ليسوا سواء بل هم طوائف

أ.د. ناصر العمر  | 29/3/1429

شاعت بين المسلمين -أثناء التعدي الدنمركي على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم- عبارة غير دقيقة اتُّخِذت كشعار، ونصها: "لو عرفوه لأحبوه"، وهذا الشعار طبع في أذهان كثير من المسلمين أن الإشكال مع الغرب جاء من جهة عدم تصورهم أو فهمهم للإسلام ولنبيه صلى الله عليه وسلم، وهذا بلا شك خطأ كبير يكذبه الواقع، وهو مخالف لما بينه لنا ربنا سبحانه وتعالى في نحو قوله: "يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ" [آل عمران:71]، وقوله عز وجل: "الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ" [البقرة:146].
إن كثيراً منهم يعرفون الكتاب، ويعرفون أن ما جاء به القرآن الكريم هو الحق من ربهم ثم يكتمونه حسداً وبغياً، وكثيراً منهم يعلمون أن محمداً هو رسول الله حقاً وصدقاً، ومع ذلك أبوا إلاّ أن يناصبوه العداء في الحاضر، كما ناصبه أسلافهم العداء في الماضي وهم يعلمون، ولهذا أثنى الله على من خالف هواه منهم، وانصاع للحق الذي عرفه، فقال سبحانه: "الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" [الأعراف:157].
وفي قصة إسلام عبد الله بن سلام الحبر البحر -رضي الله عنه- في صحيح البخاري وغيره ما يبين حقيقة العداء بجلاء(1).
وهذه حال النصارى أيضاً، فليسوا بمنأى عن نهج هؤلاء، وقد ثبت عند البخاري وغيره خبر أبي سفيان مع هرقل الروم عظيم النصارى يوم جاءه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه: "فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغُلِّقت، ثم اطَّلَع فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصة حُمُرِ الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غُلِّقت، فلما رأى هرقل نفرتهم وأيس من الإيمان قال: ردوهم علي وقال: إني قلت مقالتي آنفاً أختبر بها شدتكم على دينكم فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل"(2).
فأخطأ من ظن أن سبب العداوة من جميع اليهود والنصارى لنبينا صلى الله عليه وسلم عدم معرفتهم به أو بصدق رسالته.
نعم هو سبب موجود في بعضهم، ولذا فإن هذا السبب لا ينبغي أن يُغفل أو يُهمل، كما لا ينبغي أن يُغالَى فيه ويعمَّم، فإن هذا من دواعي تفاقم الإشكال لا حله، لأن التعميم سيكون حكماً مبنياً على محض الوهم، والحق أن في الغرب خمس طوائف وليس من الصواب التعامل معهم كأنهم طائفة واحدة:
فالطائفة الأولى طائفة المستكبرين المعاندين باطري الحق وغامطي الإسلام، وهذه الطائفة هي التي تتولى كبر محاربة الحق عبر التاريخ، وهي اليوم تؤلب الإعلام، وتوجه الرأي العام ضد الإسلام، ونبيه عليه الصلاة والسلام، فهذه ينبغي أن تخاطب بما يفضح أهلها ويبين تناقضهم، ويظهر للناس حنقهم وحقدهم، وذلك بحسب ما تقتضيه المصلحة وحال الإسلام قوة وضعفاً.
والطائفة الثانية طائفة الجهلة المغرر بهم، وأهلها لا يعرفون عن الإسلام إلاّ ما صَوَّرته الطائفة الأولى، فهؤلاء المساكين ينبغي أن يستنقذهم بنو الإسلام، فيُعَرّفونهم بنبي الثقلين وبدين الحق، ويعرضون عليهم صورته المشرقة في سكينة وهدوء؛ فإن أبوا الانصياع للحق بعدها ألحقوا بالطائفة الأولى. وينبغي التفطن إلى أن طريقة تعريفهم المرضية لا تكون بعرض بعض حقيقة الإسلام وإنكار بعضه أو تعميته، بل يعرض الشرع كاملاً كما هو، وتبين محاسنه ويذاع فضله على شرائعهم وقوانينهم بالحجج والبينات، ولا ينبغي أن يغفل عن الشبه التي يقذف بها ملابسو هؤلاء من الفريق الأول، خاصة مع ذيوعها وتحكم أهلها في كثير من وسائل الإعلام.
ولعل التعريف بالنبي صلى الله عليه وسلم، يشمل أموراً منها:
- التعريف به وعرض أخباره ابتداء.
- تنقية الصورة المشوهة بالشبه الباطلة.
- بيان أخطاء المسلمين ومعالجتها، على المستوى الداخلي والخارجي، فعندما تزوّر ممارسات باسم الإسلام، وتترك أو ويُزعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم جاء بها، ثم لا يوضح بجلاء أن الإسلام من هذا الافتراء براء، فقد يؤدي هذا إلى تشويه صورة الإسلام وصد الناس عنه.
فهذه ثلاثة محاور للتعريف به عليه الصلاة والسلام لا ينبغي أن تغفل، وإلاّ وصلت الرسالة في كثير من الأحيان مبتورة.
أما الطائفة الثالثة فهي بين الأولى والثانية، وهم المعرضون الذين لا يريدون معرفة الحق وتمييزه من الباطل، فيصمون آذانهم ويستغشون ثيابهم، إما لهوى، أو ظلم، أو جهل، وهؤلاء ينبغي أن يُرَغَّبُوا في الإسلام ويُنبَّهوا إلى ضرورة النظر فيه، فإن أعرضوا ألحقوا بالطائفة الأولى كذلك، وتطبيق هذا في طريقة خطابهم، وقد قال نوح عليه السلام على من جعل أصبعه في أذنه واستغشى ثيابه وأصر واستكبر عن الانصياع للحق، بما هو معلوم في سورة نوح.
وأما الطائفة الرابعة فهم المنصفون من الغربيين، الذين عرفوا شيئاً من الإسلام فبانت لهم تعاليمه السمحة، وتشريعاته الحكيمة، وعرفوا شيئاً عن نبينا صلى الله عليه وسلم فعظموه واحترموه، ووقفوا موقف أبي طالب من محمد صلى الله عليه وسلم، وقاموا مقام غيره ممن حمى بعض أهل الإسلام وذب عنهم، وهؤلاء قلة، ولعل منهم -على سبيل المثال- "جوسلين سيزاري" الباحثة الفرنسية، و"روبرت فيسك" الصحافي البريطاني، و"ماركوس بورج" أستاذ علوم الدين في جامعة أوريغون الأمريكية، و"فرانسوا بورجا" الباحث الفرنسي البارز، وكذلك "كارين أرمسترونج" الكاتبة البريطانية والراهبة الكاثوليكية سابقاً، وصاحبة العديد من المؤلفات عن الإسلام والنصرانية واليهودية، وربما كان منهم كذلك الأمير الإنجليزي "تشارلز" بشهادته النادرة التي أسقط فيها صفة التطرف والبغي التي يحاول الإعلام الغربي أن يربطها بالإسلام، إلى جانب دفاعه عن فضل الحضارة الإسلامية على القارة الأوروبية وعلى الحضارة الغربية بصفة عامة. فأمثال هؤلاء ينبغي أن يُعرف لهم فضلهم، وأن يُكافَؤوا عليه، وأن يُحرص على دعوتهم وهدايتهم، فليس هؤلاء كغيرهم من بني جنسهم.
وأما الطائفة الخامسة والأخيرة فهم من أسلم من أهل الغرب، وهؤلاء من الذين أثنى الله عليهم في كتابه، فينبغي أن نكون معينين لمحسنهم، حادبين على مسيئهم، حريصين على هدايته وتوجيهه التوجيه الأمثل.
وموقفنا هذا في التفرقة بين طوائف الغرب المختلفة هو مقتضى الإنصاف الذي علمناه ديننا، فقد بين لنا ربنا سبحانه وتعالى أن أهل الكتاب ليسوا صنفاً واحداً فقال عز وجل: "لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ" [آل عمران:113]، وبين أن ممن بقي منهم على دينه أهل أمانة، ومنهم أهل خيانة فقال سبحانه: "وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا" [آل عمران:75]، فإن سوينا بين هؤلاء وهؤلاء لم نسلم من إفراط أو تفريط، وظلم لهم أو لأنفسنا، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم، فاعتبروا يا دعاة الإسلام.

_______________
(1) ينظر صحيح البخاري 3/72-73 (3911).
(2) البخاري 1/17-18 (7).


  

معالجة دقيقة ،وطرح علمي جاد راق ،ودقةملاحظة يشكر الكاتب عليها ويغفل الناس عنها .
أسأل الله أن يزيدكم رفعة في الدنيا والآخرة ، أسأل الله أن يزيدكم رفعة في الدنيا والآخرة ، أسأل الله أن يزيدكم رفعة في الدنيا والآخرة ... آمـــــــــــــين ,,,,
هكذا الطرح الرائع المتزن , الذي دائما ما عهدناه من فضيلتكم , فلافض فوكم , ولا عاش شانؤوكم .. آميـــــــــن ,,
جزاك الله خير ونفع الله بك الاسلام والمسلمين ياابى بدر
أحسن الله إليك شيخنا الفاضل وجعل ذلك في ميزان حسناتك وجعلك من المخلصين . . وإن مما يميز طرحكم دائما ويجعل القاريء يتقبله بقناعة تامة وارتياح, أنه دائما ما يكون مدعما بالآيات البينات والأحاديث الصحيحات. وهذا وربي هو هدي سلفنا الصالح. أخيرا.... جعلك الله مباركا أينما كنت شيخنا الفاضل.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ايه والله (( ليسوا سواء )) بارك الله لك شيخنا الغالي ورزقك الفردوس الاعلى من الجنة
. أسأل الله ان يجزك خيراً .. ويرفع قدرك في الدراين. .
بارك الله لك شيخناورزقك الفردوس الاعلى من الجنة ..
بارك الله فيك وأسكنك فسيح جناته
جزيت الجنة
جزئت خيرا ياشيخنا ... هذاالموضوع يوضح النظرة البعيدة والمتأنية التي يتميز بها هذا الشيخ
شكر الله مسعاكم
الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ سبحان الله رب ضاره نافعه هم يريدون النيل من النبي محمد عليه الصلاه والسلام ومع هذا يعملون اعمال لكن هذه الاعمال تسهم في نشر الاسلام وهم لايشعرون فقد سمعنا الكثير انهم اسلمو بسبب هذه الافاعيل الكم الكثير فسبحان الله ويريد الله ان يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين
حفظك الله ياشيخنا الفاضل ابنك من ينبع : بدر
حفظك الله ياشيخنا الفاضل
جزاكم الله خيراً ونفع بعلمكم الإسلام والمسلمين
السلام عليكم / جزاك الله خير شيخنا الفاضل ونفع بك وزادك الله من فضله ، شيخنا من هذه العبارات التي يتشدق بها البعض أن الأحكام الشرعية والحدود سبب لنفورهم من الإسلام ومعاداته وايضاً أن الشباب المجاهد سبب لذلك ،وهنا مشكلة ان بعض من ينتسب للعمل ينشر هذه الأقوال ويثبتها بطريقة او أخرى .
جزاك الله خير يا شيخنا الفاضل على هذه الكلمات النافعة و أسأل الله أن يبارك فيما تبذلونه للإسلام و المسلمين إن ربي سميع قريب .
جزاك الله عنا خيرا ووفقك وأعانك
زادكم الله رفعة وعلما وجعلكم نورا يستضاء به في زمن اشتدت فيه المحن
السلام عليكم : جزاكم الله خير ... بس كما قال الأخوان أنه يجب علينا أن نبذل جهدنا في نشر الأسلام في أنحى الأرض في كل مكان بكل الطرق سوا كن بالسفر الى الخارج أو الدعوه عن طريق الأنترنت ..... وهذه الدعوه ليست مهمت الشيوخ فقط أو مهمت ( المطاوعه ) وأسمحولي على الكلم العامهز وأنما هي مهمت كل مسلم . مع تحيات أخوكم : ...... أبو الخطاب ......
جزاك الله خير الجزاء . .
جزاك الله كل خير وبارك لك
السلام عليكم اشكركم على هذا الموقع و احيي الشيخ ناصر السيف من سيوف الله المسلولة لاضهار الحق
جزاك الله خيراورفع قدرك وجمني بك وإخوانناالمسلمين في الفردوس الاعلى من الجنة اللهم آمين
و الله إنك غير عادي يا شيخ ناصر الله يطول عمرك و يحفظك
الله يجزاك خير ويرزقك الجنة ويا ليت المسلمين يتجاوبوا مع الدعوة الى الله بكل همه وينقلوا الصورة الحسنة الصادقة والتي ان شاء الله سوف تؤتي اكلها واتوقع والله اعلم الا يكون هناك طائفة رابعة بل ستضم الى الخامسة بمشيئة الله .
جزاك الله خيرا شيخنا الكريم

  

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><br>

تصفح الموقع عن طريق الجوال RSS  تابع الموقع عن طريق