ياسمينة صالح | 26/7/1429 هـ
لم تكن ظاهرة التنصير في الجزائر أخطر مما هي عليه اليوم، في ظل هذه الفوضى العارمة التي تستفيد منها العديد من الجمعيات المدافعة عن التغريب في البلاد، ولعل إطلاق مصطلح "أبناء فرنسا" على الجزائريين الرافضين للعروبة والتعريب، وللإسلام ( بربطه بالإرهاب) ليسوا مجرد شخص أوشخصين، بل هم عدد من الأشخاص الذين بلا شك لا يشكلون الأكثرية ولكنهم يحتلون مواقع إستراتيجية في البلاد، مما يجعل العملية التغريبية بالنسبة إليهم " ثقافة انفتاح على الخارج" كما يقول بعضهم لتبرير مسألة "تراجع التعريب" على سبيل المثال لا الحصر، وعليه فإن تراجع التعريب جزء لا يتجزأ من القضية، لأن التعريب بالنسبة للجزائر يعني هويتها، وبالنسبة للشعب يعني دينه وقرآنه الذي لا يستطيع ان يقرؤه بلغة فولتير مثلا، أوبلغة أخرى.. لقد تراجع التعريب في السنوات الماضية بشكل رهيب، حتى داخل المؤسسات التي ظاهرها معرب، وباطنها مفرنس أدى بجيل من الجزائريين يكتشف الهوة الخطيرة والكبيرة بين ما هو فطري والمتمثل في ثقافته الحقيقية العربية، وبين ما هو مجسد على شكل ما تقدمه المؤسسات التغريبية منها الإعلامية من برامج تهمش العربية في أعلى درجاتها ، وتصنع منها لغة " عاجزة" وبالتالي تفتح المجال على خصوصا على اللغة وكأنها لغة العلم مع أن التعاطي مع العلوم التقنية أو التكنولوجية لا يكون بالفرنسية ( هذا ان صدقنا أن دفاعهم عن الفرنسية هو لأجل الارتقاء التكنولوجي بالبلاد !) من هنا يمكن أن نفهم أول نقطة في خيوط متشابكة مفادها ان النخبة التي في يدها خيوط القرار هي النخبة المتفرنسة وهي الأقلية في البلاد، ومع ذلك استطاعت أن تمرر سياستها على الجميع، وتحاول خلق حالة من التناقض داخل العربية بربطها بالتطرف والتخلف والإرهاب، فكل معرب هو مشروع إرهابي أو مشروع متطرف على أبعد تقدير.. ! من هنا نفهم أيضا أن الحرب على العربية لم تأت كلها من الخارج وإن كان الخارج دعمها ودافع عنها، وأن " أذيال فرنسا" في الجزائر هم من يكرس هذه الحرب منذ الاستقلال، بحيث ان الحرب سرعان ما أخذت في السبعينات بالتحديد عام 1974 الميلادية شكلا من أشكال الانشقاق بين الهوية الجزائرية المتجذرة من تاريخ الثورة المستمد من ثقافة إسلامية ومن قيم الإسلام معا، عندما حاولت بعض " الجهات" تحريك ما سمي وقتها لأول مرة " بالقضية بالبربرية" التي اتخذت في الثمانيات اسم " الربيع البربري" التي اتخذت طابعا متشددا متمثلا في العصيان الذي وصل إلى حد المطالبة بالانفصال عن الجزائر، والغريب أن الجهات التي قادت هذا العصيان لا تشكل سوى الأقلية أيضا، بحيث أنه من الظلم الاعتقاد أن كل سكان القبائل الكبرى أو الصغرى يريدون " هوية مختلفة عن الهوية الجزائرية" ومن الظلم أيضا التشكيك في إخلاص كل سكان القبائل في قيمهم، بدليل أنه في التسعينات عندما خصصت التلفزة الفرنسية الرسمية (TF1) ميزانية ضخمة للقيام بريبورتاج في منطقة القبائل تحت تسمية " الانفصال" وجدت معارضة من قبل عدد من سكان القبائل الذين تبرئوا مما يجري في المنطقة وأغلبهم كانوا مصرين على أن الجزائر دولتهم جميعا وأن الإسلام دينهم جميعا.