بركان الأرض المقدسة

أمير سعيد   | 18/4/1424

هل نفض المسلمون والعرب أيديهم من فلسطين وأهلها ؟ هل لم تبلغ رائحة لحم رضيعة ياسر محمد طه مهندس كتائب عز الدين القسام المحترقة أنوف العرب والمسلمين ؟ هل لم تستفز مشاهد المجازر المتوالية في الأرض المقدسة مشاعر مئات الملايين من المسلمين ؟
هذه أسئلة بحاجة إلى إجابة في ظل واحدة من فظائع السفاح شارون الهادفة لمحو المقاومة الإسلامية من الوجود في فلسطين . فالسيل قد بلغ الزبى من كثرة المجازر المرتكبة بحق الأبرياء والعزل في فلسطين , ولم يعد هناك من يتحرك من العرب إلا ليثني حركات المقاومة الإسلامية والوطنية عن رد العدوان . وكأن العرب يرفضون أن يكون منهم من يبقى خارج الحظيرة ..

قتل المجرمون الصهاينة 33 فلسطينيا وجرحوا أكثر من 170 آخرين خلال الأيام القليلة الماضية في مجازر بشعة لم ترحم طفلا ولا امرأة ولا شيخا , ولما يتحرك العرب قيد أنملة عن نهجهم الاستسلامي .
اشتعال الأرض المقدسة ألقى بظلال داكنة على الوضع الفلسطيني , وأثار تساؤل الشارع العربي حول ماهية العدوان الصهيوني الجديد , أهدافه , توقيته ,ورد فعل قوى المقاومة حياله : هل ستلقي السلاح أم تستمر في المقاومة ؟ هل سيظل رد الفعل العربي رهين استحقاقات الوضع الأمريكي الجديد في المنطقة ؟

ما أثار استغراب المراقبين هذه الأيام ليس رد الفعل العربي حيال الأوضاع المتردية في فلسطين فهو لم يكن أبدا رهين وضع طارئ ؛ بل استراتيجية قديمة قدم الكيان الصهيوني نفسه ترتسم ملامحها في غسل الأيدي تماما عما يجري في الأرض المقدسة ..
وليس الذي أثار المراقبين أيضا هو ارتكاب الكيان الصهيوني لهذه المجازر , فتلك طبيعته العدوانية على مر العقود الماضية , لكن توقيت التصعيد الصهيوني هو الذي أضحى مثار تعجب العديد من المراقبين العرب والصهاينة على السواء .

توقيت التصعيد الصهيوني وأثره على الأوضاع في المنطقة :
هناك من يطلق العنان لخياله فيخال كل خطوة يخطوها الكيان الصهيوني هي موضع دراسة متأنية وصائبة على الدوام , والأمر إن كان كذلك في خطوات كثيرة فليس يعني ذلك أنه ديدن اليهود على الدوام , فكم من مرة أخفق يهود في مخططهم بسبب اندفاعهم المتوتر الذي لا يحده عقل تجاه شرههم لسفك الدماء الطاهرة غيلة وغدرا , فهم قد حاولوا منذ نحو 1420 عاما أن يغتالوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حسبوا أنهم قد ظفروا به وأطمعهم وجوده عندهم مع خليله أبي بكر الصديق رضي الله طالبا مساهمتهم في دفع دية ينص عليها اتفاقهم معه , فعصمه الله منهم وسل عليهم سلاح الجلاء .
وظل هذا الشره يأخذ بألبابهم كلما أعيتهم الحيل في قهر عدوهم , وقبل ثماني سنوات حملهم حقدهم على قتل المهندس يحي عياش خبير المتفجرات القسامي الفذ , فكان مقتله إيذانا بتفجر عشرات العمليات الفدائية العظيمة التي ما زال الكيان الصهيوني يعاني منها إلى الآن , واليوم يكرر يهود الخطأ نفسه حين أقدموا مرتين على قتل الدكتور عبد العزيز الرنتيسي ثاني أشهر قادة كتائب عز الدين القسام السياسيين فأنجاه الله من كيدهم , فتضاعفت شعبية الحركة بسرعة مذهلة في أيام حتى غدت تتجاوز بكثير شعبية حركة فتح حسب مركز القدس لاستطلاعات الرأي العام الفلسطيني , وأسهم بشكل فعال في وضع العربة أمام حصان أوسلو/طابا/واي ريفر/شرم الشيخ/العقبة , ووضع تحالف أبي مازن/محمد دحلان في وضع حرج أمام التيار الشعبي الهادر المطالب برد الصاع صاعين للصهاينة ما جعل من العبث تجديد الحديث عن السلام وخارطة الطريق .
وإذا كانت خطة تصفية قادة حماس قد وضعت قبل أشهر حسبما قالت الإذاعة الصهيونية الجمعة 13/6/2003 حيث نقلت الإذاعة العسكرية عن نائب وزير الحرب الصهيوني زئيف بويم قوله : "إن الجيش الإسرائيلي وأجهزة الأمن وضعت خطة هجومية ضد حماس قبل اشهر عدة إلا أن تنفيذها جمد بسبب المحادثات التي كانت جارية حول خارطة الطريق". فإن ذلك سيعني أن أركان الحكم الصهيوني قد تحركوا برعونة سياسية أملتها عليهم طبيعتهم الشرهة للغيلة المفضية في كثير من الأحايين إلى غير ما يصبون إليه .

أهداف التصعيد الصهيوني :
حينما تختار "إسرائيل" هذا التوقيت الغريب لتصعيدها السافر مع المقاومة الإسلامية والوطنية ؛ وخصوصا حركة حماس , فإنها بذلك تكون عازمة على تحقيق أهداف شديدة الأهمية لها تتجاوز بكثير حرصها على تثبيت حليفيها (أبي مازن ودحلان) , وإبداء نوع من "الاحترام" لراعية قمتي شرم الشيخ والعقبة (الولايات المتحدة) التي لم يكد يسترح رئيسها من طريق عودته من رحلته "السلمية" الأولى في الشرق الأوسط , وحرصها الأهم على وقف "عذابات الإسرائيليين" على حد قول رئيس الوزراء الفلسطيني .
وقد تكون هذه الأهداف التي ضحت من أجلها "إسرائيل" هي :
1 ـ إبعاد خيار الهدنة بإبعاد الفصائل عنه تسهيلا لخيار الاحتراب الفلسطيني . فالمؤسسة العسكرية الصهيونية تخشى من أن تذهب الأمور باتجاه هدنة إذا ما تبين أن أبو مازن يسعى إليها مع فتح، حماس والجهاد، إذ يرى عسكريو الاحتلال، أن فترة هدوء تمتد لأشهر من دون ضرب الفصائل الفلسطينية، تكون كفيلة بأن تقوم هذه الفصائل بإعادة تنظيم وتعزيز الأذرع العملانية والعسكرية لديها، الأمر الذي يعطيها قدرة ومنعة على مواصلة العمليات الجهادية مستقبلا بقوة تزيد أضعافا عما هي عليه الآن، وهو ما تخافه وتخشاه "إسرائيل".
2ـ دفع حماس إلى الإذعان إلى سلطة أبي مازن الجديدة بعدما رفضت حماس مواصلة الحوار معه . وبرغم أن الكيان الصهيوني لا يريد هدنة مؤقتة مع حماس لا تضرب فيها بنيتها التحتية فإنه في الوقت عينه يريد لها ألا تتجاسر على سلطة حليفها عباس ميرزا , وأيضا يريد الكيان الصهيوني الرد بعنف على عملية معبر "إيريز" البطولية التي نفذتها ـ ولأول مرة ـ ثلاثة فصائل فلسطينية مجتمعة ؛ هي كتائب عز الدين القسام وسرايا القدس وكتائب الأقصى، وهم الأذرع العسكرية لكل من حماس والجهاد الإسلامي وحركة فتح , والتي نجح فيها ثلاثة فدائيين يمثل كل واحد منهم فصيلا فلسطينيا في السيطرة على الموقع وأجهزوا على من كان بداخله، بحيث لم يتمكن الجنود من الإفلات أو الدخول إلى الموقع بعد أن سيطر عليه الفدائيون الثلاثة إلا عبر الدبابات والمجنزرات الصهيونية .
3 ـ قتل أكبر عدد من قيادات حماس والجهاد وكتائب الأقصى والجيش الشعبي قبل أن يتحرك دحلان لتفكيك هذه الخلايا المقاومة , فالكيان الصهيوني يدرك تماما أن ليس بوسع دحلان ولا غيره تصفية هؤلاء الذين يعتبرهم الشعب الفلسطيني أبطالا , وإنما اعتقالهم وتحجيمهم فقط وهو ما لا تريده "إسرائيل" بالنسبة لعدد من القيادات السياسية والعسكرية التي عجزت عن وقف نضالهم قبل خروج أرواحهم من أجسادهم .

هل يلقي المقاومون السلاح ؟
قد لا يكون مفاجئا القول بأن الفصائل الفلسطينية لم تكن مؤمنة بضرورة عدم إلقاء سلاحها والانخراط في عملية التفاوض مع الكيان الصهيوني مثلما هي الآن , وهي قد عبرت من خلال رد حركتي المقاومة الإسلامية والجهاد الإسلامي عن ردهما السريع على عرض رئيس حكومة الكيان الصهيوني الداعية ؛أخيرا ونتيجة للضغط المقاومة الهائل, إلى هدنة مخزية للصهاينة مع الفصائل الفلسطينية الإسلامية والوطنية .
قد تكون التضحيات الفلسطينية ضخمة جدا وخسائر المقاومة في الفترة الأخيرة جد فادحة , بيد أنها تبقى أقل الأثمان في طريق حرية المسجد الأسير , لا بل ربما هي الثمن الوحيد لاستقلال فلسطين وحرية العرب..



  

  

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><br>

تصفح الموقع عن طريق الجوال RSS  تابع الموقع عن طريق

الوسائل التي تتيح للمستفتين الحصول على الفتوى الفقهية من المرجعيات المعتبرة :

الارشيف