نشر في موقع المسلم (http://www.almoslim.net)
أحسن القصص
تم الإنشاء 17/05/2004 - 12:04

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد، فلا نزال مع سورة يوسف، نستلهم منها دروساً، ونأخذ منها عبراً، وموقفنا اليوم مع قوله تعالى: "نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ" (يوسف:3).
ذكر بعض الأدباء أن القصص والأخبار هي "لقاح العقول، ومشكاة الأفهام، وزناد التجارب، ومقياس التيقظ، ومنهاج الاعتبار، وجدد السالك" وهو كذلك، ولهذا كثرت قصص السابقين وأخبار الماضين، في القرآن الكريم، وقد اعتنى القرآن ببيان أخبار الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وقد ساق من أخبار أولي العزم من الرسل ومناظراتهم القطع التي لا تنقضي عجائبها، ولا تنضب فوائدها، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا خص وصْف قصة يوسف في هذه السورة بكونها أحسن القصص؟
للعلماء في ذلك اجتهادات عدة:
فقال بعضهم: سميت أحسن القصص؛ لأنها وردت متكاملة من أولها إلى آخرها في نفس السورة، أما بقية القصص فتذكر في عدة مواضع. قصة موسى -عليه السلام- مثلاً، أشمل موضع ذكرت فيه هو سورة القصص، ومع ذلك فصل فيها في سور أخرى.

وقال آخرون: إنها وصفت بأنها أحسن القصص لاشتمالها على موضوعات متعددة، وأغراض متنوعة، فقد عالجت مسائل تربوية واجتماعية ودعوية وغير ذلك، ولهذا كانت فيها كما قال الله: "آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ" (يوسف: من الآية7)(1).

وذهب بعض أهل المعاني إلى أنها وصفت بذلك؛ لأن كل من ورد فيها كان مآله حسناً وعاقبته طيبة(2) ، فيعقوب رد عليه بصره، وظفر بفلذتي كبده، ويوسف - عليهم السلام - آتاه الله الملك والحكمة وعلمه من تأويل الأحاديث، وإخوته تاب الله عليهم، وحسن حالهم، بل ذكر بعض أهل العلم أن الله اصطفاهم أنبياء، وما فعلوه لا يتعارض مع عصمة الأنبياء؛ لأنهم إنما فعلوا ذلك قبل النبوة، وامرأة العزيز ذكروا لها أخباراً تفيد حسن مآلها، وما جاء في السورة يفيد إقرارها بذنبها، وندمها عليه، وذلك خير، وأهل مصر اجتازوا السبع الشداد، بل كان يأتيهم الناس من أقطارها طلباً لمؤنتهم، وصاحبي السجن أما أحدهما فأسلم ونجا وصار من خاصة الملك، وأما الآخر فدعاه يوسف - عليه السلام - فوافاه أجله وهو مسلم وتلك غنيمة، أما قتله فإن كان بحق فهو كفارة له وإلا فلن يضيع حقه يوم القيامة، وأجره على الله – تعالى-.

ومن أسباب التسمية أن السورة كسائر سور القرآن لها تأثير في حياة الأمم، من عمل بما فيها من مقومات الفوز والنجاح فاز وسعد وآل أمره إلى خير.

وقيل غير ذلك، ومن تعليقات أهل العلم على هذه السورة قول السعدي - رحمه الله - في سبب كونها أحسن القصص: "وذلك لصدقها وسلاسة عبارتها ورونق معانيها"، ثم قال - رحمه الله-: "واعلم أن الله ذكر أنه يقص على رسوله أحسن القصص في هذا الكتاب، ثم ذكر هذه القصة وبسطها، وذكر ما جرى فيها، فعلم بذلك أنها قصة تامة كاملة حسنة، فمن أراد أن يكملها أو يحسنها بما يذكر في الإسرائيليات التي لا يعرف لها سند ولا ناقل وأغلبها كذب، فهو مستدرك على الله، ومكمل لشيء يزعم أنه ناقص، وحسبك بأمر ينتهي إلى هذا الحد قبحاً، فإن تضاعيف هذه السورة قد ملئت في كثير من التفاسير، من الأكاذيب والأمور الشنيعة المناقضة لما قصه الله - تعالى - بشيء كثير.
فعلى العبد أن يفهم عن الله ما قصه، ويدع ما سوى ذلك مما ليس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ينقل"(3).
وإجمالاً فإن قصص القرآن هي أحسن القصص؛ لصدق معانيها، وللحكم العظيمة المشتملة عليها، فضلاً عن التعقيبات القرآنية، والتوجيهات الربانية، المصاحبة لها، ولاشك أن من أحسن قصص القرآن سورة يوسف التي ناسب ذكر هذه الآية في صدرها، ولهذا قال بعض المفسرين(4) قول الله - تعالى-: "إِذْ قَالَ يُوسُفُ..." (يوسف: من الآية4) بدل اشتمال من قوله: "نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ" (يوسف: من الآية3).

المفسرون والإسرائيليات:
بعض المفسرين أعرض عنها جملة وتفصيلاً ونقح تفسيره منها واكتفى بالآثار والأخبار ونقول من سبقه من أهل العلم.
وجمع آخر من المفسرين ذكر بعضها وعلق عليه.
وطائفة أخيرة أسرفت في النقل وأكثرت دونما تعقيب أو تعليق وفيهم بعض أئمة التفسير، فأشكل ذلك على كثير من عامة المسلمين ممن يكتفون بقول من عرف بالعلم، وقد شاعت بذلك كثير من الخرافات منها القصيدة المشهورة المسجلة على الأشرطة التي تروي قصة يوسف وتعج بالأخطاء، وهنا لابد من الإشارة أن كون العالم المعين ذكر شيئاً ليس كافياً حتى نسلم به، ونصر على صحته، فكل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، ولكل جواد كبوة ولكل حسام نبوة، أما من لا يستطيع أن يميز بين الصحيح والسقيم، فعليه أن يلتزم كتب من عرف بالتحقيق وتحري الصحة من أهل العلم.

والأصل في هذه المسألة أن التشريعات والأحكام لا يجوز التماسها في غير آية محكمة، أو سنة ثابتة، أو ما تفرع عنهما مما دلا على حجيته.
فالرجوع إلى الإسرائيليات التماس حكم لا يجوز ولا ينبغي، ومع ذلك فقد أذن لنا في التحديث عن بني إسرائيل فلا حرج، وفي الصحيح: "بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار"، ولعل هذا الإذن جاء بعد تضييق، ولكن ليس المراد بالتحديث العمل بكتبهم، بل أخذ العبر والعظات، والاستفادة مما علمنا صدقه وصوابه، أو حله وجوازه في شرعنا، ولا يخفى أن أخبار الماضين وقصصهم قد تنطوي على فوائد قد يحسن ذكرها في بعض الأحيان، شريطة ألا يتعدى ذلك إلى إحداث تشريع لم يرد في الكتاب أو السنة.

وأخيراً .. قول الله - تعالى-: "وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ" (يوسف: من الآية3) في عقب قوله: "نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ" (يوسف: من الآية3)، فالمقصود بالغفلة هنا: عدم العلم، فمحمد - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يعلم هذه القصة، ونحوها قبل أن يقصها الله عليه في القرآن. وقيل: لم تكن ملتزماً بوحي قبل نزول القرآن، وإن كان - صلى الله عليه وسلم - يتحنث ويتعبد على ملة إبراهيم.

أسأل الله أن يرزقنا الاعتبار من قصص القرآن، وأن يثبت بها قلوبنا، وأن يرزقنا السير على نهج أولئك الصالحين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا وآله وصحبه أجمعين.

____________
(1) انظر تفسير القرطبي للآية 9/120.
(2) السابق.
(3) ونحواً من هذا أشار إليه ابن كثير في التفسير 2/468.
(4) انظر تفسير الآية عند الزمخشري في الكشاف.

article5 [1]
الملخص الاول:
الأخبار هي "لقاح العقول، ومشكاة الأفهام، وزناد التجارب، ومقياس التيقظ، ومنهاج الاعتبار، وجدد السالك" وهو كذلك، ولهذا كثرت قصص السابقين وأخبار الماضين، في القرآن الكريم

رابط المادة: http://www.almoslim.net/node/82324