جماعة الإخوان بفوزها بـ88 مقعداً في الانتخابات البرلمانية في مصر 2005 تكون قد أحدثت أو قامت بانقلاب تاريخي سياسيا وذلك على ضوء تاريخها السياسي والبرلماني بصفة خاصة. والتاريخ يحدثنا عن انقلابات كثيرة شهدها الإخوان إن داخليا أو خارجيا؛ فمنذ وفاة الإمام حسن البنا _رحمه الله_ في نهاية الأربعينات وجماعة الإخوان المسلمين تمر بانقلابات داخلية وتنفذ ضدها انقلابات خارجية لاسيما في مصر مركز الإخوان الرئيس ومقرهم القيادي. بداية زلزلت وفاة الإمام حسن البنا أركان الجماعة, حيث ظهر فريق ينادى بقوة حتمية إلغاء التنظيم السري, وظل هذا الفريق مصراً على سعيه ذاك برغم ما اعتراه في الطريق من مواجهات داخلية كبيرة إلى أن حقق ما كان يصبو إليه, وحفظ لنا التاريخ ذلك كأقوى انقلاب داخلي مر بالجماعة منذ نشأتها. ثم كان انقلاب الضباط الخارجي على الإخوان الذين مدوا للضباط يد المساعدة في تنفيذ انقلاب 23 يوليو, وهذا أيضاً كان من الانقلابات الخطيرة والمفجعة والدموية على الإخوان؛ فقد ألقي بعشرات الآلاف من الإخوان في غياهب السجون ولاقوا من التعذيب والقهر والقتل الكثير, ما ترك آثاراً على الجماعة تنظيمياً مثلما تركها على أجسادهم. ثم كان انقلاب بعض قيادات الإخوان على الأستاذ سيد قطب رحمه الله ومن معه من الشباب داخل السجن والمعتقلات, وهو ثاني انقلاب داخلي يتعرض له الإخوان.. ويلاحظ أن الذي قاد الانقلابين الداخليين هو الأستاذ حسن الهضيبى ـ رحمه الله ـ, الذي وثق انقلابه الثاني ـ خلافاً للأول ـ بكتاب ألفه من داخل السجن أسماه "دعاة لا قضاة". وقد كان الانقلاب الأول خارج السجون فيما كان الثاني داخله, وهو ما قد أدى لتشكيل بعض الجماعات بالترافق معه, مثل تنظيم "القطبيين" نسبة للمفكرين الشقيقين سيد ومحمد قطب. ثم شهدت الجماعة انقلاب السادات على مراكز القوى الناصرية في بداية السبعينات، وهو الانقلاب الذي حصد الإخوان من خلاله نتائج جيدة, منها خروجهم من السجون والمعتقلات, وعودة وجودهم مرة ثانية في الشارع المصري دعوياً وتنظيمياً بعد أن تم محو وجودهم الظاهري تقريباً في المدة الناصرية خاصة في الستينات تماماً, وانتشرت دعوة الإخوان كما لم تنتشر من قبل, ويحسب لمدة السبعينات أنها كانت الفترة الأهم لانتشار دعوة الإخوان عالمياً وليس على مستوى مصر فقط 0 وشهد الإخوان في هذه السنوات انقلاب تنظيم الجهاد الأول على السادات فيما سمي بعملية الفنية العسكرية عام 1974م، التي عارضها الإخوان، ووقفوا بجانب السادات منكرين على من قام بها, ومعلنين بكل وضوح وقوة أن سبيلهم للتغيير يمر فقط عبر المنهج الإصلاحي السياسي وليس العسكري. ومضت الجماعة تشق طريقها بقوة لافتة، ولكننا نلحظ هنا أنه في تلك المرحلة انصرفت جماعة الإخوان عن دخول معترك الحياة النيابية في مدة السبعينات، ومع ذلك فالرئيس السادات ما لبث أن انقلب على الجميع في نهاية السبعينات بعد معاهدة كامب دافيد مع العدو الصهيوني سيئة السمعة, وقد كان الإخوان من أوائل من انقلب عليهم وزج بمعظم قيادتهم في المعتقل فيما سمي بقرارات التحفظ. ثم شهد الإخوان وهم معتقلون الانقلاب الخطير الثاني والأقوى لتنظيم الجهاد على السادات وقيام التنظيم باغتياله في حادثة المنصة الشهيرة وحدوث اضطراب للأحوال في مصر, ثم قام الرئيس مبارك بإخراجهم من السجون تباعاً ومضت دعوتهم وتنظيمهم يشق طريقه بقوة غير أنهم هذه المرة لم يجدوا أنفسهم منفردين في الساحة مثلما كان الحال من قبل لدى خروجهم من المعتقلات, حيث نشط التيار السلفي أيضاً في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات, والذي كان موجوداً قبل اعتقال نشطائهم، لكنه لم يكن بهذا الزخم والقوة التي بدا عليها في الثمانينات. وقد حوى هذا التيار في داخله تيارات متناقضة مثل الجماعة الإسلامية والجهاد والجماعات السلفية المتعددة. وفى منتصف الثمانينات شرعت جماعة الإخوان في خوض المعركة النيابية, والتي جرت في العام 84 وتحالفوا فيها مع حزب الوفد عدوهم اللدود تاريخيا سابقا. ثم كان الانقلاب البرلماني الأبيض الأول والأصغر للإخوان عام 87 مقارنة بما حد ث عام 2005م، حيث دخلوا البرلمان عام 87 بـ37 نائباً إخوانياً كانوا من أهم القيادات النشطة والمعروفة في الإخوان، وكان ذلك تحت لافتة التحالف الإسلامي الذي ضم حزب العمل والأحرار وتميز أداؤهم البرلماني في هذه الدورة البرلمانية بالنشاط وأحدثوا ضجيجا وصخبا سياسيا قويا ملحوظا, غير أنهم كانوا لا يرغبون في مصادمة الرئيس المصري، ودأبوا على إعلان تأييدهم أكثر من مرة للرئيس مبارك في الانتخابات الرئاسية. ولم تلبث هذه السنون القليلة أن انقضت وثارت العواصف في وجه التيار الإسلامي في مصر؛ فقد اندلع صراع مسلح خطير بين الحكومة المصرية والجماعة الإسلامية والجهاد نتجت عنه آثار كثيرة متعددة الأوجه سواء على الحياة السياسية في مصر أو على الدعوة والتيار الإسلامي برمته, فقد اختفت مظاهر الدعوة الإسلامية التي كان يقودها بقوة التيار الإسلامي, وأشرعت الأبواب للمحاكم العسكرية ضد الجماعة الإسلامية والجهاد, وزج بالآلاف في المعتقلات نتيجة الصراع المسلح والعمليات العسكرية, وظن الإخوان المسلمون أنهم بمنأى عن تداعيات تلك المعركة، حيث منهجهم وسلوكهم معروف, غير أنهم فوجئوا بانقلاب الدولة عليهم أيضاً عام 1995م، والزج بكثير من قياداتهم في أول محكمة عسكرية لهم ـ بعد ثلاثين عاماً من آخر محاكمة عسكرية لمجموعة منهم يتقدمهم الأستاذ سيد قطب بعد أن كادوا ينسونها ـ, وانهمرت المحاكمات على رؤوس الإخوان حتى بلغت نحو خمس محاكمات لنحو مائة وعشرين متهماً تقريباً حتى عام 2001م (آخر محاكمة عسكرية للإخوان)00 وكانت تلك المحاكمات أيضاً انقلاباً من الدولة على الإخوان غير متوقع، حيث كانوا يدينون كل أعمال العنف والصراع المسلح للجماعات, وإن أتت الأحكام الصادرة ضدهم مخففة مقارنة بما حدث على الطرف الآخر, حيث نال أعضاء الجهاد والجماعة الإسلامية ما يقرب من أربعين محاكمة عسكرية وأمن دولة طوارئ لقريب من ألف وخمسمائة متهم, حكم على كثير منهم بأحكام قاسية ما بين الإعدام والمؤبد. وفى نفس العام 1995م شهدت جماعة الإخوان المسلمين انقلاباً داخلياً خطيراً بانشقاق مجموعة من أهم كوادرها وقياداتها الذين قامت بتربيتهم وإعدادهم منذ السبعينات, حين انشقوا أو انقلبوا على الإخوان تحت مسمى حزب الوسط, وقد كان انقلاباً مدوياً ترك آثاره على الجماعة حتى الآن وما زالت أصداء معاركه التي تدور الآن تتردد في الصحف المصرية والفضائيات بين (المرشد العام للإخوان) الأستاذ محمد مهدي عاكف والمهندس أبو العلا ماضي (رئيس حزب الوسط تحت التأسيس)0 وفى العام 2005م شهدت مصر حالة حراك سياسي, وتبدل في شكل منظومة العمل السياسي, ونشط الإخوان كما لم ينشطوا من قبل, وشهدت حالة الحراك تلك تفاعلاً ونشاطاً لمختلف القوى السياسية, غير أن الإخوان لم يدعو الفرصة تفلت من بين أيديهم؛ فخرجوا منفذين مظاهرات تحت قيادتهم لم تشهدها مصر, ولم يقم بها الإخوان منذ سنوات طويلة, وجرت المظاهرات تحت لافتة المطالبة بالإصلاح السياسي, وبدا أن للمظاهرات الإخوانية مراميها البعيدة، حيث عمد الإخوان من خلالها إلى الآتي: 1- القفز على حالة الحراك السياسي التي شهدت بزوغ نشاط حركة كفاية وقوى سياسية أخرى فأثبت الإخوان من خلال تلك المظاهرات أنهم أقوى من الجميع. 2- التفاعل مع الشارع والجماهير وإنعاش ذاكرتهم بقوة وجود الإخوان المسلمين. 3- إرسال رسالة عاجلة واضحة للحكومة المصرية بقوة الإخوان ورسالة إلى الأمريكيين بأنهم هم التيار الإسلامي السياسي المعتدل الديمقراطي خلافاً للتيار الأصولي الذي يخشاه الأمريكيون, وذلك إذا ما رغبوا في الحوار أو السماح للجماعة بدخول اللعبة الديمقراطية.. وقد وصلت الرسائل للجميع واستلموها بـ"علم الوصول" ومن هنا تحرك الإخوان لتنفيذ أكبر انقلاب سياسي لهم في الحياة السياسية المصرية عبر انتخابات برلمان2005م التي كان يطمح الإخوان من خلالها إلى نيل خمسين مقعداً برلمانياً, ولكن الأرض كانت مهيأة من خلال الضغط الأمريكي المثير لقضية الحريات السياسية لكل القوى السياسية بما فيها "الإسلام المعتدل" وفق ما يراه الأمريكان متمثل في الإخوان, والرغبة الحكومية في إتاحة المجال لعبور الإخوان للبرلمان, وفراغ الحالة السياسية المصرية من قوة لها نشاط جماهيري غير الإخوان, فاخترق الإخوان سور البرلمان المصري بـ 88 نائباً إخوانياً برغم الحرب الإعلامية العلمانية والمعوقات الحكومية التي كانت ترغب فقط في الحد من قدرة الإخوان لا منعهم تماماً, غير أن الإخوان كانوا مستعدين لهذا الانقلاب الأبيض بكل الإمكانيات البشرية والمادية؛ فنجح الانقلاب الإخواني كأي انقلاب في العالم وهو أن لم يكن انقلاب بالمعنى الشامل، ولكنه في ضوء الواقع السياسي المصري وظروف الإسلاميين في مصر يعد انقلاباً بكل المقاييس. ولقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية تراقب وتمد اليد لانقلاب يوليو23 كما ذكر الكاتب محمد جلال كشك في كتابيه "ثورة يوليو الأمريكية" و"كلمتي للمغفلين" عن الدور الأمريكي في نجاح الانقلاب للضباط الأحرار بالسكوت, وعدم التدخل, وإتاحة المرور.. فالحقيقة أن بعض التصريحات الأمريكية تجعلنا نتوقف برؤية متأنية أمام انقلاب الإخوان البرلماني في مصر, فقد صرح سكوت كاربنتر نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكية في 9/3/2005م أن واشنطن (لا تقوم بنشاطات في الشرق الأوسط لغرض الترويج لانهيار الأنظمة القائمة، ولكنها بالمقابل لم تعد تقبل استمرار تحجّر الوضع القائم). فأميركا لا تريد أن تسمح للشعوب باختيار حكامهم، ولا أن تسقط الأنظمة فيأتي بدلا منها "مارد إسلامي"، ولكنها تريد تزيين هذه الأنظمة لتصبح مقبولة عند شعوبها. وأيضا فقد قالت اليزابيث تشيني، (ابنة نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني، وكبيرة نواب مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية) في 14/4/2005م: "إنها لا تستبعد فتح حوار مع أي فصيل سياسي إسلامي طالما أن نشاطهم لا يتعارض مع المبادئ الأمريكية الأساسية"، وصرح عدد من الساسة كـ(وزيرة الخارجية السابقة) مادلين أولبرايت في منتصف العام المنصرم، وتصريح (رئيس المخابرات المركزية السابق) جيمس وولسي في 17/11/2005م عن قبول مشاركة الحركات الإسلامية في حكم مصر. ومن قبل جرت حوارات علنية بين أطراف أمريكية وأوروبية وحماس وحزب الله في لبنان, وتنظر أميركا إلى حزب العدالة في تركيا باعتباره نموذجاً ممتازاً لحركة إسلامية (وحليفة لـ"إسرائيل") ويردد بوش باستمرار أن جميع دول الشرق الأوسط يجب أن تحتذي بها، مع العلم أن حزب العدالة يصر على أنه حزب علماني وليس حزباً إسلامياً.
والحقيقة أنه بغض النظر عن تلك التصريحات والمخططات الأمريكية؛ فالتحديات أمام الإخوان كبيرة, والمخاوف كثيرة, والعداء للإسلام ماضٍ لا يتوقف, والواقع معقد, والاجتهاد مطلوب, والظروف المحيطة بالإسلاميين تفرض عليهم أن يستمروا في نضالهم السياسي كآلية عمل لخدمة دينهم بجانب آلياتهم الأخرى, ولكن بوعي وإدراك تام لما يخطط لهم حتى لا يستدرجوا إلى خدمة أعداء الإسلام بدلاً من خدمة الإسلام.. والمغفلون لا يصلحون لحمل لواء أي فكر، فضلاً عن حمل لواء الفكر الإسلامي.. وأخيراً: هل يكون انقلاب الإخوان الأبيض البرلماني 2005م آخر الانقلابات في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين؟؟