هل ستصبح السوق الجزائرية بوابة للتطبيع مع "إسرائيل"؟!
ياسمينة صالح | 28/7/1427
ربما لم يكن يتوقع أحد أن تنشر العديد من الصحف الجزائرية ( سواء الصادرة بالعربية أو بالفرنسية) تقارير خطيرة عن تداول السلع الـ"إسرائيلية" في الأسواق الشعبية الجزائرية، لكن الصحف الصادرة بالعربية استطاعت أن تلفت الانتباه إلى القضية بشكل مغاير، لا يخلو من دق ناقوس الخطر باعتبار أن القانون الجزائري المدني و التجاري يمنع منعا باتا تداول السلع أو العلاقات مع الدول التي لا تربطها علاقة مباشرة و رسمية مع الجزائر! لم يكن الأمر مرتبط بالوضع العربي الراهن و ليس بتعاطف الجزائريين مع اللبنانيين أو مع الفلسطينيين الذين كانت القنابل الصهيونية تعجن فيهم، بل له أبعاد أكبر باعتبار أن الحضور الـ"إسرائيلي" في المغرب العربي اتخذ بعدا خطيرا منذ سنوات قليلة و بالخصوص منذ العامين الأخيرين حين تم الكشف عن وجود نشاط مخابراتي "إسرائيل"ي أمريكي مشترك في دول مغاربية كثيرة، بالخصوص في الدول التي تعرف بتواجد حقيقي لجاليات يهودية على أرضها مثل المغرب و تونس على سبيل المثال لا الحصر، و لعل قضية السيدة التونسية التي ضبطت قبل سنة واعترفت أنها عضو في شبكة استخباراتية تابعة للموساد الـ"إسرائيلي" عرت الكثير من الحقائق الخطيرة و التي ساهم فيها بشكل كبير غض النظر عن الكثير من التجاوزات التي كانت تمارس على مرأى من الجميع في دول مغاربية قانونها يحظر وبشكل واضح التعامل التجاري أو السياسي مع من تسميهم بالدول المعادية، و في الجزائر فإن الدولة المعادية التي لا تجمعها بها علاقة هي "إسرائيل"، و لهذا كان السؤال البديهي هو: كيف وصلت البضائع الصهيونية إلى الأسواق الجزائرية إذن؟ الجزائر واجهة لمغرب عربي جديد! حين أعلنت كونداليسا رايس (وزيرة الخارجية الأمريكية) عن مخاض شرق أوسط جديد، تبادر إلى الذهن المقولة التي قالها رئيس الاستخبارات المركزية الأمريكية السابق عن وجوب تنظيم الأمور في شمال إفريقيا لأجل خلق أوضاع مغايرة ضمن ما سماه "بمغرب عربي جديد" و هي المقولة التي لم تمر مرور الكرم تماما، ربما لأن الوفود الأمريكية تهاطلت على منطقة المغرب العربي في أعلى مستوياتها، و كان ثمة تنافس "كوميدي" بين الدبلوماسية الأمريكية و نظيرتها الفرنسية التي كانت تصل إلى دول المغرب العربي بمجرد مغادرة الوفود الأمريكية، مما جعل صحيفة معروفة بعلمانيتها المتطرفة مثل صحيفة" ليبرتي" الفرانكفونية الصادرة في الجزائر تتكلم عن " التنافس الحر" بين الأمريكيين و الفرنسيين لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في الجزائر، و هي العبارة التي لم ينكرها الدبلوماسيون الجزائريون أنفسهم حين برروا التوافد المبالغ فيه للأمريكيين و الفرنسيين على الجزائر و على دول أخرى مثل المغرب و تونس بأنها " إستراتيجية ربح"! بيد أن الربح لم يكن في النهاية لشعوب المنطقة، إذ بمجرد أن بدأت تظهر حقيقة ما سمي في السنة الماضية ب"إمكانية إقامة قاعدة عسكرية أمريكية" في صحراء الجزائر حتى ظهرت أولى بوادر الخطة التي يراد بها إقناع كل من الجزائر و النيجر و التشاد من جهة و موريتانيا و المغرب من جهة أخرى أن إقامة قاعدة عسكرية " رمزية" في جنوب الساحل لن يكون مضرة للمنطقة، بل على العكس ستكون القاعدة العسكرية الأمريكية" جدار صد" تساهم فيه الإدارة الأمريكية في حماية مناطق افريقية كثيرة من "خطر الإرهابيين" والحد من أي نشاط قد يقوم به تنظيم القاعدة ضد الجزائر أو ضد تونس أو المغرب. و هي "تحذيرات" أرادت إدارة جورج دابليو بوش أن تطلقها لإرهاب الأنظمة المغاربية بتقارير مفبركة، كشفت عن بعضها صحيفة الديلي نيوز الأمريكية المستقلة بتاريخ الخامس من يوليو من السنة الماضية حين نشرت تقريرا عن " الدور المخابراتي الـ"إسرائيلي" في منطقة المغرب العربي" و التقارير المفبركة التي صاغتها "إسرائيل" عن وجود خلايا و شبكات إرهابية نشطة تتحرك من منطقة الساحل الصحراوية و تعبر من هناك إلى وسط إفريقيا و غربها أو العكس، و الحال أن التقارير الملفقة في جلها كانت تنطلي بشكل سهل و مباشر على الأنظمة القائمة التي اعتبرت أن تلك التهديدات بمثابة الحقيقة القائمة بالخصوص في دولة مثل الجزائر عاشت حربا أهلية مسلحة طوال عشرية من الزمن ذهب ضحيتها أكثر من 150 ألف مواطن و آلاف من المفقودين الذين لم يظهر لهم أثر إلى يومنا هذا، زد إلى ذلك تونس التي كان نظامها "يستفيد" بشكل كبير من تلك التقارير المبالغ فيها لمزيد من الانسداد الداخلي و القمع على أعلى درجات ضد الحركات المعارضة في الداخل و بالخصوص الحركات الإسلامية التي لا يقر القانون التونسي مجرد النطق بها ! ما صنعته أمريكا كان نتاج مصالح كبيرة في منطقة المغرب العربي لا تقل خطورة عن تلك التي تريد إقامتها في الشرق الأوسط " الجديد" ولكن في هذه الحالة، فإن الدور الذي لعبته "إسرائيل" في الشمال الإفريقي أنها أرادت أن تكون حاضرة مباشرة خلف الرداء الأمريكي، بالخصوص بعد أن صارت تظهر مباشرة في مناطق عربية أخرى بموجب علاقات دبلوماسية تجمعها بدول عربية مثل الأردن و مصر، على سبيل المثال لا الحصر. الفرق أنها في منطقة الشمال الإفريقي يبدو الأمر مختلفا باعتبار أنها أرادت أن تستخدم جالياتها المتواجدة هناك في المغرب و في تونس لأجل عملية " سلام" مغايرة مع الشعوب المغاربية! أسواق دبلوماسية!! الحقيقة التي لا يتخلف عليها اثنان أن تواجد الجالية اليهودية فاقم العديد من المشاكل في المنطقة، باعتبار أن اليهود عبروا عن ولائهم للكيان الصهيوني في أكثر من مناسبة و بدليل أنهم يمارسون طقوسهم " الطبيعية دينيا و فكريا" في دول مثل تونس و المغرب، و يرسلون مدخراتهم إلى "إسرائيل" عبر البنوك الأجنبية، بينما في الجزائر فثمة آلاف من اليهود يطالبون "بحق العود إلى ديارهم!!!!" و هم يرفعون القضية تلو القضية ضد السلطات الجزائرية لأجل منحهم حق العودة أو تعويضهم بملايين الدولارات على " ما خسروه" إبان انتصار الثورة التحريرية الجزائرية واستقلال الجزائر بعد أكثر من 130 سنة من الاحتلال الفرنسي. هؤلاء بمساندة مباشرة من فرنسا يحاولون فرض خيار العودة أو التعويضات و بعضهم عاد إلى الجزائر فعلا بجواز سفر أجنبي (فرنسي أو أوروبي) و حول تجارته إلى الجزائر و أكثر من ذلك أسس شبكات للتهريب و التزوير (تزوير العملات و جوازات السفر و بطاقات الهوية أيضا) كما كشفت عنه صحيفة" الحوادث" في تحقيق جاء فيه أن شبكات نشطة في الجزائر يديرها بعض اليهود الحاملين لجنسيات أجنبية يؤسسون حركات "تجارية" يتداولون فيها السلع المختلفة سواء تلك التي يتم إحضارها من فرنسا أو من المغرب أو من الجزائر نفسها و تنشط تلك الشبكات في الغرب الجزائري و في أقصى الغرب تحديدا بين الحدود الجزائرية المغربية، و الحال أن ذلك الحضور انكشف في الفترة الأخيرة على شكل قنبلة فجرتها الصحف المحلية الجزائرية كشفت عن وجود شبكة منظمة تجلب السلع الـ"إسرائيلية" لتسويقها في دول مغاربية ومنها الجزائر بالرغم من أن قوانين التعامل التجاري الصادرة عن وزارة التجارة تمنع منعا باتا تداول السلع التي تحمل "اسم" دولة لا تجمعها بالجزائر علاقة دبلوماسية، فما بالك بدولة يعتبرها القانون الجزائري ( و الشعب الجزائري بأسره) بأنها دولة ظالمة و معتدية و إرهابية؟ ما كشفته الصحف الجزائرية عن الأسواق الشعبية التي تبيع سلعا "إسرائيلية" في مدن الغرب الجزائري، و في مدينة قسنطينة في الشرق الجزائري لم يكن صدفة و لا مزايدة بقدر ما كان واقعا تعرى في النهاية على هذا الشكل من الإسقاط الفظيع في غياب الرقابة التجارية، و الحال أنه في تونس تم قبل عام تقريبا ضبط شبكة ترأسها امرأة اعترفت أنها تشتغل مع الموساد الـ"إسرائيلي" بموجب ما كانت تحصل عليه من "فوائد و عائدات" في تجارتها التي فتحتها في دول مشرقية منها لبنان و فلسطين والأردن و قد تم ذكر لأول مرة عن خيوط شبكة تهريب بضائع من الشمال إلى الوسط الإفريقي عبر دول المغرب العربي، و هي سلع "إسرائيلية" يراد بيعها مباشرة لدول افريقية كسلع "أجنبية" مع أنها تحلم اسم "إسرائيل" و كتابات باللغة العبرية على الظهر و قد ذهبت بعض الصحف إلى حد التأكيد على أن بعض الألبسة مصنوعة بشكل مشبوه، بالخصوص البنطلونات الرجالية التي تفوح منها روائح غريبة، و ألبسة داخلية كشفت صحيفة" الواجب" المغربية التي تصدر على شكل" بلوك" على أنها مصنوعة من مادة تبعث على الخمول و الكسل حسب ما جاء في تقرير لأحد الخبراء البلجيكيين المنشور في نفس الصحيفة المغربية. ما نريد الوصول إليه هو أن السوق الجزائرية صار اليوم مفتوحا بلا وازع و لا رقيب للسلع الـ"إسرائيلية"، و أن الدولة التي تحارب " المضاربة" على المستوى الضيق نسيت أن تراقب السوق التي صارت واجهة لما سمي في التسعينات باسم " الانفتاح على الآخر" بيد أن الآخر هذه المرة هو الكيان الصهيوني بكل بشاعته التي يعرفها القاصي والداني، و بكل جبروته غير الإنساني و الذي جعل أكثر من 97% من أطفال الجزائر يعتبرون "إسرائيل" وحش مسعور حسب سبر للآراء ذكرته الإذاعة الرسمية الجزائرية بمناسبة حملات التضامن مع الشعبين اللبناني و الفلسطيني. المشكلة القائمة تكمن في كيف يمكن وضع حد لكل هذا الانفلات الحاصل و الذي تحاول "إسرائيل" أن تسده بشكل مباشر و غير مباشر ( عبر حلفائها الأمريكيين و حتى الفرنسيين و الأوروبيين). لهذا ليس من الغريب أن يشعر الجزائريون بالخوف لرؤية قميص مكتوب عليه كلمات باللغة العبرية في واقع يموت فيه الفلسطينيون و اللبنانيون بكل الطرق و أمام مرأى الجميع العالم الذي يعتبر جبروت "إسرائيل" وإفسادها في الأرض "دفاعا عن النفس"!