توقعات بهروب عشوائي أمريكي قريبا من العراق!

جمال عرفة  | 4/11/1427

مع اقتراب قتلي الجيش الأمريكي في العراق من ثلاثة آلاف قتيل بمعدل ألف قتيل تقريبا وفق الأرقام الرسمية ( هناك وثائق نشرت علي الانترنت تؤكد أن العدد بلغ 20 ألف بين قتيل وجريح) ، ومع تصاعد الجدل بين الجمهوريين والديمقراطيين الذين اكتسوا الانتخابات وفازوا بغالبية المقاعد في مجالس النواب والشيوخ وحكام الولايات ، بشأن المدى الزمني لانسحاب القوات الأمريكية ، لم يعد هناك شك في أن انسحاب هذه القوات بات أمرا محسوما .
فالقضية لم تعد ننسحب أم لا ومتي ، ولكنها باتت تدور حول البحث عن مخرج مشرف للانسحاب لا يضرب هيبة الجيش الأمريكي ولا يهدر كرامته فيعود مذموما مدحورا يعاني من أزمة تشبه حرب فيتنام .
ولهذا يري محللون أن فوز الديمقراطيين ربما يوفر للرئيس بوش فرصة الانسحاب بشكل يحفظ ماء وجهه ويظهره علي أنه مجبر نتيجة تغير قواعد اللعبة السياسية في الكونجرس وفقده لأغلبيته البرلمانية ، ويرون أيضا أن سعي بوش للتفاوض مع كبار قادة الكونجرس مؤخرا يأتي في هذا السياق بهدف البحث عن أفضل السبل للانسحاب بما لا يعتبر انتصارا لحركات المقاومة العراقية ، ولا يبدو كهزيمة لأمريكا .
والحقيقة أن هذا الاعتراف الأمريكي بالهزيمة والحاجة للانسحاب من العراق ترتبت عليه نتائج أخري خطيرة منها :
1- أصبحت هناك قناعة لدي أجهزة التخطيط السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية أن الهزيمة الأمريكية في العراق ، ومن قبلها في عواصم عربية أخرى عندما فازت القوي الإسلامية في الانتخابات التي جرت (مصر وفلسطين والمغرب) ، سوف يترتب عليها عجز اليد الأمريكية عن تحريك الشرق الأوسط والمنطقة العربية علي هواها كما كان يحدث سابقا ، وخصوصا بعدما تحدث بوش عن ضرورة وجود "رؤية جديدة" فيما يتعلق بالعراق !.
2- انهار معسكر اليمين الديني المسيحي الإنجيلي المحافظ المتطرف في إدارة بوش ، وظهر أن هذا المعسكر هو الذي تسبب في حالة العداء التي تناصبها العديد من دول العالم للولايات المتحدة ، وتمثل هذا في رمز وزير الدفاع رامسفيلد الذي أقاله الرئيس بوش ، وتحجيم نفوذ الرمز الثاني الأهم لهذا التيار وهو نائب الرئيس ديك تشيني ليصبح تصريف السياسية الأمريكية في عامي بوش المتبقيين في يد الخارجية الأمريكية التي تتعامل مع الأمر بصورة براجماته .
3- ولأهمية الدور الذي يلعبه تشيني والجناح اليميني عموما في إدارة بوش ، يصبح تحجيم دور هذا المسئول الكبير ذي دلالة بالغة .. فعندما استضاف الرئيس بوش اثنين من كبار قياديي الحزب الديمقراطي في مكتبه البيضاوي الأسبوع الماضي في محاولة لإبرام هدنة بين الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري بعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس لوحظ أن بوش تجاهل وجود تشيني تماما حتى أنه قال لرئيسة مجلس النواب المقبلة نانسي بيلوسي والنائب الديمقراطي ستيني هوير : "يدرك ثلاثتنا أهمية التعاون معا من أجل إنجاز الأمور" ، مستبعدا من هذا الحديث فيما يبدو تشيني الذي كان يجلس في ركن الغرفة مهمشا بشكل غير مسبوق .ومع أن الجميع في واشنطن يقول أن الدور علي تشيني بعد استبعاد رامسفيلد فهم يؤكدون أن بوش سوف يهمشه لأنه لا يستطيع المغامرة بعزلة أيضا وإثبات فشل كل المحيطين به .
4- أصبح الاعتراف الأمريكية بمخاطر ما بعد الانسحاب وتحول العراق إلي دولة طائفية وتصاعد احتمالات الحرب الطائفية بين السنة والشيعة خصوصا في ظل وجود مشروع إيراني واضح للعراق "الشيعي" ، أصبح أمرا واقعا تؤكده تقارير الاستخبارات الأمريكية وغيرها ، وأصبح – تبعا لهذا – الحديث عن تنفيذ المشروع الأمريكي في العراق والمنطقة العربية نوعا من الأحلام ، وهو أمر أصبح مجالا للسخرية حيث لم تنجح القوات الأمريكية البالغ تعدادها 140 ألفا، ومعها سبعة آلاف جندي بريطاني و25 ألفا من القوات المتعددة الجنسية، ومئات الآلاف من قوات الأمن العراقية في حفظ الأمن في العراق علي مدار الأعوام الثلاثة الماضية ، ومن الصعب تصور أن ينجح رئيس الوزراء العراقي الحالي في حفظ الأمن – كما يقول – في ستة أشهر !.

اعتراف كامل بالهزيمة
وفي الوقت الذي يؤكد فيه المراقبون أن الأشهر المقبلة سوف تشهد هروبا كبيرا للجيش الأمريكي من العراق بعد خسارة وأن الحديث يدور – كما تقول فرنسا - حول المدة الزمنية التي سيتم من خلالها، وخطط ما بعد الانسحاب ، بدأت الاعترافات الرسمية الأمريكية تنهال معترفة بالهزيمة ، بل وتشير لمخاطر هذه الهزيمة علي السياسية الأمريكية في المنطقة العربية .
فالأمر لم يقتصر علي اعتراف الرئيس بوش نفسه بالحاجة لرؤية جديدة في العراق ، ولا على تصاعد مطالبة الكونجرس بسرعة سحب هؤلاء الجنود قبل أن يتم قتلهم ، ولكنه ظهر في العديد من كتابات المسئولين الرسميين السابقين في صورة دراسات وأبحاث ترصد الخسائر الأمريكية منذ الغزو .
وتعد الدراسة التي نشرها (ريتشارد هاس) مدير تخطيط السياسات الأسبق بوزارة خارجية الولايات المتحدة ورئيس مجلس العلاقات الخارجية حاليا ، والتي نشرت تحت عنوان "الشرق الأوسط الجديد" بمجلة فورين أفيرز Foreign Affairs عدد نوفمبر/ ديسمبر 2006 الحالي من أهم وأخطر هذه الدراسات ، ليس فقط لأن "هاس" هو مهندس نظرية نشر الديمقراطية الأمريكية في الشرق الوسط وفرضها علي العرب والمسلمين ، ولكن لأنها تتحدث من واقع الاستراتيجية الأمريكية الفاشلة في العراق .
وأهمية الدراسة التي كتبها هاس لا تتمثل في الاعتراف فقط بالفشل في كل الشرق الأوسط بما فيه العراق ، ولكن في تأكيدها أنه "مثلما كانت حرب العراق الأولى 1990 التي قامت بها الولايات المتحدة لطرد العراق من الكويت تشكل بداية الحقبة الأمريكية بالشرق الأوسط، مثلما تحولت حرب غزو العراق الثانية التي كانت أيضا اختيارا أمريكيا رسميا ، إلي نهاية لهذه الحقبة الأمريكية وانهيار النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط !!.

فلو تم حساب الأمر من وجهة النظر العسكرية ، يصعب بقاء قوات الاحتلال الأمريكية في العراق بعدما تكبدت خسائر مادية رهيبة وباتت كمن يحارب أشباح وبدرجة أوصلت هذه القوات للقيام بهجمات بالطائرات الحربية علي منازل سكنية في أحياء عراقية مختلفة تشك في أنها تضم مقاومين .
ولو تم حساب الأمر من الناحية المادية ، فلن يسمح الكونجرس الجديد ببقائها خصوصا أن عالم الاقتصاد الأمريكي الشهير جوزيف ستيغليتس Joseph Stiglitz الفائز بجائزة نوبل في الاقتصاد كشف عن أن تكاليف حرب العراق المباشرة ستصل إلي نصف تريليون دولار (500 مليار دولار) إذا بقيت القوات الأمريكية لأربع سنوات قادمة، أما غير المباشرة فستصل إلي تريليوني دولار (2000 مليار) سواء بقيت هذه القوات أو انسحبت الآن .
أما من الناحية الاستراتيجية – التي تركز عليها دراسة (هاس) فالهزيمة في العراق وباقي المنطقة العربية – مع صعود أسهم الإسلاميين وضعف الحكومات العربية – فالأمر أخطر لأن ملامح الحقبة الجديدة للشرق الأوسط تبدو بلا ملامح أو غامضة بالنسبة للسياسية الأمريكية .
فإذا كانت الحقبة الأولي شهدت انهيار الإمبراطورية العثمانية ، والثانية شهدت الهجمة الاستعمارية الغربية للمنطقة ، والثالثة شهدت فترة الحرب الباردة بين الغرب والشرق ، والرابعة شهدت سيطرة أمريكية علي المنطقة العربية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتوجت بحرب العراق الأولي ونشر القواعد الأمريكية في الخليج العربي ، فإن ملامح المرحلة الخامسة للشرق الأوسط الجديد من وجهة نظر هاس لا تختلف كثيرا عما يقوله المحللون العرب من أنها ملامح باهتة .
انتعاش التيار الإسلامي والمقاومة
ومع أن هاس يعترف ضمنا في تصوره لمستقبل هذا الشرق الأوسط الجديد بمخاطر الغزو الأمريكي علي مستقبل العراق الذي يقول أنه سيتحول لدولة طائفية وحروب أهلية قد تنتقل لدول الجوار (الخليج) ، كما ستتحول إيران لقوة إقليمية مهمة ، فهو يعترف أيضا بأن هذه الحقبة ستكون حقبة المقاومة العربية وانتشار الإسلام السياسي في المنطقة العربية .
فعلي حد قوله : "سيملأ الإسلام بصورة متنامية الفراغ السياسي والفكري داخل العالم العربي، وسيوفر أسس الحياة السياسية بالنسبة لغالبية أبناء المنطقة " ، كما ستشهد الفترة الراهنة "تنامي قوة الجيوش الخاصة داخل العراق ولبنان والمناطق الفلسطينية، وستظهر الميليشيات -التي تعد نتاجا وسببا في الوقت نفسه لوجود الدول الضعيفة- في أي مكان به عجز في سلطة الدولة أو قدرتها " .
واللافت هنا أن هاس يعترف بتنامي "قوة المقاومة الإسلامية" في غالبية الدول العربية خصوصا فلسطين والعراق ولبنان ـ على حد قوله ـ ، وصعود أسهم التيار الإسلامي في العالم العربي ، ولكنه يربط بين هذا وبين ما يسميه الأمريكان (الإرهاب) ، ولكن خلاصة رأيه تقول أن الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة خسرت لصالح الإسلاميين .
ويبدو أن أكثر ما يقلق الأمريكان أنهم لا يتوقعون أن ينتهي المخاض بظهور شرق أوسط إسلامي فقط، بل ومنادٍ بديمقراطية حقيقية تنافس خطة بوش لنشر الديمقراطية التي ثبت كذبها، بحيث تأتي بهؤلاء الإسلاميين للسلطة في غالبية الدول العربية والإسلامية بعد تبنيهم للخيار الديمقراطي والفوز في الانتخابات وفق آلية الانتخاب الحر، ومن ثَم تبعات هذه الديمقراطية التي ستعني تلقائيًّا انتهاء دور الحكومات الموالية لأمريكا في المنطقة والتي كانت تعتمد عليها واشنطن للحفاظ على مصالحها الإستراتيجية هناك!.
الفشل في العراق بالنسبة للأمريكان يمثل بالتالي أكبر من هزيمة عسكرية وإستراتيجية ، حيث يمثل هزيمة للمشروع الأمريكي ككل في المنطقة العربية ، والأهم أنه يمثل انهيارا لأفضل الحقب الأمريكية نفوذا ومصالح في منطقة الشرق الأوسط ، وهو انهيار نتج عن أخطاء أمريكية قاتلة ربما للانحياز الأعمى للصهاينة وربما لتجاهل رغبات الشعوب .


  

تقرير ممتاز يبعث الامل فى نفوس المسلمين
نسأل الله أن يتحقق هذا التوقع وتنقشع أمربكا وحلفائها عن بلادنا العربية والإسلامية , وأن يعود للإسلام مجده وأن يرينا الله فى هؤلاء الحاقدين على الإسلام عجائب قدرته أنه ولى ذالك والقادر عليه

  

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><br>

تصفح الموقع عن طريق الجوال RSS  تابع الموقع عن طريق

الوسائل التي تتيح للمستفتين الحصول على الفتوى الفقهية من المرجعيات المعتبرة :

الارشيف