المشهد الأخير لمحكمة صدام حسين وردود الأفعال عليها

معمر الخليل  | 15/10/1427

ترك قرار المحكمة العراقية العليا اليوم الأحد، والقاضي بإعدام (الرئيس العراقي السابق) صدام حسين، آثاراً واسعة في العالم العربي والغربي، بعد أن أنهت المحكمة فصولها الطويلة بدقائق معدودة للنطق بالحكم على صدام حسين، دون أن يكون هناك مجالاً لفريق الدفاع تقديم مرافعاتهم التي وعدتهم بها المحكمة.

المسرحية التي اكتملت فصولها بسرعة ظهر يوم الأحد 5 نوفمبر 2006، بدت محكمة المشاهد، وكأنما أعدت في السابق، عبر سلسلة من الإجراءات الأمنية، ودقائق بسيطة للنطق بالحكم، وردود أفعال رسمية عراقية وأمريكية مباشرة. وأكملتها الوسائل الإعلامية الغربية بشيء من الزخرفة الصحفية، عبر عناوين جسدّت انتصار "العراق الجديد على الدكتاتورية السابق"، ورصد ردود الأفعال الإيجابية على الحدث.

المشهد ما قبل الأخير:
عاشت مدن العراق خلال اليومين الأخيرين طوقاً أمنياً محكماً، انتشرت خلاله دوريات الأمن في كل مكان، وألغيت إجازات الجيش العراقي كاملاً، وأغلق مطار بغداد الدولي أمام الرحلات المغادرة أو القادمة، وخلت أجواء بغداد من الطائرات باستثناء الطائرات العسكرية التي أقلت مسؤولين أمريكيين.
وشهدت بغداد تشديدات أمنية مبالغ فيها، خوفاً من تنفيذ هجمات مسلحة انتقامية، قد تواكب أو تتبع إطلاق الحكم على الرئيس العراقي السابق.

وكثّفت دوريات جيش الاحتلال الأمريكي من مهامها، وطوقّت المنطقة الخضراء التي تضم السفارة الأمريكية والبرلمان ومقر الحكومة العراقية، وكذلك مقر المحكمة التي تنظر في قضية الدجيل ضد صدام حسين وأعوانه.
سياسياً، شهدت الأيام الأخيرة تحركات دبلوماسية إلى العراق، بهدف المشاركة في تقييم الموقف العراقي الرسمي والشعبي من الأحداث، والاتفاق على الترتيبات الأمنية هناك، وضمان عدم حدوث أي مشاكل أو مواجهات سياسية أو إعلامية خلال هذه الفترة بين الحكومة العراقية والأمريكية، من أجل الاستفادة من حدث الحكم على صدام حسين إلى أبعد درجة. توّجها جون نيغروبونتي (الرئيس الأعلى للاستخبارات الأمريكية)، الذي التقى نوري المالكي (رئيس الحكومة العراقية) بعد أن ظهرت بوادر خلاف بينه وبين السفير الأمريكي خليل زاده، قبل يوم واحد من إعلان النطق بالحكم.

النطق بالحكم:

بعد ظهر اليوم الأحد، وبعد تأجيله من 16 أكتوبر إلى الخامس من نوفمبر 2006، استعد القاضي رؤوف عبد الرحمن لجلسة النطق بالحكم على صدام حسين وأعوانه السابقين، على خلفية قضية (الدجيل) التي قتل فيها نحو 148 شخصاً، بعد محاولة اغتيال الرئيس العراقي آنذاك.
ومع بداية الجلسة، بدا القاضي وقد حزم أمره في قضية النطق بالحكم، دون إعطاء أي مجال للجنة المحامين عن صدام حسين، حيث طرد القاضي المحامي الأمريكي رمزي كلارك (عضو لجنة الدفاع عن صدام حسين)، متهماً إياه بالإساءة للشعب العراقي.
كما رفض القاضي مداخلة حاول تقديمها خليل الدليمي (رئيس فريق الدفاع).
واستدعى القاضي أول المتهمين، وهو محمد عزاوي علي (عضو حزب البعث العراقي في الدجيل)، وتلا الحكم الصادر بحقه، وهو تبرئته لعدم كفاية الأدلة، وألغت المحكمة التهمة ضده وأمرت بالإفراج عنه.
ثم استدعى القاضي كلاً من عبدالله كاظم رويد وعلي دايح علي ومزهر عبدالله كاظم رويد، وأصدر القاضي على كل منهم حكماً بالسجن 15 عاماً، وذلك بتهمة ارتكاب القتل العمد والتعذيب.
وبعد ذلك استدعى القاضي طه ياسين رمضان (نائب الرئيس العراقي السابق)، وقرأ الحكم عليه، والذي نص على السجن مدى الحياة، بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وأصدر القاضي أربعة أحكام بالسجن عن أربع تهم بحق طه ياسين رمضان، وتمت تبرئته من تهمة خامسة لعدم كفاية الأدلة، غير أنها استبدلت بالعقوبة الأشد، وهي السجن مدى الحياة.
وبعد قراءة الحكم، طالب رمضان بإلقاء كلمة أمام المحكمة، وطالبه القاضي بأن تكون كلمة مختصرة. وتلا رمضان كلمته التي عبر من خلالها استغرابه للحكم عليه بجريمة ضد الإنسانية، معتبراً أن الحكم لا علاقة له بجلسات المحكمة.
وبعد ذلك تم استدعاء عواد حمد البندر (رئيس محكمة الثورة في عهد صدام)، وبعد محاولة اعتراض من محامي الدفاع، رفضها القاضي، بدأ بتلاوة الحكم بحقه، وكان الحكم بالإعدام شنقاً.
وصرخ البندر بالقول "الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر على الظالمين" بحيث طغى صوته على صوت القاضي.
ثم استدعى القاضي الرئيس العراقي السابق، وبعد أن جلس صدام، طلب منه القاضي الوقوف، فرفض صدام، لكنه عاد فوقف لاحقاً.
وتلا القاضي الحكم بالإعدام شنقاً على صدام، الذي بدأ بمقاطعة الحكم ضده.. وصرخ بصوت عال "الله أكبر.. عاش الشعب.. عاشت الأمة.. يسقط العملاء".

بعد ذلك، استدعى القاضي برزان ابراهيم التكريتي (الأخ غير الشقيق لصدام حسين)، والذي دخل القاعة وهو يصرخ قائلاً: "عاش العراق.. عاشت الأمة".
وتلا القاضي رؤوف الحكم بحق برزان، بالإعدام شنقاً. قبل أن ترفع الجلسة الأخيرة للمحاكمة.

داخل العراق:

كانت الأجهزة الأمنية في العراق على استعداد لإعلان النطق بالإعدام، إذ تؤكد الإجراءات الأمنية الفورية وجود تعليمات حول تشديد الأمن بعد إطلاق الحكم المعروف سلفاً على ما يبدو.
حيث أمرت السلطات العراقية بإغلاق الشوارع، ومنعت السيارات من التحرك، وفرضت حظراً للتجول في عدد من المدن العراقية، من أهمها العاصمة بغداد، ومدينة ديالا وصلاح الدين، التي تضم مدينة تكريت(مسقط رأس صدام حسين).
ورغم ذلك، أتيح لجموع من الشيعة في بغداد والنجف وواسط ومدن أخرى، الخروج إلى الشوارع في مظاهرات مؤيدة للحكم. تم خلالها إطلاق أعيرة نارية في الهواء، فرحاً بالحكم الصادر بحق صدام حسين.
وأحرق البعض صور الرئيس السابق.
في المقابل، منعت السلطات الأمنية مظاهرات مناوئة للحكم. حيث خرج المئات من المواطنين في مدينة تكريت للاعتراض على الحكم، إلا أن الشرطة ورجال الأمن حاولوا تفريق المظاهرة، ومنعوها من إكمال طريقها، وسط تهديد بإطلاق النار على المتظاهرين.
كما خرجت مظاهرة مماثلة أخرى في مدينة (بلد)، ذات الأغلبية السنية.

وتحدثت تقارير إعلامية من داخل العراق، عن مظاهرات عديدة، في أماكن أخرى، بعضها ضد القرار، وبعضها الآخر معه، دون أن يتم الإبلاغ عن حوادث دامية، أو مواجهات مسلحة.

نوري المالكي، أعرب فور النطق بالحكم، عن سعادته لقرار المحكمة، التي وصفها "بالمستقلة"!!
وقال المالكي في كلمة له بعد صدور الحكم، أعرب فيها عن تشفيه للحكم ضد صدام حسين انتصاراً لزعماء شيعة قتلوا في السابق: "إن إعدام صدام حسين هو العقاب العادل على قتله عبدالعزيز البدري والشيخ ناظم العاصي ومحمد باقر الصدر والشهداء (...) من آل الحكيم والشهداء (....) التركمان والآشوكلدانيين"
وأضاف "لقد كنتم تنتظرون اليوم الذي يقف فيه الجلاد أمام المحكمة ليحاسب على جرائمه"، وقال المالكي: "إنه يستغرب مطالبة بعض الدول تعديل الحكم بحق صدام فهم ليسوا قضاة والقضاء العراقي مستقل." على حد وصفه!

من جهته، قال علي الدباغ (المتحدث باسم رئيس الوزراء العراقي): "الحكم كان متوقعاً، وعلى الرغم من الجرائم التي ارتكبت، فإنه أبسط ما ينفذ بحق صدام، ولا توجد عقوبة فوق هذا، لأن حجم الجريمة كان كبيراً."

كذلك رحّب (السفير الأمريكي لدى العراق) زلماي خليل زاد، بقرار المحكمة، حيث أصدر بياناً خاصاً بهذا الشأن، قال فيه: "إن الدكتاتور السابق الذي خشيه الملايين، والذي قتل أبناء شعبه دون عدالة أو رحمة، والذي شن الحروب ضد الدول المجاورة، قدم للعدالة في بلده، وتم تحميله المسؤولية في محكمة شهد فيها مواطنون عاديون"، حسب وصف البيان.

المسؤولون الأمريكيون:
لم يخف المسؤولون الأمريكيون سعادتهم من القرار القضائي الذي تم في ظل الاحتلال الأمريكي للعراق، والذي لم يعد خافياً التوقيت الذي فرضته إدارة الرئيس جورج بوش لإصدار الحكم، والذي يسبق الانتخابات النصفية للكونغرس الأمريكي بيومين.
دان بارتليت (المستشار الرئاسي لجورج بوش) أعلن أن بوش فخور بالقرار القضائي الصادر بحق صدام حسين. واصفاً هذا اليوم بأنه "يوم عظيم للشعب العراقي والسلام العالمي للعراقيين"!
إلا أنه ألمح إلى احتمال حدوث ردات فعل عنيفة من قبل مؤيدي الرئيس العراقي السابق داخل العراق.
وأضاف راتليت بالقول: "إن بوش يعتقد أن الزعماء العراقيين و قوات الأمن الأمريكية والعراقية تستطيع احتواء أي عنف محتمل".
ووعد بارتليت بأن يلقي الرئيس الأمريكي خطاباً حول القرار القضائي العراقي، قبل مغادرته إلى مزرعته في تكساس.
من جهته، رحّب توني سنو (المتحدث باسم البيت الأبيض) بالحكم، قائلاً: "إنه ليوم جيد للشعب العراقي."، وأضاف سنو بالقول: "إن الحكم دليل قاطع على أن هناك قضاء مستقل في العراق، يعمل بصورة نزيهة وصريحة" حسب ادعاءاته.
وفي إشارة إلى التأكيدات بتوقيت الحكم على صدام حسين بما يخدم مصالح الجمهوريين في الانتخابات النصفية داخل الكونغرس، ادعى سنو أن تلك التأكيدات "غير صحيحة" قائلاً: "إنه من الجنون أن يعتقد أحد أن الحكم تم توقيته ليوافق الانتخابات".

وزيرة الخارجية الأمريكية ساهمت بدورها في تقديم الدعم للحكم القضائي على صدام حسين، وقالت: "إنها متفائلة بأن تكون هناك قناعة الآن لدى العراقيين أن حكم القانون يمكن أن ينتصر على الخوف، وأن السعي الهادئ للمحكمة أفضل من الثأر".
وأضافت بالقول: "حكومة الولايات المتحدة والشعب الأمريكي يقدران ويصفقان للعراقيين الشجعان، أولئك المحامين أو المدعين أو القضاة الذين استمروا في العمل بشكل يومي لإقامة حكم القانون والديمقراطية والعدل للعراق".

إلى جانب الولايات المتحدة، صادقت بريطانيا (الشريك في الحرب على العراق) على القرار القضائي، حيث أعربت مارغريت بيكيت (وزيرة الخارجية البريطانية) عن ترحيب بلادها به.
وقالت بيكيت في تعليقها على الحكم: "أرحب بكون صدام حسين والمتهمين الآخرين قد واجهوا العدالة وتمت محاسبتهم على الجرائم التي ارتكبوها."
مضيفة بالقول: "لقد ارتكب نظام صدام حسين جرائم شنيعة وفظيعة، ومن الحق تماماً أن يواجه مرتكبو هذه الجرائم ضد الشعب العراقي العدالة العراقية"، حسب وصفها.

موقف إيران:
كما هو متوقع، اتسم موقف إيران بالترحيب الكبير والحار بقرار المحكمة العراقية الحكم على صدام حسين بالإعدام. حيث شهدت العاصمة الإيرانية احتفالات ومظاهر فرح وبهجة، بعد القرار القضائي.

ورسمياً، أعلن محمد علي حسيني (المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية) خلال مؤتمر صحافي الأحد، أن الإعدام "هو أقل ما يستحقه الرئيس العراقي السابق صدام".
وقال حسيني: "إن الإعدام هو العقوبة الأدنى التي يمكن إصدارها بحق صدام".
وأشار حسيني إلى ما وصفه أنه "جرائم لا إنسانية ومعادية للبشرية ارتكبها صدام وأعوانه ضد الشعب العراقي والشعبين الإيراني والكويتي"، مؤكداً ضرورة إقرار حقوق هذه الشعوب.
وأضاف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بالقول: "رغم أن صدام وأعوانه هم العناصر المنفذة لهذه الجرائم (...) إلا أنه لا ينبغي أن ننسي بأن الدول الغربية قد مهدت لارتكاب هذه الجرائم وذلك بدعمها لصدام".

يذكر أن العراق وإيران دخلتا في حرب طويلة مدتها 9 سنوات، من عام 1980 ولغاية 1988، كانت العراق فيها الخصم اللدود لإيران في جميع المواجهات والمعارك الحربية.

المواقف المناوئة للقرار:

فيما اتخذت أغلب الدول العربية موقف (المتفرج) على القرار القضائي بحق الرئيس العراقي السابق، أعربت دول أوروبية ومنظمات عالمية وقوفها ضد قرار الإعدام.
حيث انتقد (رئيس الوزراء الأسباني) خوسيه لويس ثاباتيرو ضمناً الحكم بالإعدام، مذكراً بأن عقوبة الإعدام غير مطبقة في أوروبا ولا يؤيدها أي بلد في الاتحاد الأوروبي.
وقال ثاباتيرو في مؤتمر صحفي عقب صدور الحكم العراقي: "على صدام حسين أن يتحمل مسؤولية أفعاله شأنه شأن أي قائد سياسي"، موضحاً في الوقت ذاته أنه "من المعروف أن الاتحاد الأوروبي لا يؤيد عقوبة الإعدام."

كما أعلن وزير الخارجية الفرنسي فيليب دوست بلازي أن فرنسا "أخذت علماً" بالحكم بإعدام الرئيس العراقي السابق، وتأمل في ألا يؤدي هذا القرار إلى توترات جديدة في العراق.
وذكر الوزير الفرنسي بموقف فرنسا وموقف الاتحاد الأوروبي عموماً المعارض لعقوبة الإعدام.

كما أبدى مالكوم سمارت (مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمنظمة العفو الدولية "أمنستي") أسفه على الحكم على صدام ومساعديه بالإعدام، معتبراً أن المحكمة لم تكن محايدة، ولم تتخذ خطوات كافية لحماية أمن محامي الدفاع والشهود.
وقال: "لكل فرد الحق في محاكمة عادلة حتى المتهمين بجرائم مثل التي كانت يتهم بها صدام حسين، ولم تكن هذه محاكمة عادلة."

من جانبه، أعرب كل من الإتحاد الأوروبي والمفوضية العليا لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، عن رفضهما لقرار الإعدام.
ودعت المفوضية العليا لحقوق الإنسان، الحكومة العراقية إلى تعليق تنفيذ الحكم بالإعدام، لإتاحة الفرصة للتأكد من توافر كافة الضمانات لحصول (الرئيس العراقي المخلوع) صدام حسين على محاكمة عادلة.
وقالت لويس آربور (المفوض السامي لحقوق الإنسان بالمنظمة الدولية): "التأكد من أن المحاكمة التي جرت لرموز النظام العراقي السابق، كانت في أجواء من العدالة، هو أمر حيوي لضمان نزاهة المحكمة."
وأضافت آربور، والتي كانت ترأس في السابق المحكمة العليا في كندا، قولها: "إنها تحترم حق العراقيين في محاكمة أكبر مسؤول سابق، إذا ما أدين في جرائم ارتكبها بحق شعبه".




  

  

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><br>

تصفح الموقع عن طريق الجوال RSS  تابع الموقع عن طريق

الوسائل التي تتيح للمستفتين الحصول على الفتوى الفقهية من المرجعيات المعتبرة :

الارشيف