الجزائر ومسألة المفقودين تعود إلى السطح

بقلم: ياسمينة صالح  | 23/6/1427

عودة الحديث عن المفقودين في الجزائر لم يكن وليد المصادفة، بقدر ما هو واقع بعينه بالرغم من أن قانون المصالحة الوطنية يوحي بشكل مباشر إلى عدم " المتابعة القضائية" لأي شخص "أخطأ" لأنه يدخل ضمنيا في إطار الوئام المدني، أي يدخل في أولئك الذين قبلوا ببنود المصالحة التي تعكس في النهاية العبارة التي تقول "عفا الله عما سلف".. و في الحقيقة فان عدد المفقودين ليس واحد و لا عشرة و لا مئة، بل يتجاوز عددهم الآلاف من الذين ما تزال أسرهم تبحث عن الحقيقة فيما يخص مصيرهم، بالرغم من أن الجميع يدرك أن هؤلاء تعرضوا للإعدام في واقع كانت تعيش فيه الجزائر ظروفاً أمنية خطيرة اتفق الجميع على تسميتها بالحرب الأهلية.
ـ مرجعية تاريخية:
من البديهي في الجزائر ربط مرحلة التعددية السياسية بأحداث أكتوبر من سنة 1988 الميلادية، حين انتفض آلاف الجزائريين رافضين الوضع الاجتماعي المزري الذي أحالهم على الفقر والتهميش و البطالة في دولة نفطية كانت إيراداتها من بين أهم الإيرادات في إفريقيا.. صحيح أنه من وجهة النظر السياسية فإن جزء كبير من تلك الإيرادات كان يذهب سدادا للديون الجزائرية، ولكن الذي بدا غير معترف به من قبل الشعب أن تلك الديون لم تنقص على مر السنوات، بل و تضاربت الأرقام الرسمية حولها مما أنتج حالة من الشك ومن عدم الثقة في السلطة التي كانت تتعامل مع الأزمات الداخلية بنفس الطريقة الـ"الكلونيالية" التي تعد الشعب رقيقا لا يحق له المجادلة في أمور البلاد. لكن أحداث الرابع من أكتوبر من سنة 1988 الميلادية استطاعت و لأول مرة منذ الاستقلال الجزائري أن تعيد بعض الأمور إلى الواجهة بان ثمة وضع اجتماعي من الصعب السكوت عنه في واقع كان فيه أكثر من ربع الشباب الجزائري بلا عمل، و في وقت كان فيه التسرب المدرسي السنوي يستقبل الآلاف من العاطلين يوميا أيضا.. و الحال أنه حين قررت السلطة أن "تعترف" بحقوق الجزائريين، اختارت اللجوء إلى التعددية الحزبية التي فتحت المجال للعديد من الأحزاب التي بعضها حمل الكارثة إلى الجزائر، بالخصوص تلك الأحزاب التي تحولت إلى بوق بكل ما تحمله الكلمة من حقيقة، بحيث أن بعض تلك الأحزاب لم تكن تخجل على دمها حين كانت تسمي نفسها بـ" حزب فرنسا في الجزائر" كتعبير يؤكد ذلك الوجود الاحتلالي الجديد الذي صنع واقعا آخر داخل الواقع الأصعب.. لكن في الوقت نفسه، تولدت في الجزائر و بشكل صريح أحزاب إسلامية أيضا، ربما أهمها الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي استطاعت و في ظرف زمني قصير أن تتحول إلى الحزب السياسي الأهم في البلاد، ربما لأن الجبهة الإسلامية انطلقت من عمق الشوارع الشعبية الجزائرية، و تعاطت لأول مرة مع هموم الجزائريين، و استقطبت الشباب الذين اكتشفوا أنهم عاشوا مراحل تغريبية كثيرة كانت تفرضها الوقائع السياسية غير الآبهة بما آل إليه الشعب، و التي كانت تهتم فقط بالنخبة التي تؤسس الدولة بكل ما تعنيه من تناقض و من ابتعاد عن البسطاء. ربما لأن الجزائر كانت في الحقيقة أثنان، واحدة يسكن فيها أولئك الذين ينظرون إلى الناس من شرفاتهم العالية، ولايحتكون بأوجاع البسطاء كأنهم يخافون على نفسهم من العدوى! كانوا هم الذين تسلط الأضواء عليهم، ليتكلموا عن البلاد بلغة أخرى و بطريقة أخرى بعيدة عن الواقع اليومي، و في الجهة الأخرى كانت الجزائر العميقة المتجسدة في الأحياء الشعبية الأكثر فقرا والتي يكتظ فيها كل أنواع الإحباط اليومي، و الإحساس بالتهميش وبالظلم و العزلة التي فـُرضت عليهم كي لا يراهم أحد! تلك الجزائر العميقة هي التي خرجت إلى الضوء لأول مرة في انتفاضة الشباب عام 1988، و خرجت إلى الضوء ثانية في انتخابات سنة 1992 الميلادية، حين فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بها، لأول مرة في تاريخ البلاد و هو الأمر الذي صدم أولئك الذين راحوا يعقدون الندوات الصحفية في الخارج لقرع أجراس الخطر قصد تخويف الجزائريين من "خطر الإسلام" على البلاد، و أن لم تنجح تلك الأبواق في بدايتها إلا أنها نجحت في الأخير في تحويل الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى "غول هلامي" صارت تتحدث عنه وسائل الإعلام الفرانكفونية كعدو رقم واحد للجزائر و للمغرب العربي ولشمال إفريقيا و جنوب أوروبا! فجأة تغيرت مجرى الحرب، وتحول الإسلام كله إلى شبهة ضد الجزائريين، حين تحولت الصحف الفرنسية إلى "المتباكية" على ما آل إليه الجزائري " المسكين"، و ما آلت إليه المرأة الجزائرية التي ستمنعها الجبهة الإسلامية من التعليم و من العمل و من "الاختلاط"!! أكثر من 25 حركة سياسية بعضها اجتماعية و بعضها سياسية توحدت لأجل إيقاف زحف الإسلاميين في البلاد، ربما لأن الشعب انحاز إلى الجبهة الإسلامية عن قناعة أنها تعكس تطلعاته، و هو الأمر الذي أزعج أيضا السلطات الرسمية التي بضغط رهيب من فرنسا قررت إلغاء نتائج الانتخابات كأخطر إجراء غير ديمقراطي تتخذه السلطات في وقت كانت تتكلم فيه عن "الشرعية القانونية".. و أن كان نقص الخبرة لدى زعماء الجبهة الإسلامية للإنقاذ قد سهل في العديد من الأخطاء التي جرهم إليها النظام و الأحزاب الـ"ديمقراطية"، إلا أن قرار حل الحزب الإسلامي كان من أخطر القرارات التي انبثق عنه كل العنف الذي اجترته البلاد طوال أكثر من عشرة أعوام من الفوضى.
ـ الإرث الثقيل!
من منظور تاريخي و حتى قانوني فإن الذين تسببوا في أعمال العنف هم ضمينا أولئك الذين رفضوا كل حوار مع الآخرين.. السلطة نفسها رفضت الحوار حين قررت حل الجبهة الإسلامية للإنقاذ، و بالتالي كان ذلك خطأ فادحا استغله الكثير من المتربصين لأجل التسويق للإرهاب، و بالتالي للعنف المسلح الأشد فتكا. لكن الذين دفعوا الثمن كانوا من البسطاء أيضا، و من الفقراء الذين فقدوا ما تبقى من أمل في دولة شبه منهارة في ظل سياسات غير جدية و لامسؤولة كانت توحي أن الأمر لن ينتهي. ففي ظرف سنوات قليلة حكم البلاد أكثر من "حاكم" دون العودة إلى الشعب.. حتى الجنرالات حكموا البلاد بطريقتهم، و كان الغريب أن تصدر كتب أشبه بالاعترافات توجه الاتهام المباشر إلى المؤسسة العسكرية بأنها مارست الإرهاب ضد المدنيين الجزائريين قصد اتهام الإسلاميين بذلك فيما بعد.. كان كتاب " الحرب القذرة" مثلا الذي ألفه ضابط سابق في الجيش الجزائري أشبه بالإدانة الخطيرة للجيش، والغريب أن الكتاب صدر بالفرنسية و في فرنسا التي تسببت أساسا في قطع الطريق أمام الإسلاميين و تسببت في "تشجيع" الجيش على إيقاف مسار الانتخابات عام 1992 الميلادية.. فرنسا التي آوت كل الذين صاروا ينهشون في لحم البلاد من على أرضها.. ثم كان الكتاب الثاني الذي اعتبره أكثر من ملاحظ سياسي بأنه أخطر كتاب صدر من تأليف ضابط آخر في الجيش الجزائري اسمه "محمد سمراوي" عنوان الكتاب "سنوات الدم" و الذي احتوى على معلومات اهتز لها الرأي العام الجزائري والتي تحكي عن تورط جهاز المخابرات الجزائرية و الفرنسية في عمليات كثيرة داخل و خارج البلاد، عمليات من ضمنها الاختطاف و التعذيب و الإعدام أيضا. بيد أن عمليات الاختطاف كانت هي التي زادت من الرعب اليومي، ربما لأنها صنعت اليوم ملفا ثقيلا اسمه: ملف المفقودين الجزائريين، و الذين يشكلون اليوم أخطر مساءلة تواجهها الجزائر، بالرغم من أن بنود المصالحة ركزت على "غلق" الملف، و لكن عائلات المفقودين ترفض غلقه، و تصر على معرفة الحقيقة و بالخصوص الرد على السؤال الأهم: من الذي خطف هؤلاء؟
التاريخ لا ينسى!
نظرة سريعة إلى قائمة المفقودين المنشورة على مواقع جزائرية كثيرة عبر الانترنت توحي بان المفقودين جلهم لم يكن سياسيا، بل كان مواطنا بسيطا، و تتراوح أعمارهم بين 15 و 66 سنة و أحياناً أكثر، اختطف أغلبهم من بيوتهم و لم يظهر لهم أثر، بينما الحقيقة الأخرى هي أن ثمة مفقودين الذين كانوا ضمن الجبهة الإسلامية للإنقاذ، و ثمة مفقودين آخرين اختفوا في ظروف غامضة و لم تكن لهم نشاطات سياسية أو حزبية مع أي حزب.. كما أن المواقع الجزائرية التي تنشط في إطار البحث عن الحقيقة تؤكد أن عدد ضحايا الحرب الأهلية يقارب الـ170 ألف ضحية وعدد المفقودين يزيد عن العشرين ألف مفقود، بينما السلطة تعد هذه الأرقام مبالغ فيها! بيد أن عودة ملف المفقودين إلى السطح يحرج كثيرا السلطة الجزائرية اليوم، ليس لأن الملف شائك، بل لأنه سيعيد السؤال الذي حاولت الدولة تجنبه و الذي مفاده: من تسبب في الحرب الأهلية التي حصدت الأخضر و اليابس في البلاد، و هو السؤال الذي يجر آليا أسئلة أخطر بالخصوص المتعلقة بالأغنياء الجدد الذين جمعوا ثرواتهم بالطرق غير الشرعية و يحاولون اليوم التحكم "رسميا" في عباد الله و ملفات أخرى مرتبطة بالرشوة و المحسوبية و الانهيار الأخلاقي الذي صنع من أكبر دولة بترولية في إفريقيا إلى أكبر دولة في نسبة البطالة و الفقر و التسرب المدرسي و غياب العدالة الاجتماعية و الظلم و التهميش و ما إلى ذلك من آفات كبيرة تهدد فعلاً كيان الجزائريين و تعيدهم إلى النقطة الصفر التي حاولت فرنسا تكريسها و هي صياغة الرؤية السياسية وفق رؤية الإقطاعيين الذين يتحكمون في خيرات و ثروات البلاد "بالقوة و بالقانون"!


  

  

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><br>

تصفح الموقع عن طريق الجوال RSS  تابع الموقع عن طريق

الوسائل التي تتيح للمستفتين الحصول على الفتوى الفقهية من المرجعيات المعتبرة :

الارشيف