المخابرات الأمريكية تخسر جولة أخرى..!!

معمر فوزي الخليل
sahafi@almoslim.net  | 15/10/1424

ربما من الخطأ أن يعتقد رجال السياسة الأمريكيون أنهم يخوضون معركة واحدة انتصروا فيها مخابراتياً، فالواقع ليس مثل أفلام هوليود حيث البطل يقتل جميع أعداءه بمسدس لا تنتهي طلقاته، دون أن تصيبه مئات الرصاصات من العدو، ثم ينتهي الفيلم ليطبع طويلاً في الذاكرة صورة البطل الذي لن يهزم في المخيلة.
الواقع الذي تعيشه المخابرات الأمريكية هذه الأيام يفرض عليها أن تعلم بأن المعركة هي حرب طويلة ومستمرة، تحتوي العديد من المعارك التي إن انتصرت في إحداها فإنها قد تخسر في الأخرى.

المخابرات الأمريكية ابنة السمعة القديمة:

لا شك أن المخابرات الأمريكية أثبتت نفسها مراراً وبقوة عالمياً، حتى بات لها شأن كبير، ليس فقط في الإعلام والسياسة، بل في نفوس الناس أيضاً.
وإن كانت النجاحات الاستخباراتية الأمريكية قد رصدت وأرخت وأذيعت عالمياً، فإن الفشل في المقابل يحظى بتعتيم إعلامي يعاكس تماماً ما تلاقيه النجاحات.
لذلك فلن نجد إعلاماً أمريكياً على الأقل يتحدث بشكل مفصل عن إخفاقات المخابرات الأمريكية اليوم بعد أن كان بمجدها في الأمس.

إلا أننا في المقابل لم نعد نجد أو نسمع مثل تلك الأخبار والتقارير والدراسات عن النجاحات منقطعة النظير للمخابرات الأمريكية، وكأن المقصود الآن في ظل تراجع قوة الـ(CIA) أن يتم الاعتماد على السمعة الحسنة القديمة في ترسيخ وتثبت النجاح السابق مع المحافظة على تفريغ ما بعد الخبر، دون تقارير أو دراسات حول أي فشل للمخابرات الأمريكية، لئلا تسلط الأضواء إعلامياً عليه، وبالتالي تمحى صورة الـ(CIA) من أذهان العالم.

الخسارة في العراق:

من المتوقع أن تخسر الولايات المتحدة حربها الاستخباراتية في العراق، لنفس السبب الذي خسرته في الصومال.
على سبيل المثال فإن الهجوم الصاروخي الذي استهدف فندق الرشيد في العاصمة العراقية بغداد أثناء زيارة (نائب وزير الدفاع الأمريكي) بول وولفوتيز، أو إصابة مروحية التشينوك التي كانت تقل عدداً كبيراً من الجنود الأمريكيين، والتي تسببت في مقتل 16 منهم، أو إسقاط المروحيتين العسكريتين من نوع بلاك هوك ومقتل 17 جندياً فيهما... وغيرها من العمليات الناجحة للمقاومة العراقية، تثبت أن المقاومة العراقية قد تسللت استخباراتياً إلى القيادة الأمريكية، وهذا الخبر لن يكون مفاجأة للقوات الأمريكية المحتلة، فهي تعرف هذا تماماً.

المقاومة العراقية تستقي أخبارها من مصادر محلية، وهذا ما يربك القوات الأمريكية، فهي إلى الآن لا تستطيع أن تحدد تماماً من يقف معها ممن يقف ضدها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الولايات المتحدة قد أخبرت العالم عن فشل استخباراتها في العراق، وذلك عبر زيارتين هامتين قامت بها شخصيتان هامتان جداً إلى العراق.
الأولى: هي زيارة الرئيس الأمريكي جورج بوش نفسه إلى العراق، وما رافقها من تعتيم إعلامي كبير.
وكالة الأسوشيتد برس وشبكة الـ(CNN) الأمريكيتان أكدتا أن زيارة الرئيس بوش إلى العراق كانت سرية تماماً حتى إلى أقرب مستشاريه.

وأشارت كلتا الوسيلتين الإعلاميتين إلى أن بوش قد أخبر بعضاً من أفراد إدارته الذين تكتموا على الأمر، حتى أنه انتقل من مزرعة ابنه في تكساس إلى المطار متخفياً ووقف على إشارة مرور مثله مثل أي أمريكي، حفاظاً على سرية الرحلة،
حتى المطار الذي خرجت من طائرة الرئاسة لم تعط إشارة بأن بوش هو من يستقلها.. يقول مراسل وكالة فرانس برس: إنه استدعي قبل ساعات قليلة إلى المطار، وأخبر أنه سيرافق بوش في رحلة سرية، وأن المخابرات الأمريكية صادرت منه ومن المراسلين القليلين الذين رافقوا بوش في رحلته كل أجهزة الهواتف النقالة ومنعوا من الاتصال.
وأكد البيت الأبيض بشكل صريح أن هذه الإجراءات تأتي كعمل احترازي لضمان سلامة بوش في العراق.
ترى لو كان بوش قد توجه إلى دولة تضمن فيها مخابرات بلاده سيطرتها على النقطة الوحيدة فقط التي سيزورها.. هل كانت لتفرض كل هذا التعتيم؟
خاصة وأن بوش لم يتجول في بغداد أبداً ولم يقم بأي زيارة أو مشاركة خارجية، وهذا دليل واضح على عدم مقدرة الـCIA الشهيرة بتأمين سلامة رئيس دولتها لساعات في منطقة واحدة في العراق.

الإدارة الأمريكية تتعلم الدرس العراقي:

الزيارة الثانية التي أكدت فشل الاستخبارات الأمريكية هي زيارة (وزير الدفاع الأمريكي) رونالد رامسفيلد إلى العراق،
فقد كان رامسفيلد في جورجيا، ولم يكن أبداً في جدول أعماله زيارة العراق، وتفاجأ العالم بوصوله سراً إلى كركوك، أكثر المناطق العراقية أماناً للأمريكيين.
حتى إنه قد وصل بطائرة شحن كبيرة عسكرية، ولم يصل بطائرة خاصة مثل كل تنقلاته في العالم.
لا شك أن الإدارة الأمريكية قد تعلمت من الدروس السابقة لقادتها في العراق، فنائب وزير الدفاع قد نجا من محاولة اغتياله خلال وجوده في فندق الرشيد ببغداد، ولكن قادته ليسوا واثقين بأنهم سينجون من الاغتيال بحال كانت زيارتهم معلنة ومعروفة بالنسبة للقوات الأمريكية المحتلة في العراق على أقل تقدير.

لذلك فعلى الجنود الأمريكيين الموجودين في العراق ألا يتفاجؤوا بأي زيارة قادمة سرية من إدارة الحكم في بلادهم، ويجب أن يتوقعوا في أي لحظة أن يهبط عليهم فجأة من السماء رئيساً أو وزيراً أو قائداً كبيراً، وهو يحاول رسم ابتسامة اطمئنان على ثغره، فيما يخفق قلبه خوفاً من تسرب خبر وجوده إلى المقاومة العراقية!!

ضربة في القلب:

بات من المعروف عالمياً أن أكثر المناطق سرية وحراسة وحزماً هي معتقلات غوانتانامو، التي تقيمها القوات الأمريكية في إحدى الجزر الكوبية خارج أراضيها.
الجيش الأمريكي لا يحرص على سلامة معتقليه الذين يعدهم صيداً ثميناً ومستودعاً من المعلومات وحسب، بل يخاف أن يتم استهدافه من قبل أعضاء من القاعدة، الذين أثبتوا مراراً تفوقهم على الاستخبارات الأمريكية بشهادة الأمريكيين أنفسهم.
فليس أكبر من تفجير وإسقاط أهم برجين تجاريين عالميين في نيويورك أو تفجير مقر وزارة الدفاع الأمريكية نفسها أو غيرها من العمليات خارج الولايات المتحدة.
ولا بد أن الجيش الأمريكي يخاف من أن يتم تنفيذ خطة من قبل تنظيم القاعدة لتحرير المعتقلين، لذلك فإنه يتبع كل تلك الضمانات الأمنية البالغة السرية حول غوانتانامو.
ومع كل تلك الحراسة والأمن والتشديد، إلا أنه ثبت اختراق الحصن الأمريكي استخباراتياً عدة مرات، ومن قبل عدة أشخاص، لم يثبت إلى الآن ارتباطهم ببعض.
حيث نشرت وكالات الأنباء الأمريكية والعالمية خبر اعتقال الإمام الإسلامي المسؤول عن إقامة الشعائر الدينية للمعتقلين، ذي الأصل الصيني.
ثم خبر اعتقال مترجم سوري الأصل، أكدت السلطات الأمريكية ارتباطه بالمخابرات السورية، ثم خبراً ثالثاً عن اعتقال مترجم آخر من أصل مصرين لم يتم تحديد الجهة التي يعمل لصالحها.

هذه الأخبار بينت مدى الاختراق الذي يعيشه الوسط الأمني والعسكري الأمريكي، ليس فقط بسبب قوة الطرف الآخر، بل بسبب ضعف الـ (CIA) نفسها.

إبرة في كومة قش:

ليس من السهل أن يطلق وزير دفاع أكبر دولة في العالم جملة كتلك التي قالها رامسفليد حول صادم حسين بسهولة.
فالأمر أشبه باعتراف معد له مسبقاً، ومبني على خلفية حقيقية في التصور الأمريكي.

رامسفيلد خلال زيارته الأخيرة "السرية" إلى كركوك، أعلن من هناك، أنه من شبه المستحيل العثور على الرئيس العراقي السابق صدام حسين، وقال: إن العثور عليه هو وكبار النظام السابق، أشبه بالعثور على إبرة في كومة القش.
هذا الإعلان لا ينفي عملياً إمكانية أن تعثر القوات الأمريكية على صدام حسين بالفعل في العراق، ربما عن طريق الصدفة، أو عن طريق خيانته من قبل مقربين منه، أو عن طريق إخبارية من قبل أحد العراقيين، إلا أن هذه الجملة تشير إلى إقرار فشل الاستخبارات الأمريكية حتى الآن في العثور على صدام.
كما تضم هذه الجملة فشلاً آخر أكبر منه، في عثور السي آي إيه على أكثر الشخصيات العالمية ملاحقة وطلباً، وهو أسامة بن لادن(زعيم تنظيم القاعدة).

فالمدة التي قضتها المخابرات الأمريكية في الرصد والبحث عن أسامة بن لادن، تزيد كثيراً عن المدة التي بحثت فيها القوات الأمريكية عن صدام حسين، ولأن فشلت الـ (CIA) في العثور على ابن لادن طوال هذه المدة التي امتدت لأكثر من سنتين، فسيكون الفشل أكبر احتمالاً وأقل وطأ فيما يتعلق بصدام حسين.

هذه الحقائق التي بات كبار أعضاء إدارة بوش يعترفون بها، بدأت تشكل صورة أخرى حقيقية عن واقع المخابرات الأمريكية هذه الأيام، غير تلك الصورة التي رسمها الإعلام الأمريكي بعناية في مدة ازدهار الـ (CIA) وتفوقها على غريمتها ال(KPJ) المخابرات الروسية.

لماذا تفشل الـ (CIA) عربياً ؟:

للإجابة عن هذا التساؤل، يجيب الكاتب الصحفي جيرالد بوسنر، في كتابه الذي صدر في لندن حديثاً بعنوان ( لماذا نامت أمريكا) بالقول: نقطة ضعف المخابرات الأمريكية هي في ضعف الشخصية الأمريكية نفسها.
حيث يؤكد هذا الكاتب أن لدى العرب أو الإسلاميين ميزة يتفوقون فيها على المخابرات الأمريكية والأمريكيين، وهي أن عشرات الآلاف منهم قد درسوا في الولايات المتحدة ويتحدثون اللغة الإنجليزية بشكل جيد، ويمكنهم التنقل بسهولة في المجتمع الأمريكي، ثم يتساءل قائلاً: " ترى كم من عملاء المخابرات الأمريكية يمكنهم أن يتحركوا مطمئنين في البيئة الإسلامية أو العربية ؟"

ويضيف بوسنر في كتابه قائلاً: " أنتجت الجامعات المخابراتية الألمانية و البريطانية الجواسيس الذين يمكن أن يتحدثوا نحو ستة لهجات عربية، ويقرؤون القرآن بشكل جيد ويحفظون شيئاً منه، أما الدولة العظمى فلا يمكنها إلا أن توظف مترجمين عرب؛ كي تستطيع التفاهم مع المتكلمين بالعربية ممن تعتقلهم.

كما يقول ريل مارك جيريتشت من معهد المؤسسة الأمريكية ساخراً من هذه المسألة: إن وكالة الاستخبارات الأمريكية ينقصها القدرة اللغوية بشكل أساسي، وهي لديها قدرة على إدارة الفشل في الإنفاق المالي على مهارات معينة أخرى".

أثناء زمن التسعينات لم يكن لدى (رئيس المخابرات المركزية) جيمس وولزي الوقت أمام مواجهة الاتحاد السوفيتي وأوروبا، وقتاً ليعلم عملاءه اللغة العربية، كما أن إدارة جورج تينيت اللاحقة، أظهرت فشلاً في هذا الباب، حيث كانت النتائج الخاصة بالدارسين من العملاء الاستخباراتيين للغة العربية والفارسية، محبطة ومخيبة لآمال القيادة، لذلك لم تستطع إدارة المخابرات أن تقدم شهادات قبول حسب مقاييس الوكالة الأمنية، إلا لعدد قليل من الذين تخطوا هذه المقاييس.

لذلك نجد الاعتماد الكبير الذي توليه القوات الأمريكية للمترجمين من أصول عربية، ممن يتكلمون هم اللغة الإنكليزية كلغة ثانية، حيث تكون لغتهم الأم هي اللغة العربية.
وهذا يعني بنظرة بسيطة، أن مسألة الولاء والانتماء ستكون مقدمة في كثير من الحالات للدولة الأم.
وهو ما حصل مع مترجم واحد على الأقل في معتقلات غوانتانامو في كوبا.

الأولويات الاستخباراتية:

إذا كانت المخابرات الأمريكية تعتمد في الدرجة الأولى على مسألة المال والجنس في استقطاب العملاء الموالين لها في معظم دول العالم، حسب ما تؤكد العديد من الدراسات والتقارير الجاسوسية، ومنها كتاب سعيد الجزائري (المخابرات والعالم)، فإن لدى المخابرات الإسلامية أو العربية (دولاً وجماعات)_ إن صح التعبير_ ولاءً أكبر يمكن أن يعتمدوا عليه في مسألة استقطاب العملاء والجواسيس، وهي مسألة الولاء للدين.

معظم المسلمين الذين يعيشون في الدول الغربية، وعلى الأخص الولايات المتحدة ، يعانون في كثير من الأحيان للتهميش والازدراء، ويمارس بحقهم التمييز الطائفي والديني، وهو ما يشجع دائماً لأن ينقلب الشخص ضد هذه الدولة التي تدعي الديموقراطية في كل شيء، إلا في الإسلام.
كما أن العديد من المواطنين العرب والمسلمين، الذين يعيشون في الولايات المتحدة، هم ممن عاشوا لسنوات طويلة، وأنجبوا وترعرعوا في المجتمع الأمريكي، لذلك فإن من السهل عليهم جداً التعامل مع الأمريكيين واختراقهم، والوصول في بعض الحالات إلى أماكن حساسة نسبياً في مواقع هامة، وفي بعض الأحيان سيكون الولاء للدين أو للبلد الأم أكبر من الولاء لدولة عاملته بعنصرية.
أما مسألة وجود عربي أو مسلم من أصل أمريكي في إحدى الدول العربية أو الإسلامية، فهي مسألة صعبة للغاية.

لذلك نجد أن المخابرات الأمريكية ستكون أكثر عرضة للاختراق " من هذه النقاط السابقة على الأقل" من قبل عملاء يعملون لحساب جماعات أو تنظيمات أو دول عربية أو إسلامية.


  

جزاك الله خيراً يا أخي على هذا الطرح العلمي والأسلوب الشيق الذي يجعل القارئ يسترسل في متابعة القراءة، ونشكر لك هذا الكم من المعلومات الذي فيه من الفائدة الكثير
نحن العرب المسلمين لدينا عدة مؤهلات تفوقنا اجهزة المخبارات الامريكية و اليهودية ولكن لاينبغي علينا البوح بها في شتى وسائل الاعلام كالجزيرة وقنوات الاخبارية الاخرى كما لاانسىالانترنت التى تعد مصدر جيد لاقتفاءالمعلومات ولدا يجب ان نكون حدرين منتجسس عبر قنوات الاعلام وخاصتا لشخصيات المعتبرة مثل التقرير الدي تقدمت بيه سيادتك وفي اخير نشكوركمك رجيل الشكر....

  

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><br>

تصفح الموقع عن طريق الجوال RSS  تابع الموقع عن طريق

الوسائل التي تتيح للمستفتين الحصول على الفتوى الفقهية من المرجعيات المعتبرة :

الارشيف