تفجيرات بالي.. تنظيم ( القاعدة ) لا يزال حاضرا

معمر الخليل  | 27/8/1426


أحدثت التفجيرات الجديدة التي وقعت السبت 1 أكتوبر 2005 في جزيرة بالي الإندونيسية ردود أفعال إعلامية واسعة، وحظيت باهتمام بالغ وواسع لاعتبارات تتعلق بالتفجيرات الأخطر التي ضربت ذات الجزيرة في ذات الشهر من عام 2002.
الحدث اندرج على الفور في ملف اتهام الجماعة الإسلامية في إندونيسيا، والتي نسبت إليها جميع التفجيرات التي وقعت منذ ذلك التاريخ، بما فيها تفجيرات فندق ماريوت عام 2003 وانفجار السفارة الأسترالية عام 2004 وغيرها.
في المقابل، أكدت الجماعة المحظورة في إندونيسيا مسؤوليتها عن التفجيرات السابقة، مؤكدة أنها جاءت للرد على العلاقات الحكومية الغربية (وعلى رأسها الولايات المتحدة وأستراليا) واعتقال زعامات للجماعة (كأبي بكر باعشير) والمجازر التي تقع بحق المسلمين في إندونيسيا، التي تعتبر -كمفارقة- أكبر دولة إسلامية من حيث عدد المسلمين فيها.
ورغم انفراج العلاقات بين الحكومة الإندونيسية ومقاتلي حركة آتشيه في الإقليم المتمتع بحكم شبه ذاتي، إلا أن الخلافات لا تزال واسعة بين بعض الجماعات المحظورة والحكومة، والتي باتت تقترب أكثر فأكثر من الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، صاحبة مشروع محاربة الإسلام السياسي والجماعات الإسلامية المسلحة في العالم.
العلاقات الأمريكية الإندونيسية:
حتى سنوات قريبة، لم تكن العلاقات الأمريكية الإندونيسية صالحة لإنشاء نوع من التطبيع الكامل بين البلدين، حيث ساءت العلاقات بينهما منذ عام 1999. عندما أوقف الكونجرس الأمريكي التعاون العسكري مع إندونيسيا بعد اتهامات وجهتها واشنطن لحكومة جاكرتا بانتهاك حقوق تيمور الشرقية، خلال وبعد التصويت على الاستقلال عام 1999.
ودخلت العلاقات بين البلدين مرحلة أصعب عام 2002، عندما أطلق مسلحون النار على منصّرين أمريكيين في إقليم بابوا، وجاءت تصريحات من قبل جماعات حقوق الإنسان لتشير إلى أن المسلحين هم من الجنود الإندونيسيين.
إلا أن واشنطن كانت حريصة جداً على عدم قطع صلاتها مع جاكرتا، التي تعد أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان، كما أنها تضم حكومة لم تتخذ موقفاً معادياً لأمريكا منذ سنوات طويلة، وكون الحكومة تحارب على أرضها جماعات إسلامية تطالب بالاستقلال الذاتي في الإقليم المسلم الجنوبي، وبسبب روابط قوية بين استراليا (من أكثر دول العالم مساندة للسياسات الأمريكية الخارجية) وجاكرتا.
وبالتالي فإن واشنطن تطمع في أن يشكل وجودها في المنطقة إلى تأكيد نفوذها العسكري بالجزء الشرقي الجنوبي من آسيا (على مقربة من الصين وروسيا وكوريا الشمالية).
بالإضافة إلى آمالها بتضييق الخناق على تحركات الجماعات الإسلامية المحظورة عالمياً، وإقامة نقاط استخباراتية وعملاء في تلك المنطقة، التي أشارت تقارير عديدة إلى دورها المحوري في تحركات واستقطاب بعض الزعامات التابعة لتنظيم (القاعدة) الأهم على الأجندة الأمريكية.
تمثّل التقرب الأمريكي من إندونيسيا عبر المساعدات الإغاثية المالية والبشرية والعسكرية التي سخرتها واشنطن بعد كارثة تسونامي التي ضربت سواحل إندونيسيا، وعلى الأخص مناطق (آتشيه) المسلمة أواخر عام 2004.
كما تمثّل التقرب أيضاً بالتدريبات العسكرية التي أجرتها القوات الأمريكية مع الشرطة الإندونيسية، والمساعدات العسكرية والمالية التي رصدتها وزارة الدفاع الأمريكية للحكومة الإندونيسية، في الآونة الأخيرة.
فعلى الرغم من سوء العلاقات التي بدأت عام 1999، ثم القطيعة العسكرية التي حدثت عام 2002، إلا أن الولايات المتحدة حرصت على تجديد العلاقات وتمتينها.
ففي أوائل شهر سبتمبر الماضي، بدأت كل من الولايات المتحدة وإندونيسيا برنامجاً للتبادل العسكري استمر مدة أسبوعين، وفق ما أكد تصريح للسفارة الأمريكية بجاكرتا، والذي أكد على أن البرنامج مخصص لزيادة التعاون وتبادل الخبرة بين البلدين.
في وقت كان البيت الأبيض يعمل فيه بجد لإقناع الكونجرس بأن يرفع الحظر العسكري على إندونيسيا، في خضم سياسة الإدارة الأمريكية الحالية لدعم التطبيع الكامل بين البلدين.
من جهته، أكد (وزير الدفاع الإندونيسي) جوونو سدارسونو ثقته بأن الحظر العسكري الأمريكي سيتم رفعه قريباً، خاصة بعد كارثة تسونامي، والسمعة الجيدة للرئيس سوسيلو بامبانج يودويونو في واشنطن، حسبما قال الوزير الإندونيسي.
مشيراً إلى أن الحكومة الجديدة تقوم بمحاولات جادة للسيطرة على الفساد بين القوات المسلحة، وتمكين منظمات حقوق الإنسان من العمل بشكل واسع، وتضمين برامج حقوق الإنسان في الجيش والوحدات الحربية. وهو ما يشير إلى محاولة جاكرتا طي صفحة كاملة من الخلاف مع واشنطن.
كلام الوزير الإندونيسي يعكس الحالة الحكومية الإندونيسية المقابلة للتقارب مع واشنطن، حيث دأب الرئيس الإندونيسي الجديد (الذي تسلم الحكم قبل عام واحد في أكتوبر الماضي) على تحسين علاقة بلاده مع الولايات المتحدة.
وجاء التعاون العسكري الجديد بين البلدين بعد تعاون سابق، حدث في أواخر شهر يوليو الماضي، عندما قامت مجموعة من قوات البحرية الأمريكية مع حوالي 800 موظف، بتدريبات عسكرية مع البحرية الإندونيسية في مدينة (سورابايا).
وهذه التدريبات كان من المفترض أن تكون سنوية، منذ عام 1995، عندما جرت التدريبات لأول مرة, إلا أنها ألغيت عدة سنوات، بعد سوء العلاقات بين البلدين.
ورغم أن الكونغرس الأمريكي وجه انتقادات للإدارة الأمريكية بإجراء تدريبات عسكرية مع دولة متهمة بخرق حقوق الإنسان، إلا أن إدارة بوش لديها أجندة أهم من هذه المسألة التي هي بالأساس شماعة لتمرير سياسات أمريكية خارجية.
ففي الثاني من أغسطس, قال السفير الأمريكي في إندونيسيا: " نحن متأكدون أن الفرع التنفيذي في الإدارات العسكرية يعمل لفتح الطريق لتطبيع العلاقات بين القوات المسلحة في كلتا الدولتين".
وجاء تصريح السفير الأمريكي خلال الجولة الثالثة من المحادثات الإندونيسية الأمريكية، التي بدأت عام 2002، تلتها الجولة الثانية عام 2004 في واشنطن.
وبالطبع، لم تخف الولايات المتحدة ارتياحها للجهود الحكومية المبذولة في ملاحقة نشطاء الجماعات الإسلامية المحظورة، حيث أكدت واشنطن أن جاكرتا عملت عملاً "جدير بالإعجاب والمتابعة" في إلقاء القبض ومحاكمة المسلحين المنتمين للجماعات الملاحقة.
وقال نائب مساعد وزير الدولة لشرق آسيا والشئون الباسيفيكية, في شهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ في سبتمبر الماضي: " استطاعت إندونيسيا إلقاء القبض وإدانة أكثر من 130 (إرهابياً) منذ تفجيرات بالي، كما أنشأت مركزاً هاماً ومؤثراً لمكافحة (الإرهاب)".
الجماعات المسلحة داخل البلاد:
في الداخل، يبدو أن الحكومة الإندونيسية مصممة على ملاحقة المنتمين إلى التنظيمات المحظورة، وأقامت لذلك حلفاً أمنياً مع دول الجوار، وأنشأت حلقة وصل استخباراتية مع الولايات المتحدة وأستراليا وتايلاند وغيرها.
وباتت الأحكام القضائية الموجهة ضد المدانين المتهمين بالضلوع في التفجيرات؛ حادة، وصلت إلى عقوبة الإعدام. وهو ما لاقى ترحيباً أمريكياً (رغم إدانات واشنطن السابقة لأي حكم بالإعدام في دول أخرى) وأستراليا (التي عارضت بشدة أحكام السجن المخففة بحق المشتركين بتفجيرات بالي السابقة).
على سبيل المثال، حكمت المحكمة الإندونيسية في 13 سبتمبر الماضي على إيوان دارموان مثو (المتهم بالمشاركة في تفجيرات 9 سبتمبر 2004 أمام السفارة الأسترالية بجاكرتا) بالإعدام رمياً بالرصاص. على الرغم من أنه ليس أحد المنفذين، وكانت التهم الموجهة إليه هي "المساعدة بتنظيم وتنفيذ عملية فدائية، وبإخفاء المرتكبين للتفجيرات".
وكانت التفجيرات قد أوقعت 11 قتيل (جميعهم من الإندونيسيين! بينهم شرطة وحراس سفارة ومواطنين) وجرح أكثر من 170 آخرين.
وكان القضاء الإندونيسي قد حكم أيضاً على أمروزي (المتهم الرئيس في تفجيرات بالي السابقة عام 2002) بالإعدام في وقت سابق.
وحسب التقارير الأمنية الإندونيسية، فإن إيوان دارموان يعمل مع أزهري حسين ( المهندس الماليزي الأصل، وصانع المتفجرات، وأحد قادة الجماعة الإسلامية في جنوب شرق آسيا)، وزميله نورالدين محمد، المتهمين الرئيسين في تفجيرات بالي، التي أوقعت 202 قتيل، بينهم 80 سائحاً أسترالياً, والمتهمين أيضاً بالتدبير لتفجيرات أغسطس 2003 التي وقعت أمام فندق ماريوت في جاكرتا وأسفرت عن مقتل 12 شخص.
ويعد الأزهري ونور الدين أبرز المطلوبين في إندونيسيا، وهما من المتهمين بالانتماء لتنظيم القاعدة.
التصعيد الجديد:
ويبدو أن الجماعة الإسلامية لا تزال ناشطة في البلاد، ومتمسكة بالمضي في سياستها التي تراها السياسة الوحيدة لمواجهة الحكومة والغرب!
فبعد قرار الإعدام، رحّب دارموان بالقرار، مؤكداً أن هذه الطريقة ستمكنه من الموت كشهيد. وقال: "  أنا ممتن لله بسبب هذا الحكم بالإعدام؛ لأنني سأموت شهيداً".
مؤكداً أن الحكومة والمحكمة مؤلفة من الشياطين، وقال: " هم كفار، طالما أنهم يظلمون الشعب المسلم, وسيقوم الشعب المسلم بالانتقام  منهم".
كما أكدت السفارة الأسترالية في جاكرتا أن الشرطة الإندونيسية تلقت رسالة من هاتف محمول قبل 45 دقيقة من تفجير السفارة الأسترالية في سبتمبر 2004، تحذر من أن البعثات الأجنبية في البلاد ستهاجم إذا لم يطلق سراح أبو بكر باعشير".
كما جاء في بيانات التنظيم حول التفجيرات، أنها استهدفت السفارات الغربية والسياح الأجانب, للانتقام لجرائم قتل المسلمين في أفغانستان والعراق.
وقالت إحدى البيانات موجهة رسالة لأستراليا: " يجب أن تضع في الاعتبار أن أي قانون ظالم ضد المسلمين في أي مكان في العالم لن يمر مرور الكرام، وسينتقم المسلمون لهذا".
مشيرة إلى الدور الأسترالي الداعم للسياسة الأمريكية في احتلال أفغانستان والعراق.
هذه المؤشرات تدل على أن الجماعة الإسلامية المحظورة في إندونيسيا ستحاول تنفيذ هجمات جديدة ضد مصالح الدول الأجنبية في ظل استمرار إيمانها بهذه الاستراتيجية في العمل المسلح.
خاصة وأن سبباً جديداً أضيف لتصعيد هذه الهجمات، من خلال التعاون الحكومي العسكري مع الولايات المتحدة.
ويؤكد هذا التوجه استمرار اختفاء قياديين في القاعدة، من أمثال أزهري ونور الدين وغيرهم، والقادرين على إعداد وتنفيذ مثل هذه الهجمات. ووجود تصريحات سابقة من قبل الاستخبارات الإندونيسية والأسترالية بقرب وقوع هجمات في البلاد, رغم أن التصريحات أشارت إلى أن هذه الهجمات لن تكون بقوة هجمات بالي.
بيد أن الحكومة ماضية -فيما يبدو- هي الأخرى في ملاحقة ومتابعة هذه الجماعات، عبر زيادة حدة الأحكام القضائية الصادرة بحقهم، وتعزيز قدرات الأمن الداخلية، وفتح الباب أمام الولايات المتحدة لتلعب دوراً استخباراتياً وأمنياً أكبر في البلاد.



  

  

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><br>

تصفح الموقع عن طريق الجوال RSS  تابع الموقع عن طريق

الوسائل التي تتيح للمستفتين الحصول على الفتوى الفقهية من المرجعيات المعتبرة :

الارشيف