.."(108)، ولهذا كره بعض الفقهاء الطواف مع وجود الاختلاط بين الرجال والنساء قال الحطاب في مواهب الجليل: " نقل في المسائل الملقوطة عن والده أنّه يكره الطواف مع الاختلاط بالنساء"(109).
ومن مراعاة بعض أمهات المؤمنين للأمر بلزوم البيوت ونبذهن الاختلاط، اكتفاؤهن بحجة الفريضة، وترك القيام للتطوع، وهذا مأثور عن زينب وسودة رضي الله عنهما، امتثالاً لقوله صلى الله عليه وسلم لأزواجه: "هذه ثم ظهور الحصر"(110).
ومن مراعاة أهل العلم للمنع من الاختلاط قول ابن جماعة في منسكه الكبير:"ومن أكبر المنكرات ما يفعله جهلة العوام في الطواف من مزاحمة الرجال بأزواجهم سافرات عن وجههن، وربما كان ذلك في الليل، وبأيديهم الشموع متقدة..." إلى أن قال: "نسأل الله أن يلهم ولي الأمر إزالة المنكرات" ، قال الهيتمي بعد أن نقله: "فتأمله تجده صريحاً في وجوب المنع حتى من الطواف عند ارتكابهن دواعي الفتنة"(111).
ومن مراعاتهم للمنع من الاختلاط في النسك قولهم: لايستحب لها أن تزاحم الرجال لاستلام الحجر الأسود(112).
وقولهم: لاتقف المرأة على الصفا للدعاء إلاّ إذا خلا المكان عن مزاحمة الرجال، ويكون سنة في حقها إذا خلا المكان(113).
ولعله يأتي ذكر طرف من أقوالهم التي تفيد اعتبارهم المنع من الاختلاط في التعليل للأحكام.
ومما سبق نخلص إلى أن الشارع حف الحج والعمرة بمأحكام تكفل منع الخلطة المحرمة ومن ذلك اشتراط المحرم، ومع ذلك ندب المرأة إلى ترك مزاحمة الرجال، واستحب لها الفقهاء لأجل ذلك ما لم يستحبوه للرجال. وقد كانت أمهات المؤمنين ونساء الصالحين يراعين ذلك فيمتزن عن الرجال، غير أنه تبقى طائفة نسوةٍ في القديم والحديث يصدق فيهن قول الأول:


من اللائي لم يحججن يبغين حسبة   ولكن ليقتلن البـريء المغفـلا

فعلى أخت الإسلام أن لاتغتر بهن، نسأل الله أن يصلح حال أخواتنا وأمهاتنا ونسائنا ونساء المسلمين.

5- خروجهن للجهاد:
إن خروج النساء في الصدر الأول للغزو تطوعاً بل واستشهاد بعضهن حق لامرية فيه، وقد بوب البخاري في صحيحه؛ باب: الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء، وباب: غزو المرأة في البحر، وباب: حمل الرجل امرأته في غزو دون بعض نسائه، وباب: غزو النساء وقتالهن مع الرجال، وباب: مداواة النساء الجرحى في الغزو، وباب: رد النساء الجرحى والقتلى.
غير أن الشارع لم يوجب عليهن الجهاد بالاتفاق(114) ، قالت عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم: "أفلا نجاهد؟" قال: "لا، لَكُنَّ أفضل الجهاد حج مبرور"(115) ، ومن علله قول الصنعاني: "لأن النساء مأمورات بالستر والسكون، والجهاد ينافي ذلك، إذ فيه مخالطة الأقران، والمبارزة ورفع الأصوات"(116) ، وقد نص أهل العلم على أن الذكورية شرط لوجوبه.
بيد أن خروج النساء في العصر الأول للجهاد كان منضبطاً بضوابط الشريعة، والتي منها مراعاة المنع من الاختلاط، وأسباب الفتنة، فمن أجازوا خروج النساء للغزو(117) اختلفوا في خروج الشابة إلى أرض العدو بينما رخصوا للعجوز، وقالوا بالكراهة لخروجها في سرية لا يؤمن عليها، وعلق بعضهم الإباحة بكون العسكر كثيراً تؤمن عليه الغلبة(118)، وهذا هو الأقرب.
ومن الضوابط الشرعية لجواز خروج النساء للجهاد:
وجود المحرم لعموم أدلته، وعدم وجود ما يخصص موطن الجهاد، وقد نص أهل العلم على ذلك(119).
وهذا هو الذي ورد عن الصحابة فقد كانوا يخرجون للجهاد وربما صحبوا بعض المحارم من نحو زوجة وأم، ولا أظن أن منصفاً لبيباً يتصور خروج نساء ذلك الجيل للجهاد وبقاء أزواجهنّ أو أبنائهن أو أخوالهن أو أعمامهن أو سائر محارمهن في قعر البيوتات! ومن ظن ذلك فقد أساء الظِنّة بمن أثنى الله عليهم وأوجب حسن الظن بهم، }لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً وقالوا هذا إفك مبين{، بل كانوا يبادرون إلى الجهاد، وأخبار مبادرتهم مشهورة معروفة، وقد تخلف في أحد المغازي ثلاثة نفر فأنزل الله فيهم قرآناً يتلى إلى يوم القيامة، كما قال عز وجل: }وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ{.
ومن ضوابط الشرع التي يقتضي حسن الظن بهن التزامهن بها؛ الحجاب والتستر، فالأمر به عام ولم يأت ما يخرج محل الجهاد عن ذلك العموم، والأصل التزامهن بأمر الشارع.
ثم كيف يظن بمن خرجت لنفل إهمالها لواجبٍ يتنـزل الأمر به، ومبلغه قائم تراه بأم عينها.

وظيفة النساء في الجهاد:
قديماً قالت العرب: "لاتسد الثغور بالمحصنات"، وهذا حق فإن القتال وسد الثغور، لايناسب بنية المرأة وخِلقتها، ولاسيما في تلك العهود، ومن تأمل خروج النساء في الجهاد وجده لحاجة الخدمة والرجوع بالموتى، أو لضرورة مداواة المرضى والجرحى، أما إذا لم تكن ثمة ضرورة فلا تباشر علاج أجنبي، قال الشوكاني: "قال ابن بطال: ويختص اتفاقهم ذلك بذوات المحارم، وإن دعت الضرورة فليكن بغير مباشرة ولا مس، ويدل على ذلك اتفاقهم أن المرأة إذا ماتت ولم توجد إمرأة تغسلها، أن الرجل لايباشر غسلها بالمس، بل يغسلها من وراء حائل في قول بعضهم كالزهري، وفي قول الأكثر تيمم، وقال الأوزاعي: تدفن كما هي. قال ابن المنير: الفرق بين حال المداواة وغسل الميت أن الغسل عبادة والمداواة ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات"(120) وهذا الكلام ينسحب على غير الغزو وإن كان وقوعه في الغزو أكثر.
هذا هو الأصل في خروجهن للجهاد، وتلك هي وظيفتهن، يؤكد ذلك حديث الربيع بنت معوذ في البخاري وغيره: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نسقي ونداوي الجرحى ونرد القتلى إلى المدينة"، وفي لفظ "فنسقي القوم ونخدمهم"(121).
غير أنه وردت أخبار تفيد خروج النساء عن هذا الأصل في بعض حالات الاضطرار، فربما شاركن في القتال، ولعله تأت الإشارة إليه قريباً.

حكم شهودهن القتال والتحامهن بالرجال
ليس للمرأة أن تشهد القتال وتلتحم بالرجال، قال ابن حجر في الفتح معلقاً على تبويب البخاري: غزو النساء وقتالهن مع الرجال، وقد أورد فيه حديث أنس رضي الله عنه في اشتغال بعضهن بالسقيا فقال: "لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم" قال: "ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما(122) تنقزان القرب" وقال غيره: "تنقلان القرب على متونهما ثم تفرغانه في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان فتفرغانها في أفواه القوم"(123) قال ابن حجر: "ولم أر في شيء من ذلك التصريح بأنهن قاتلن، ولأجل ذلك قال ابن المنير: بوب على قتالهن وليس هو في الحديث، فإما أن يريد أن إعانتهن للغزاة غزو، وإما أن يريد أنهن ما ثبتن لسقي الجرحى ونحو ذلك إلاّ وهن بصدد أن يدافعن عن أنفسهن، وهو الغالب. انتهى"، ولغرابة أن يكون مراد البخاري بقوله وقتالهن مع الرجال، أي اشتراكهن فيه، التمس ابن حجر –رحمه الله- للتبويب وجهاً بعيداً فقال: "ويحتمل أن يكون غرض البخاري بالترجمة أن يبين أنهن لايقاتلن وإن خرجن في الغزو، فالتقدير بقوله: "وقتالهن مع الرجال" أي هل هو سائغ؟"(124) ولعل في هذا بعدا كما قال العيني: "لم يكن غرض البخاري هذا الاحتمال البعيد أصلاً، ولا هذا التقدير الذي قدره، لأنه خلاف ما يقتضيه التركيب، فكيف يقول: هل هو سائغ؟ بل هو واجب عليها الدفع إذا دنا منها العدو"(125) ، وعلى هذا فيجوز أن يكون التقدير وقتالهن مع الرجال أي في حال الاضطرار إذا دنى منهن الرجال كما في الأثر، غير أن قول العيني بل هو واجب محل نظر، فقد ذهب بعض أهل العلم إلى إباحة توليتهن الأدبار بالفرار حال الانهزام وسيأتي نص الشافعي فيه قريباً. وقد أورد البخاري الآثار في خدمتهن الجيش ورعايتهن الأسرى وإرجاعهن الموتى بعد أن ذكر خروجهن للغزو ومشاركتهن فيه، وكأنه يشرح كيف كان جهادهن، ولهذا قال الصنعاني: "وفي البخاري ما يدل على أن جهادهن إذا حضرن مواقف الجهاد سقي الماء ومداواة المرضى ومناولة السهام"(126) ، وقد جاء عند أحمد وغيره في أثر ابن عباس عندما سئل عن شهود النساء للقتال، أنهن كن يداوين الجرحى ويقمن على المرضى ولايحضرن القتال(127) ، وهذا هو المتوجه فلايتصور خروج النساء لمباشرة القتال مع تصور طبيعة القتال في ذلك الجيل، فإنه يحتاج إلى سواعد الرجال، وبنية المرأة ضعيفة ولهذا لم يوجب عليها القتال(128) كشأن سائر الضعفاء قال في السير: "لايعجبنا أن يقاتل النساء مع الرجال في الحرب، لأنه ليس للمرأة بنية صالحة للقتال، كما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: "هاه، ما كانت هذه تقاتل"، وربما يكون في قتالها كشف عورة المسلمين، فيفرح به المشركون، وربما يكون ذلك سبب لجرأة المشركين على المسلمين فيقولون: احتاجوا إلى الاستعانة بالنساء على قتالنا، فليتحرز عن هذا، ولهذا المعنى لايستحب لهن مباشرة القتال إلاّ أن يضطر المسلمون إلى ذلك، فإن دفع فتنة المشركين عند تحقق الضرورة بما يقدر عليه المسلمون جائز بل واجب"(129) ، ولهذا ورد أنه يرضخ لهن إن خرجن من الغنيمة ولايُسهم وما ورد في إسهامه لبعضهن حمل على الرضخ(130) وذلك لعدم شهودهن القتال.
وقد تقرر أن الضرورة تبيح المحظور، فإن اضطرت النساء لمباشرة القتال إذا انهزم المسلمون أو عم النفير واختلطت الأمور، فلا حرج في مشاركتهن ودفاعهن عن أنفسهن، وعلى مثل هذا يحمل ما رُوي عن بعض الصحابيات كأم عمارة نسيبة بنت كعب رضي الله عنها إن صح(131) ، بل هو ظاهر ما نقل عنها -وعن غيرها رضي الله عنهن- فقد كانت مشاركتها بعد أن انهزم الناس فلم يبق حول النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ نُفير(132).
كما أن لهن أن يجاهدن بغير إذن إذا دهم المسلمين عدو في قعر الدور، ففي مثل هذه الأحوال ليس لهن إلاّ أن يدافعن عن دينهن وأعراضهن وأنفسهن وقد اختلف أهل العلم هل هذا واجب عليهن في تلك الحال أو لهن اللواذ بالفرار؟ قال الشافعي رحمه الله: "ولو شهد النساء القتال فولين رجوت أن لا يأثمن بالتولية، لأنهن لسن ممن عليه الجهاد كيف كانت حالهن"(133).

تنبيه:
رويت آثار عن بعض النساء وأخبار بعضها ليس فيها حجة وكثير منها لايثبت، وهو في كتب المغازي والسير كثير، وقد قال الإمام ابن تيمية: "قال الإمام أحمد ثلاثة أمور ليس لها إسناد: التفسير والملاحم والمغازى، ويروى ليس لها أصل أي إسناد، لأن الغالب عليها المراسيل مثل ما يذكره عروة بن الزبير، والشعبي، والزهري، وموسى بن عقبة، وابن إسحاق، ومن بعدهم كيحيى بن سعيد الأموي، والوليد بن مسلم والواقدى ونحوهم"(134).

الخلاصة..
بناء على ما سبق فليس في جهاد النساء المأثور إباحة امتزاج الرجال بالنساء أو اجتماعهم متداخلين في ميدان واحد، بل لا يُتصور وجود النساء أو غيرهن من أجل المداواة والإسعاف وسط ميدان المعركة الذي يختلط فيه الحابل بالنابل وتتطاير فيه الرؤوس، وقد عُلم أنَّ لِمَنْ يشتغل بالإسعاف والمداوة أماكن خاصة منعزلة يخلى إليها الجرحى أو المرضى.
ومعلوم أن ما أباحتة الضرورة يقدر بقدره ومن ذلك مباشرة المرأة علاج الجريح المثخن والمريض المقعد وفقاً لشرطه، ومنه أيضاً التحامها بالرجال للذود عن عرضها وحماية نفسها.
هذا مع أن الحال في موطن الجهاد بعيدة عن الظِنَّةِ، فأنى لمن طُنَّت قدمه أو فُتَّ عضده أن يلتفت يمنة أو يسرة، وهل يُظن بمَنْ تُعايِن أمثال هؤلاء، و من يشارفون على الهَلَكَة كل حين، بل لاتدري إلى أيِّ شيء يصير أمرها إذا انجلى غبار المعركة، هل يُظن أنّ هذه كغيرها؟ فكيف إذا كُنَّ نساء الصحابة ورجالاتها؟ فكيف يقال بجواز الاختلاط بعد ذلك في الأسواق وغيرها من مواطن الرِيَبِ وأسباب الفتن. بل كيف يقال بجواز مشاركتهن في الجيش أو الشرطة مع معطيات واقع الناس اليوم.
أيحق لمنصف قرأ الشريعة، وعلم مقاصدها، ونظر في دَأَبِها على حماية النساء بسياج يحول دونهن ودن الخلطة والابتذال، أيحق له أن يستدل بما وقع عرضاً أو اضطراراً على جواز الاختلاط في المنتديات والقاعات، ولنُسلِّم جدلاً –على سبيل قل إن كان للرحمن ولد- بأن الاختلاط حق مكفول في الحج والجهاد وبعض التشريعات فهل يقبل في موازين العقول قياس أماكن اللهو والفساد على مواطن الإيمان والجهاد؟ أيستوي مكتب ضيق أو محل لاتؤمن فيه ريبة، مع موطن يزداد فيه الإيمان، ويتنزل فيه الرضا على العباد من الرحمن؟
إنه قياس مع الفارق، ومثله قياس خروج بعض النساء مع ضوابط الأمس في الغزو، بدخول بعضهن الشرطة أوالجيش في واقع الناس اليوم.
قال الشيخ بكر أبوزيد: "وعن أم سلمة -رضي الله عنها- أنها قالت‏:‏ يا رسول الله‏!‏ تغزو الرجال ولا نغزو، ولنا نصف الميراث‏؟‏ فأنزل الله‏:‏ }وَلاتَتَمَنَّوا مَا فَضَّلَ اللهُ بِه بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ{ ‏[‏النساء‏:‏ 32‏]‏ ‏.‏ رواه أحمد، والحاكم وغيرهما بسند صحيح‏.‏
قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى تعليقًا على هذا الحديث في ‏[‏عمدة التفسير‏:‏ 3/ 157‏]‏‏:‏ ‏(‏وهذا الحديث يرد على الكذابين المفترين -في عصرنا- الذين يحرصون على أن تشيع الفاحشة بين المؤمنين، فيخرجون المرأة عن خدرها، وعن صونها وسترها الذي أمر الله به، فيدخلونها في نظام الجند، عارية الأذرع والأفخاذ، بارزة المقدمة والمؤخرة، متهتكة فاجرة، يرمون بذلك في الحقيقة إلى الترفيه الملعون عن الجنود الشبان المحرومين من النساء في الجندية، تشبهًا بفجور اليهود والإفرنج، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة‏)‏ انتهى‏"(135).



بعض أدلة المنع من الاختلاط من الكتاب والسنة الثابتة:
ما سبق من تقرير مراعاة الشريعة لأصل الفصل بين الرجال والنساء في التشريع، دليل ظاهر يفيد تحريم الاختلاط، خاصة مع بيان تلك النماذج التي ربما اشتبهت على البعض، فظنها حجة له وهي على خلاف قصده، وسوف يأتي ذكر طرف من مراعاة أهل العلم لهذا الأصل في سائر الشريعة، ومع ذلك فإن أدلة الكتاب والسنة الصحيحة جاءت متعددة في المنع من الأسباب المؤدية إلى الاختلاط، وكذلك في المنع من أمور يقتضيها الاختلاط، ولاشك أن الوسائل لها أحكام المقاصد، وما لا يتم ترك النهي إلاّ به فهو منهي عنه، ولئن كان هذا اللفظ (الاختلاط) حادثاً، فإن حكم معناه يستنبط من نصوص عامة، و أخرى صريحة جاءت بقطع أسبابه، وثالثة جاءت بقطع مايقود إليه.
وفيما سبق ذكر شيء من ذلك، وفيما يلي طرف لنصوص عامة يدخل في معناها الاختلاط، وأخرى جاءت بمنع أسباب الاختلاط، وثالثة حَرّمت أموراً يقتضيها الاختلاط:

1- قوله تعالى: }وإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعَاً فَسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُم وَقُلُوبِهِنَّ{.
دلت هذه الآية على أن الأصل احتجاب النساء عن الرجال، فقد "أوجب الله أن يكون الخطاب بينهن من وراء حجاب يحجز بين المرأة والرجل وهذا ظاهر في تحريم الاختلاط"(136) ، قال القاضي عياض في فرض الحجاب على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: "ولايجوز لهن إظهار شخوصهن، وإن كن مستترات إلاّ ما دعت إليه الضرورة من الخروج للبراز، قال الله تعالى: }وإِذَا سَأَلتُمُوهُنَّ مَتَاعَاً فَسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ{، وقد كن إذا قعدن للناس جلسن من وراء الحجاب، وإذا خرجن حجبن وسترن أشخاصهن، كما جاء في حديث حفصة يوم وفاة عمر، ولما توفيت زينب رضي الله عنها، جعلوا لها قبة فوق نعشها تستر شخصها"(137) ، والآية وإن كانت موجهة لنساء النبي صلى الله عليه وسلم، غير أنها جاءت معللة بقول ربنا سبحانه: }ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُم وَقُلُوبِهُنَّ{ "فبين أن العلة هي طهورية قلوب النوعين، والتباعد عن دواعي الريبة وقذر القلوب، ولاشك أن هذه العلة تشمل جميع نساء المؤمنين، لأنه يطلب في حقهن طهارة قلوبهن، وطهارة قلوب الرجال من الميل إلى ما لاينبغي منهن. فليس لقائل أن يقول: هذا الأدب الكريم السماوي، المقتضي المحافظة على الشرف والدين وأطهرية القلوب من الميل إلى الفجور، يجوز إلغاؤه وإهداره بالنسبة لغير أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من نساء المؤمنين، لأن طهارة القلب ومجانبة أسباب الرذيلة، أمر مطلوب من الجميع بلا شك، مع أن النفوس أشد هيبة لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم من غيرهن؛ لأنهن أمهات المؤمنين"(138) ، ولأنهن من خيرة نساء العالمين، فمن دونهن -وكل النساء دونهن- من باب أولى، قال القرطبي: "ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى، وبما تضمنته أصول الشريعة.."(139). ومن "المقرر عند العلماء المؤيد بالدليل هو استواء جميع الناس في أحكام التكليف، ولو كان اللفظ خاصاً ببعضهم، إلاّ ما جاء النص مصرحاً بالخصوص فيه، ولذلك فجميع الخطابات العامة يدخل فيها النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، وأحرى غيره. وما ذلك إلا لاستواء الجميع في الأحكام الشرعية إلا ما قام عليه دليل خاص، فقد سأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم فأجابهم بما يتضمن ذلك، فإنه صلى الله عليه وسلم لما قال : "لن يدخل أحدكم عمله الجنة". قالوا: يا رسول الله ولا أنت. قال: "ولا أنا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل" فكأنهم يقولون له: أأنت داخل معنا في هذا العموم؟ وهو يجيبكم بنعم. وما ذلك إلا لاستواء الجميع في الأحكام الشرعية.
فإن قيل: آية الحجاب تخص بمنطوقها أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.
فالجواب: أنها لم تدل على أن غيرهن من النساء لا يشاركهن في حكمها. والأصل مساواة الجميع في الأحكام الشرعية إلا ما قام عليه دليل خاص.
ولذا تقرر في الأصول أن خطاب الواحد المعين من قبل الشرع من صيغ العموم؛ لاستواء الجميع في أحكام الشرع، وخلاف من خالف من العلماء في أن خطاب الواحد يقتضي العموم خلاف لفظي، لأن القائل بأن خطاب الواحد لا يقتضي العموم موافق على أن حكمه عام إلا أن عمومه عنده لم يقتضه خطاب الواحد بل عمومه مأخوذ من أدلة أخرى كالإجماع على استواء الأمة في التكليف. وكحديث "ما قولي لامرأة إلا كقولي لمائة امرأة" فالجميع مطبقون على أن خطاب الواحد يشمل حكمه الجميع إلا لدليل خاص، واختلافهم إنما هو هل العموم بمقتضى اللفظ أو بدليل آخر"(140).
فالآية عامة عموماً معنوياً يشمل جميع النساء(141) ، سواء أكان طريق إثبات هذا العموم العقل(142) لورود العلة التي يدور عليها الحكم في آخر الآية، أو العرف اكتفاء بأول الشاهد من الآية، وهذا ما يعرف عند الأصوليين بفحوى الخطاب، ويسميه بعضهم لحن الخطاب(143) أو تنبيهه، ويعرف عند البعض بمفهوم الموافقة، وهو أن يكون المسكوت عنه موافقاً في الحكم للمنطوق به؛ أولى منه، أو مساو له، وقد يسميه الشافعي القياس الجلي(144) ، وآخرون دلالة النص، وقد قالوا: الثابت بدلالة النص لايحتمل الخصوص(145) ، وإذا كان المسكوت عنه أولى ربما سماه البعض قياس الأولى(146) ، فسواء قيل بهذا أو هذا فإن الأصوليين اتفقوا على أن مثل هذا يدخل فيه عمومهن، وإن اختلفوا هل يسمى قياساً أو لا، ولعله تأتي الإشارة إليه عند ذكر الدليل الرابع.

2- الأمر بغض البصر والعفو عن الفجأة:
أمر الله الرجال بغض البصر، وأمر النساء بذلك فقال تعالى: }قُل لِلمُؤمِنِينَ يَغُضُوا مِنْ أَبصَارِهِم وَيَحفَظُوا فُرُوجَهُم ذَلِك أَزكَى لَهُم إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ $ وَقُلْ للّمُؤمِنَاتِ يَغضُضُنَ مِن أَبَصَارِهِنَّ{ الآيتين. ولم يعف الشارع إلا عن نظر الفجأة، فقد صح عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري"(147) ، وروي عن علي –رضي الله- عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "يا علي، لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة"(148) ، وبمعناه عدة أحاديث، بل لم يرخص الشارع في الجلوس بالطرقات للرجال إلاّ بشرط إعطاء الطريق حقه ومنه غض البصر، ففي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والجلوس بالطرقات"، فقالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها. فقال: "إذ أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه"، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: "غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"(149). وجه الدلالة من الآيتين والآثار بعدها: أن الله أمر المؤمنين والمؤمنات بغض البصر، وأمره يقتضي الوجوب، ثم بين تعالى أن هذا أزكى وأطهر(150) ، فكيف يحصل غض البصر وحفظ الفرج وعدم إبداء الزينة عند نزول المرأة ميدان الرجال واختلاطها معهم في الأعمال؟ والاختلاط كفيل بالوقوع في هذه المحاذير(151).
وإذا كان استراق النظر خيانة كما في قول الله تعالى: }يَعلَمُ خُائِنَةَ الأَعيُنِ وَمَا تُخفِي الصُدُورُ{ فكيف تكون المخالطة؟
وإذا نهى الشارع عن النظر إلى النساء بسبب ما يؤدي إليه من المفسدة وهو حاصل في الاختلاط، فكذلك الاختلاط ينهى عنه لأنه وسيلة إلى ما لا تحمد عقباه من التمتع بالنظر والسعي إلى ما هو أسوأ منه، وواقع الناس اليوم يبين أن الاختلاط يفضي لزاماً لوقع البصر عما أمر الله بحفظه عنه، وإذا كان الذي يفضي إلى الوقوع في المحظور يلزم منه وقوع المحظور، ففعله حرام عند من قال بسد الذرائع وعند من لم يقل(152) ، فهو بمثابة ما لا يتم الامتثال إلاّ به، وعلى أقل الأحوال هو بمثابة "الذرائع" التي تفضي إلى المحظور غالباً، وقد ذكر أهل العلم أن الحكم إذا علق بمظنة استوى وجودها وعدمه.
وهذا الوجه ذكر نحواً منه الإمام البيهقي في شعب الإيمان، فقال: "الثاني والسبعون من شعب الإيمان: الغيرة وترك المذاء" وذكر قول الحليمي في تعريف المذاء، فقال: "أن يجمع الرجال والنساء ثم يخليهم يماذي بعضهم بعضاً، وقيل هو إرسال الرجال مع النساء من قولهم مذيت فرس إذا أرسلتها ترعى" ثم قال: "وقال الله عز وجل: }وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها{ وقال: }يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً{ فدخل في جملة ذلك أن يحمي الرجل امرأته وبنته من مخالطة الرجال.."(153).

عم يغض البصر!
وهنا لعله يرد سؤال عن ماذا يغض طالما أن الحجاب مفروض والقرار مأمور به، فعم يُغض البصر؟ وجوابه أن غض البصر يكون عن المحارم كلها، فقد تخرج امرأة لحاجة، وربما خرجت نساء مترخصات بغير حاجة، وربما كان المجتمع –كشأن سائر المجتمعات- خليطاً لايخلو من كتابيات ونحوهن، وغض البصر مطلوب عن كل سافرة، أو هيفاء مقبلة، أو عجزاء مدبرة، بل مطلوب حبس اللحظ عن لحظ غضيضة طرف غافلة، سواء كانت معذورة، أو مائلة مميلة، أو أمة أو كتابية. والشريعة الإسلامية بحمد الله واقعية تتعامل مع طبائع الناس على اختلاف أصنافهم، فتشرع الأحكام لكافة الأحوال، فهي صالحة لكل زمان ومكان وحال، ما فرط ربنا في الكتاب من شيء، وهذه الواقعية سمة ظاهرة في التشريع، ومن تأمل وجد أنه ما من محرم إلاّ وقد شُرعت أحكام تتعلق بمن يقارفه عامداً أو يقترفه لعذر أو جاهلاً.

3- حديث: "المرأة عورة..".
روى ابن خزيمة في صحيحه وغيره حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان"(154) ، قال المناوي: "يعني رفع البصر إليها ليغويها أو يغوي بها فيوقع أحدهما أو كلاهما في الفتنة، أو المراد شيطان الإنس سماه به على التشبيه، بمعنى أن أهل الفسق إذا رأوها بارزة طمحوا بأبصارهم نحوها، والاستشراف فعلهم لكن أسند إلى الشيطان لما أشرب في قلوبهم من الفجور ففعلوا ما فعلوا بإغوائه وتسويله وكونه الباعث عليه. ذكره القاضي. وقال الطيبي: هذا كله خارج عن المقصود والمعنى المتبادر أنها ما دامت في خدرها لم يطمع الشيطان فيها وفي إغواء الناس فإذا خرجت طمع وأطمع لأنها حبائله وأعظم فخوخه وأصل الاستشراف وضع الكف فوق الحاجب(155) ورفع الرأس للنظر"(156) ، وهذا إخبار من الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، وسواء كان الاستشراف هنا حقيقياً من شياطين الجن –وهو الظاهر وماذكروه من تأويل لازم له- أو ما ذكر من تأويلات فإن المعنى المتفق عليه مرادٌ، وهو حضُّ النساء على عدم الخروج ولزوم البيوت، لكونه أصون لهن، فكيف يقال بجواز اختلاطهن بالرجال.

4- دلالة قوله تعالى: }وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ{
ومن الأدلة قوله تعالى: }وقَرنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى{، فأمرهن بالقرار، ثم منعهن من الخروج غير متحجبات، ومع قرارهن في البيوت منع صلى الله عليه وسلم الرجال الأجانب من الدخول عليهن فقال: "إياكم والدخول على النساء" فلما قيل له: الحمو قال: "الحمو الموت"(157) ، وهذا يدل على أن الأمر بالقرار ليس خاصاً بنساء النبي صلى الله عليه وسلم، وقد سبق ذكر جملة من كلام أهل العلم في ذلك منهم القرطبي وابن كثير وابن العربي وابن الحاج والجصاص وقد قاله غيرهم(158) ، ويصلح أن يقال هنا نحواً مما ذكر عند الاستدلال بقول الله تعالى: }وإذا سألتموهن متاعاً فسألوهن من وراء حجاب{.

أدلة أخرى على أن القرار ليس خاصاً بنساء النبي (صلى الله عليه وسلم):
1- حديث عقبة ابن عامر السابق وهو متفق على صحته، فلا معنى لأن يُمنع من دخول الرجال على النساء بل حتى بعض غير أولي الإربة منهم، ويباح خروجهن لهم!
2- الآية السابقة وإن جاءت في معرض خطابهن فهي تشمل غيرهن لما سبق من الأدلة الشرعية التي تحرم خلطة النساء بالرجال.
3- دلالة الاقتران بالصلاة، والزكاة، وطاعة الله التي لايشك المسلم من دخول سائر النساء فيها، فقد قال الله: }وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ{.
4- ومن الأدلة على أن المراد عام يدخل فيه عامة النساء، هو العلة التي ختمت بها الآية: }إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا{، وهذه علة مرادة لجميع النساء، وإنما لم يرد الله أن يطهر قلب من أراد به فتنة، كما في سورة المائدة: }وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ{، أما سائر المؤمنين فيريد الله تطهيرهم ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: }خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ{، وكذلك الرجس يريد الله أن يذهبه عن المسلمين، وعموم النساء يشملهن الأمر باجتنابه }فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ{، فالعلة التي ختمت بها الآية دليل واضح على عمومها فلايقال بتخصيص شيء منها إلاّ بدليل آخر ظاهر، وقد ذكر الأصوليون أن العلة إذا نص عليها بوجه لايحتمل التأويل فلابد أن يعم الحكم(159) وقالوا: "النص على العلة نص على الحكم في محلها"(160) هذا مع أنهم لم يشترطوا لصحة العلة النص عليها وهي هنا منصوصة ظاهرة بل جاءت بأداة الحصر (إنما)، وقد ذهب بعض الأصوليون إلى أن العمل بالعلة هنا ليس من باب القياس بل هو استمساك بنص لفظ الشارع(161) ، قال ابن تيمية بعد أن نقل الاتفاق على قبول مثل هذه العلة: "وإن اختلفوا هل يسمى هذا قياساً أو لا يسمى، ومثاله في كلام الناس ما لو قال السيد لعبده: لا تدخل داري فلانا فإنه مبتدع، أو فإنه أسود، ونحو ذلك فإنه يفهم منه أنه لا يدخل داره من كان مبتدعاً أو من كان أسوداً"(162).
5- ومما يدل كذلك على أن الآية مراد بها عموم النساء ما ثبت عند مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: }إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا{"(163) فهذا نص على دخول فاطمة رضي الله تعالى عنها وليست من أزواجه، وكذلك دليل على دخول أولادها ومنهن بناتها ولسن من أزواجه. ولهذا قال ابن كثير لما ساق قول عكرمة في الآية: "من شاء باهلته أنها نزلت في شأن نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم" قال: "فإن كان المراد أنهن كن سبب النزول دون غيرهن فصحيح، وإن أريد أنهن المراد فقط دون غيرهن ففي هذا نظر، فإنه قد وردت أحاديث تدل على أن المراد أعم من ذلك..."(164) وساق أحاديث عدة في المعنى المراد، وما سبق عند مسلم فيه كفاية.

5- دلالة قوله صلى الله عليه وسلم: "فاتقوا النساء".
كما في حديث أبي سعيد الخدري عن مسلم، قال صلى الله عليه وسلم:"إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء"(165).
فـ"خصص بعدما عمم إيذانا بأن الفتنة بهن أعظم الفتن الدنيوية، فإنه سبحانه أخبر بأن الذي زين به الدنيا من ملاذها وشهواتها وما هو غاية أما في طلابها ومؤثريها على الآخرة سبعة أشياء أعظمها النساء اللاتي هن أعظم زينتها وشهوتها وأعظمها فتنة"(166).
و"وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر باتقاء النساء، وهو أمر يقتضي الوجوب، فكيف يحصل الامتثال مع الاختلاط ؟! هذا لا يجوز"(167).

6- قصة سهلة بنت سهيل امرأة أبي حذيفة(168).
والشاهد فيها أنها "جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يارسول الله! إنا كنا ندعو سالما ابناً، وإن الله قد أنزل ما أنزل، وإنه كان يدخل علي..." الحديث فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم على عدم الاختلاط معها بذلك التبني بعد نزول القرآن، وأمرها بإرضاعه خمس رضعات لتحرم عليه"(169).
فإذا كان لايجوز الاختلاط مع من يقوم مقام الابن مالم يكن محرماً، فكيف يسوغ الاختلاط بغيره.

7- "على رسلكما إنها صفية" الحديث(170).
وفيه أن صفية –رضي الله عنها- زارته في معتكفه، فأرادت أن تنقلب فقال لها: لا تعجلي حتى أنصرف معك. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم، معها فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: على رسلكما إنها صفية بنت حيي. قالا: سبحان الله يا رسول الله! قال: إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً.
وقد أورده البيهقي في الشعب تحت فصل فيمن أبعد نفسه عن مواضع التهم(171) ، وقال الإمام الشافعي –رحمه الله- : "أراد عليه السلام أن يعلم أمته التبري من التهمة في محلها، لئلا يقعا في محذور، وهما كانا أتقى لله من أن يظنا بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئاً"(172) ، وقال الماوردي: "فما كل ريبة ينفيها حسن الثقة. هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أبعد خلق الله من الريب وأصونهم من التهم، وقف مع زوجته صفية ذات ليلة على باب مسجد، يحادثها وكان معتكفاً، فمر به رجلان من الأنصار، فلما رأياه أسرعا. فقال لهما: على رسلكما إنها صفية بنت حيي. فقالا: سبحان الله! أوفيك شك يارسول الله؟ فقال: مه، إن الشيطان يجري من أحدكم مجرى لحمه ودمه، فخشيت أن يقذف في قلبيكما سوءاً".
ثم قال الماوردي: "فكيف من تخالجت فيه الشكوك، وتقابلت فيه الظنون، فهل يَعْرَى مَنْ في مواقف الرِّيَبِ مِنْ قادحٍ مُحَقَّق، ولائمٍ مُصدَّق"(173).
والشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم، قرر أن خلطة الرجل بالمرأة موطن ريبة، ومحل تهمة، مع أن هذه الخلطة كانت عند المسجد، وفي محل عام مطروق، وزمانها ليلة من ليال العشر الأواخر من رمضان(174) ، مع امرأة مضروب عليها الحجاب الكامل بغير خلاف لكونها من أزواجه، صلى الله عليه وسلم، أضف إلى ذلك الأصول المقررة؛ كعصمة النبي صلى الله عليه وسلم، ورسوخ إيمان صحابته، رضوان الله تعالى عليهم.
كل ذلك لم يبرر ترك بيان أن الاختلاط بالنساء موضع تهمة، ومحل شبهة.
هذا نزر يسير من الأدلة، ومن تأمل نصوص الوحيين، وأحكام الشريعة اتضح له بجلاء حرصها على أن تكون أخت الإسلام درة مصونة لايقع عليها للريبة ظل، ولؤلؤة مكنونة لاتمتد إليها يد لامس. وللعلامة محمد بن إبراهيم رسالة وجيزة بليغة ذكر فيها تسعة عشر دليلاً على حرمة الاختلاط فلتراجع(175) ، بل حتى عقلاء الغربيين كتبوا في التحذير من الاختلاط وآثاره الضارة ولهم في ذلك مقولات معلومة منشورة، لعله يأتي ذكر طرف منها.

_______________


(78) انظر الموافقات للشاطبي 1/31.
(79) صحيح البخاري 1/50، ورواه غيره.
(80) عمدة القاري شرح صحيح البخاري 2/134.
(81) انظر مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى 2/258، وغذاء الأباب في شرح منظومة الآداب 2/314.
(82) ثبت ذلك من حديث عائشة المتفق عليه، البخاري 4/1856، ومسلم 3/1489.
(83) الفتح 2/466.
(84) شرح مختصر خليل لمحمد بن عبدالله الخراشي، 2/103، وقد نص آخرون على أن صلاتها في المسجد بدعة –ولو كان المسجد النبوي- لأجل ما يحصل من ازدحام في المساجد –ولو كبرت- عند الدخول أو الخروج. ثم اختلفوا في حكم البدعة بناء على اختلافهم في تقسيمها بين محرم وكاره، ينظر في ذلك بعض حواشي الشرح الكبير، ومنها حاشية الدسوقي 1/399.
(85) تجالت: أي أسنَّت وكَبُرت، يقال : جَلَّتْ فهي جَلِيلة ، و تَجالَّتْ فهي مُتَجالَّة.
(86) مسألة اتباع النساء للجنائز مسألة خلافية، والجمهور أطلقوا الكراهة كما ذكر النووي (المجموع 5/278 وانظر الفتح 3/378 في التعليق على حديث أم عطية)، ونص بعض أهل العلم على أنها كراهة تحريم (حاشية ابن عابدين 2/232)، ولاشك أن الأولى منع النساء منه لكون أقل الأحوال الكراهة، والمكروه يوعظ الناس بتركه، ويتأكد ذلك بل يتحقق في هذه الأعصار التي لايكاد اتباع النساء للجنائز يخلو من محرم كاختلاط أونياحة.
(87) نقله الترمذي بلفظ: أطمارها الخُلْقَان. انظر السنن 2/420.
(88) التمهيد 23/402.
(89) السابق 23/402.
(90) سنن أبي داود 1/156، وسنده صحيح، وقد جاء أيضاً عند ابن خزيمة في صحيحه 3/94، وعند الحاكم في المستدرك 1/328، والبيهقي في الكبرى 3/131، وكذلك الطبراني في الكبير 9/295 وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد 2/34)، وهؤلاء جميعاً من طريق قتادة عن مورق عن أبي الأحوص عن عبدالله بن مسعود، وقد جود الحافظ ابن كثير إسناده (انظر التفسير 3/483)، وقد روي عن غير ابن مسعود رضي الله عنه وقد أورد ابن عبدالبر آثاراً بمعنى هذا من حديث عائشة وأم سلمة وأبي هريرة وأبي سعيد وقال بعدها: "قد أوردنا من الآثار المسندة في هذا الباب ما فيه كفاية وغنى فمن تدبرها وفهمها وقف على فقه هذا الباب" (التمهيد 23/401).
(91) العون 2/195.
(92) الفتح 2/349، وانظر شرح الزرقاني 2/8، وفيض القدير 1/71، ونيل الأوطار 3/161.
(93) التمهيد 23/401.
(94) صحيح مسلم 1/328، ورواه غيره.
(95) سنن أبي داود 1/126، 1/156، والأوسط للطبراني 1/304، وكذلك ذكره في التمهيد 23/397، وانظر المحلى 3/131، وغيرها، وهو حديث صحيح الإسناد.
(96) سنن أبي داود 1/126، وسنده صحيح.
(97) رواه مسلم 1/326، ورواه غيره.
(98) انظر نيل الأوطار 3/219.
(99) لعله حديث حسن، رواه أبوداود في السنن 4/369 وفيه أبو اليمان وهو كثير الرحال قال الحافظ مستور وقال ابن حزم في المحلى 2/177: "وليس بمشهور"، ولعله معروف وثقه ابن حبان وروى عنه غير واحد وابن حزم –رحمه الله- لايوافقه جل الأئمة في إطلاقه الجهالة، ولهذا تعقب ابن القيم في حاشيته (1/312) ابن حزم في حكمه على أبي اليمان فقال: " وما ذكره ضعيف" ثم قال على الحديث الذي جاء فيه "فالحديث غير ساقط" ، وحديثنا هذا جاء من طريق آخر عند الطبراني في الكبير 19/261 وكذلك ذكره ابن عبدالبر في التمهيد 23/39، والمزي في تهذيب الكمال 12/402وهو صالح للمتابعة وفيه أبواليمان النبال وهو معلى بن راشد قال الحافظ مقبول، ولعله ليس به بأس يحتج بحديثه، فقد وثقه ابن حبان وقال النسائي: ليس به بأس، وقد روى عنه جمع وروى عن جمع (انظر تهذيب الكمال 28/284)، غير أن فيه شداد بن أبي عمرو بن حماس وهذا مستور، وقد جاء له شاهد من حديث أبي هريرة عند البيهقي في الشعب 6/174 وفيه شريك بن عبدالله، فالأقرب أن الحديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح الجامع رقم (929) والله أعلم.
(100) النهاية في غريب الحديث 1/415.
(101) راجع ما جاء في تعريف الاختلاط وحكمه مع وجود محرم لحاجة.
(102) انظر المبسوط للسرخسي 4/111.
(103) التاج والإكليل لمختصر خليل 3/485، وكذلك مواهب الجليل 3/520.
(104) البخاري 2/603، ومسلم 2/940.
(105) انظر للحطاب المالكي مواهب الجليل في شرح مختصر خليل 3/140 بل صرح المالكية بأن السنة لهن خلف الرجال كالصلاة انظر شرح مختصر خليل للخراشي 2/315، وللهيتمي الشافعي تحفة المحتاج في شرح المنهاج 4/92، وللزيلعي الحنفي انظر تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق 2/16، وهو ما يفهم من كلام ابن قدامة والمرداوي من الحنابلة انظر المغني 3/185 والانصاف 4/8.
(106) انظر حاشية العدوي 1/527، ونص عليه الإمام الشافعي في الأم في حق الجميلة 2/232، وأضاف الشريفة في المجموع نقلاً عن الإمام والأصحاب 8/14، وكذلك في أسنى المطالب 1/476، وانظر المغني 3/157، وهو في كتب فقهاء الحنابلة كثير.
(107) ممتنعة عن مخالطتهم، ناحية بعيدة عنهم.
(108) صحيح البخاري 2/585 وغيره.
(109) انظر مثلاً مواهب الجليل شرح مختصر خليل للحطاب المالكي 3/110 وكذلك الفواكه الدواني 1/358 و367، وحاشيتا قيلوبي وعميرة في فقه الشافعية 2/134.
(110) لعله حديث صحيح فقد رواه جمع من طريق زيد بن أسلم عن واقد بن أبي واقد عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد خرجها من هذا الطريق الإمام أحمد في مسنده 5/218 والتي تليها، وكذلك أبويعلى 3/32، والبيهقي في الكبرى 4/327، 5/228 وأبو داود في سننه 2/140، وأرسلها عبدالرزاق عن زيد بن أسلم في مصنفه 5/8، وغيرهم وقد أعل بعض أهل العلم كالذهبي في الميزان (7/119) هذا الطريق بتفرد زيد بن أسلم بالرواية عن ابن أبي واقد، غير أن ابن حجر في الفتح صححها وقال: (4/74) " وإسناد حديث أبي واقد صحيح وأغرب المهلب فزعم أنه من وضع الرافضة.. وهو إقدام منه على رد الأحاديث الصحيحة بغير دليل"، ولعل لإعلال الذهبي لتلك الطريق وجهه، وأياً ما كان فالحديث صح من طريق ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وصالح وإن اختلط فإن رواية ابن أبي ذئب عنه قديمة كما قرر الحفاظ، قال ابن عدي: "لابأس إذ سمعوه منه قديماً" (الفروع لابن مفلح 1/530-531)، وقال الهيثمي في المجمع 3/214: "وفيه صالح مولى التوأمة ولكنه من رواية ابن أبي ذئب عنه وابن أبي ذئب سمع منه قبل اختلاطه"، وهو كما قال وإليه أشار الحافظ في التقريب، وهو الذي عليه الأئمة كما أشار إليه ابن عبدالبر في التمهيد 23/361، ومن هذا الطريق خرجه الإمام أحمد 2/446، و 6/324 وهو في مسند الحارث 1/440، وعند الطيالسي 1/229، وأبي يعلى 13/80، 13/88، وغيرهم، وجاء من طريق ثالث لابأس به فقد جاء من عدة أوجه عن عثمان الأخنسي عن عبدالرحمن بن سعيد بن يربوع عن أم سلمة كما عند أبي يعلى 12/312، والطبراني في الكبير 23/313، وغيرهما. فالحديث صحيح إن شاء الله، وقد وثق رواته المنذري في الترغيب والترهيب 2/138، وصححه الهيثمي في مجمع الزوائد 3/214، وكذلك الألباني في صحيح أبي داود 1515، وقد تكلم أهل العلم في تأويله.
(111) الفتاوى الفقهية الكبرى، لابن حجر الهيتمي 1/201-202.
(112) المغني 3/183.
(113) الفواكه الدواني 1/359.
(114) الموسوعة الفقهية 22/119.
(115) صحيح البخاري 2/552 رقم 1448 ورواه غيره، والأحاديث في هذا الباب كثيرة معروفة.
(116) سبل السلام 2/460.
(117) منع بعضهم انظر المدونة 1/499، وقد نقل عن ابن قاسم الجواز إذا م يُخف على العسكر لقلة العدو.
(118) انظر طرح التثريب 7/48، وقد نقله عن ابن عبدالبر.
(119) انظر شرح السير 4/1456.
(120) انظر نيل الأوطار 7/282.
(121) صحيح البخاري 3/1056 باب مداواة النساء الجرحى والذي بعده.
(122) أي الخلاخيل وتكون أسفل القدم فوق الكعب، وقد كان هذا قبل الحجاب، ويحتمل أن يكون النظر عن غير قصد، انظر فتح ابن حجر (6/78).
(123) متفق عليه، البخاري 3/1055 ومسلم 3/1443.
(124) الفتح 6/78.
(125) عمدة القاري 14/166.
(126) سبل السلام 2/461.
(127) مسند الإمام أحمد 1/224، والسنة لمحمد بن نصر 1/48، وأصله ثابت من عدة طرق.
(128) انظر شرح السير الكبير 1/184، وبدائع الصنائع 7/98، والمغني 9/163، وحاشية القيلوبي وعميرة 4/217، وتحفة المحتاج 9/231، ومغني المحتاج 6/18، ونهاية المحتاج 8/55، والفتاوى الهندية 2/189، ودقائق أولى النهى 1/617، والتجريد لنفع العبيد 4/250، ومطالب أولي النهي في شرح غاية المنتهى 2/500.
(129) شرح السير للسرخسي 1/184، وانظر كذلك البحر الرائق لابن نجيم 5/83.
(130) نيل الأوطار 7/330، وبعض أهل العلم أن من قاتلت لتعين القتال عليها كمن فجأهم العدو فإنه يسهم لها بسهم.
(131) انظر السير 2/279، والطبقات الكبرى لابن سعد 8/413-415، وقد نقلاه عن محمد بن عمر المعروف بالواقدي، قال عنه الذهبي: "جمع فأوعى، وخلط الغث بالسمين، والخرز بالدر الثمين، فاطرحوه لذلك، ومع هذا فلا يستغنى عنه في المغازي وأيام الصحابة وأخبارهم" (السير 9/454)، وفسر عدم الاستغناء عنه بقوله بعدها (9/468) : "وقد تقرر أن الواقدي ضعيف يحتاج إليه في الغزوات والتاريخ وتورد آثاره من غير احتجاج، أما في الفرائض فلاينبغي أن يذكر" ثم ذكر عدم الاعتبار بتوثيق من وثقه.
(132) انظر السير 2/279 وقد ذكره من طريق ابن سعد، وهو عنده في الطبقات 8/413-415، وقد أورده الواقدي في المغازي.
(133) الأم 4/179.
(134) الفتاوى 13/346.
(135) حراسة الفضيلة ص92-93.
(136) عن مقال المفتي حول منتدى جدة الاقتصادي نشر في الشرق الأوسط بتاريخ 21/4/2004م، وغيرها.
(137) شرح النووي على صحيح مسلم 14/151.
(138) فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم 10/245.
(139) تفسير القرطبي 14/227.
(140) فتاوى العلامة محمد بن إبراهيم 10/245-247.
(141) اتفق الأصوليون على أن العموم من عوارض الألفاظ، واختلفوا هل يكون من عوارض المعاني، والصواب أنه يكون كذلك انظر الفتاوى 2/162 ومابعدها لشيخ الإسلام ابن تيمية، وكذلك 20/188، وأيضاً منهاج السنة 2/591، وقد نص بعض الأصليون على أنه إذا نص الشارع على العلة على وجه لايقبل تأويلها فلابد أن يعم الحكم (البحر المحيط للزركشي نقلاً عن أبي إسحاق 7/45).
(142) اللفظ قد يكون عاماً بالعرف أو بالعقل انظر شرح الكوكب المنير ص360.
(143) وبعضهم يجعل فروقاً دقيقة، انظر البحر المحيط 5/125.
(144) وهذا قد يسميه البعض قياس الأولى، انظر في التفريق التقرير والتحبير لابن أمير الحاج 3/222، ولعل القياس الجلي أعم من قياس الأولى عند عامة الأصوليين.
(145) انظر كشف الأسرار، لعبدالعزيز بن أحمد البخاري 2/252.
(146) قال ابن تيمية (الفتاوى 21/207 والكبرى 1/337) : "وكذلك قياس الأولى وإن لم يدل عليه الخطاب، ولكن عرف أنه أولى بالحكم من المنطوق بهذا، فإنكاره من بدع الظاهرية، التي لم يسبقهم بها أحد من السلف".
(147) رواه مسلم 3/1699، وكذلك هو عند الترمذي وقال بعده: حسن صحيح (السنن 5/101)، ورواه غيرهم.
(148) رواه الحاكم في مستدركه من طريق شريك 2/212 وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ورواه أحمد في المسند 5/351، 5/353، 3/357، وكذا رواه الترمذي في السنن 5/101 وقال حسن غريب لانعرفه إلاّ من حديث شريك، ورواه أيضاً أبوداود 2/246 والبيهقي في الكبرى 7/90، وفي الشعب 4/364، وكذلك هناد في الزهد 2/649، وكذلك الطحاوي في شرح معاني الآثار 3/15، وكذلك الروياني في المسند 1/22، وذكر متابعة اسرائيل لشريك في أبي ربيعة، ورواه من طريق حماد بن سلمة ابن أبي شيبة في المصنف 4/7، وقال المقدسي في المختارة بعد أن ذكر طريق حماد بن سلمة اسناده حسن 2/108 ثم ذكر قول الطبراني في الأوسط 1/209 لايروى هذا الحديث عن علي إلاّ بهذا الإسناد تفرد به حماد بن سلمة مختصراً، وأخرجه البزار في مسنده من غير طريق حماد أو شريك وقال: لم نسمعه إلاّ من عباد عن محمد بن فضل، ورواه من طريقه الدارمي 2/386، ورواه الإمام أحمد 1/159، وكذلك في فضائل الصحابة 2/601، وقد حسن العلامة الألباني إسناده في غير موضوع.
(149) صحيح البخاري 5/2300، ومسلم 3/1675.
(150) انظر رسالة العلامة محمد بن إبراهيم في حكم الاختلاط ص4.
(151) خطر مشاركة المرأة للرجل في ميدان عمله، للعلامة ابن باز رحمه الله، وهي في مجموع الفتاوى والمقالات 1/420. ط دار القاسم 1418.
(152) انظر البحر المحيط 8/90.
(153) شعب الإيمان 7/411-412.
(154) صحيح بن خزيمة 3/93، ورواه أيضاً في التوحيد من حديث قتادة عن مورق وقد صحح رفعه الإمام الدارقطني كما في العلل له (5/314)، وقد رواه أيضاً ابن حبان في صحيحه من طريق ابن خزيمة 12/413، وكذلك الهيثمي في موارد الظمآن 1/103، ورواه الترمذي في السنن وقال: حسن غريب (3/476) إلاّ أن المنذري قال في الترغيب والترهيب 1/142: "رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح غريب" وهذا تصحيح من الإمام الترمذي له، ولعله كذلك في بعض نسخ الجامع ومما يؤيده نقله من قبل غير المنذري كالزيلعي في نصب الراية 1/411 وكذلك ابن الهمام في فتح القدير 1/259 وكذلك ابن حجر في الدراية في تخريج أحاديث الهداية 1/123 نقل تصحيحه عنه ويبعد وهم هؤلاء جميعاً، وقد عزاه المنذري في الترغيب والترهيب 1/141 للطبراني في الأوسط وقال رجاله رجال الصحيح، وكذا قال الهيثمي في مجمع الزوائد 2/34 وقال في التي بعدها: رجاله موثوقون، وهو في الأوسط للطبراني 8/101، وفي الكبير 10/108، وقد صحح هذا الحديث الدارقطني والترمذي وابن خزيمة وابن حبان وجوده ابن كثير (التفسير 3/483) والمنذري والهيثمي وغيرهم، والظاهر أنه صحيح وقد خالف هماماً سليمان بن المعتمر فرواه عن قتادة عن أبي الأحوص، ولهذا شك ابن خزيمة في سماع قتادة هذا الحديث خاصة عن مورق، ولعل الصواب صحة سماعه له منه، فالرواي عن قتادة همام، ولئن كان سليمان أجل وأوثق في الجملة فإن هماماً من أوثق الناس في قتادة خاصة، فهو رابع أربعة في قتادة لا يقدم عليه فيه إلاّ ابن أبي عروبة وهشام وشعبة (انظر الكامل 7/129، وتهذيب الكمال 30/306، والجرح والتعديل 9/108 وغيرها)، خاصة إذا حدث عن همام من روى عنه متأخراً لكونه من كتابه، وعمرو بن عاصم من طبقة من رووا عنه أخيراً كعفان بن مسلم وحبان وبهز، ووقد احتج البخاري برواية عمرو بن عاصم عن همام عن قتادة في خمسة مواضع من صحيحه، ويعزز صحة رواية همام أيضاً متابعة سعيد بن بشير وسويد بن إبراهيم –ولعل الصواب فيهما أنهما صالحين للاعتضاد- لها فهو لم يتفرد بها عن قتادة والله أعلم، وقد صح الأثر عن ابن مسعود موقوفاً كذلك، فلعل بعض الرواة مرة رفعه ومرة أخرى وقفه، ومثله إخبار عن غيب لعله لايقال بالرأي والله أعلم.
(155) وكذا جعله من أصله المباركفوري 4/283 ولعله تبع المناوي، ولعله لايلزم أصل معناه بسط الكف فوق الحاجب فهذا يصنع عادة للبعيد، وقد ذكر أهل اللغة أن الشين والراء والفاء أصل يدل على علو وارتفاع، ويقال استشرفت الشيء، إذا رفعت بصرك تنظر إليه.
(156) فيض القدير 6/226.
(157) متفق عليه، رواه البخاري 5/2005، ومسلم 4/1711.
(158) انظر البحر الزخار للمرتضي 4/84.
(159) انظر البحر المحيط للزركشي 7/45.
(160) ينظر شرح الكوكب المنير 2/302، وكذلك كشف الأسرار 2/378، وأيضاً البحر الزخار 1/188، والتقرير والتحبير 2/198، وإعلام الموقعين 3/107، وغير ذلك وهو معروف عند الأصوليين بشتى مذاهبهم.
(161) ممن نتصر له ابن فورك انظر البحر المحيط 7/237، ونحوه قول الغزالي والآمدي وغيرهما انظر البحر الزخار 1/190.
(162) اقتضاء الصراط المستقيم 1/284.
(163) مسلم 4/1883.
(164) تفسير ابن كثير 3/484، ومابعدها.
(165) صحيح مسلم 4/2098 برقم (2742).
(166) فيض القدير 2/179.
(167) فتاوى ابن إبراهيم 10/41.
(168) القصة في صحيح البخاري 5/1957 رقم 4800، وانظر صحيح مسلم 2/1077.
(169) السابق 9/22-23.
(170) رواه البخاري في الصحيح 3/1159رقم (3107)، ومسلم 4/1712 برقم (2174).
(171) 5/321.
(172) انظر تفسير ابن كثير سورة البقرة }ولاتباشروهن وأنتم عاكفون.. { الآية 1/225.
(173) أدب الدنيا والدين ص327.
(174) انظر عمدة القاري 5/321.
(175) أفردت في رسالة مستقلة وهي في مجموع فتاواه رحمه الله 10/35.


---------------------------------

الاختلاط بين الواقع والتشريع 3-1 [2]

الاختلاط بين الواقع والتشريع 3-3 [3]

لتحميل المادة كاملة:-

لحفظ الملف الى جهازك اضغط بالزر الايمن ثم اختر حفظ الهدف باسم [4]

لحفظ الملف الى جهازك اضغط بالزر الايمن ثم اختر حفظ الهدف باسم [5]





article6 [6]
الملخص الاول:
فمن تأمل نصوص الشريعة وجد أنها راعت طبيعة المرأة فلم توجب عليها التكاليف التي يكون فيها بروز ومخالطة للرجال، ومن ذلك إيجاب الجمع والجماعات على الرجال دون النساء

رابط المادة: http://www.almoslim.net/node/82346