الحديث عن الحالة التي أضحت عليها بلادنا العربية في الواقع، حديث متشعب، ويمكننا أن نأخذ أي بلد من هذه المجموعة ونحاول استقراء الحالة المجتمعية والتركيبة السكانية فيه لنجد أن هذه المعطيات تمثل في مجموع بلداننا حالة يفترض فيه حد آخر أكثر اتزانا من الواقع بما أننا سوف نجد أنفسنا أمام حالات من الاستقرار التي لم تكن لتدوم كل هذه القرون لولا أنها انصهرت تحت مفاهيم حضارية رسخها الإسلام وعمق روابط التماسك بينها وبين النخب السياسية التي كانت تدير دفة الحكم على امتداد جغرافية وتاريخ الإسلام منذ فجره وحتى التحولات التي أصابتنا جراء احتكاكنا العنيف بالحضارة الغربية بناء على الحركات الاستعمارية وما نتج عنها من نشوء لمفاهيم قومية ما كانت لتقع لولا هؤلاء الوافدين الجدد.
الحالة الجزائرية هي إحدى هذه العينات، ولكنها وبسبب أنها كانت ربما أول بلد عربي يقع تحت طائل الهجمة الصليبية الاستعمارية التي استعرت مع حلول القرن التاسع عشر الميلادي –بدأ الاحتلال الفرنسي للجزائر بغزوها في عام 1830 واستمر إلى غاية 1962- وكان بالتالي من سوء طالعها أن تشهد مختلف صنوف أعمال المسخ و نشاطات الفصل عن الامتدادات الطبيعية فيها نحو العمق الحضاري الإسلامي.
الجزائر: تحديات ما بعد استفتاء المصالحة لم يكن أحد يتوقع أن تأتي نتيجة الاستفتاء في الجزائر بغير ما أعلن عنه رسميا إذ لا يمكن لعاقل أن يكون ضد المصالحة الوطنية مثلما هو واضح على الرغم من تلك الانتقادات الكثيرة التي أبدتها رموز المعارضة لنص الميثاق المطروح وهذه كلها أمور طبيعية ذات دلالات صحية تتفق عليها كل أنظمة الحكم "الديمقراطي" في العالم مما يعني أن معارضة برنامج انتخابي بشكل أو بآخر هو أمر منطقي بما أنه لا يمكن مطلقا أن تتفق كل توجهات الجزائريين، على تنوعها، بخصوصه ومن هنا لا ينبغي أن ينظر لكلامي هذا على أساس أنه تهجم على سلطة أو معارضة ما دامت الأمور تجري، افتراضا، وفق خط سير معقول ومقبول.
الحديث عن نص الميثاق الرئاسي في حد ذاته سيجرنا إلى تشعبات نحن في غنى عنها؛ لأنه سيكون بالضرورة، إما خطابا تجاوزته الأحداث بما أن الموضوع صار واقعا مؤشرا عليه بنسبة "كاسحة" وإما تكراراً لكلام كثير ظل يلازم كل الكتابات في الجزائر وفي خارجها، وبالتالي فلن نخوض كثير في الأمر؛ لأننا في الحالتين لن نغير من واقع الأمور شيئاً ومن هنا يتعين علينا أن نحاول استقراء جانب مهم مما لازم هذا التطور في يوميات الجزائريين ولعل أهم ما ميز هذا الحدث الوطني هو تلك المقاطعة الواسعة التي تعاملت بها منطقة محددة إزاء الموضوع برمته ونعني بها هنا منطقة القبائل.
كردستان شمال أفريقيا: منطقة القبائل في الجزائر هي في الواقع منطقة إستراتيجية هامة من جغرافية البلد العامة فهي تمتد على مسافة نحو الثلاثمائة كيلومتر من الشريط الساحلي المحاذي للعاصمة جهة الشرق وهي تغوص في داخل البلد بنحو 100 كيلومتر من الساحل كأقصى حد مما يجعل منها منطقة ذات أهمية حيوية قصوى لبلد كالجزائر بسبب هذا الموقع المركزي لها على الرغم من أنها أساسا منطقة فقيرة من حيث الموارد الطبيعية بما أن أغلبها هي جبال شاهقة لا تمارس فيها غير بعض الزراعات المتوسطية كشجر الزيتون أساساً من غير أن ننسى الإشارة إلى بعض الوحدات الإنتاجية الصغيرة حيث تقام بعض الصناعات التحويلية الخفيفة كالمنسوجات والمواد الغذائية بشكل خاص.
هذا ما يجعلنا ندرك أن المنطقة من غير الامتداد القطري العام لا يمكنها أن تتمكن في ظل حالتها الاقتصادية الراهنة، من العيش في معزل عن باقي أقاليم الجمهورية ولا الاستقلالية الفعلية عن بلد شاسع كالجزائر وبالتالي لا يمكننا الحديث عن دوافع اقتصادية تقف وراء موجة جديدة من التصعيدات التي باتت هذه المنطقة مسرحا لها وهذه الموجة الجديدة من النعرات العرقية صارت تطالب صراحة بضرورة الانفصال عن السلطة المركزية في العاصمة.
لقد تحدثت الأخت/ ياسمينة صالح في مقال سابق في موضوع ظاهرة التنصير المقلقة التي صارت إحدى أبرز سمات المنطقة البربرية بشك لافت في السنوات الأخيرة، ولا أريد هنا أن أكرر ما قالته، وبالتالي فإن حديثنا عن المنطقة سيعني حديثنا على أنها كانت منذ سنوات الاستقلال الأولى -نالت الجزائر استقلالها النظري عن فرنسا في يوم 05 تموز/يوليو 1962- منطقة شد وجذب بينها وبين السلطة المركزية والواقع أنها كانت إقليم نزاع دائم على النفوذ حتى خلال سنوات الاستقرار التام في باقي مناطق الجمهورية مما يعني أن توهج المنازعات هذه المرة هو أمر متوقع بل ومنطقي أيضا بالنظر إلى اشتعال كل الجزائر خلال سنوات الحرب ومنذ إقدام العسكر على إلغاء أول انتخابات تعددية حرة تشهدها الجزائر في العام 1992م.
لقد كانت الأمور تبدو عادية جداً، ولكن تطورات جديدة باتت تهدد الوحدة الترابية للدولة من أساسها إذ من غير المعقول أن تلوح جهات محددة في منطقة القبائل بضرورة "الاستقلال" وتبقى هذه الأصوات تتحرك هكذا بحرية وتجري لقاءات صحفية في العاصمة -مثلما هي حالة أشهر مطالب بهذا الحل/القنبلة المسمى "فرحات مهني" والذي لا يعدو أن نكون مغنيا مغمورا- من غير أن تمارس الجهات العليا في الدولة صلاحياتها الدستورية وتبادر إلى القيام بمهامها لأجل كبح جماح هذه القضية التي لن نغالي كثيراً حينما نصفها بعبارة واحدة: تهديد الأمن القومي.
حينما يختلط مفهوم مقاطعة الانتخابات بمشاريع تقطيع البلاد: ليس عيبا مثلما سبق وقلنا: إن تعارض بعض التوجهات السياسية مشروعا رئاسيا لأن مثل هذا السلوك هو ظاهرة صحية على حد رأي دعاة الديمقراطية -التي صار لزاما علينا تمجيدها- ولكن الذي حدث يوم الاستفتاء – 29 من الشهر المنصرم- في منطقة القبائل لا يصب على أية حال في هذا المجال.
إن قيام عشرات المتعصبين للقضية البربرية بمنع الناس من ممارسة حقوقهم السياسية من خلال عمدهم إلى إحراق صناديق الاقتراع ثم قطع الطرقات ومحاصرة القوى الأمنية وفرض قانون الغاب على مخالفيهم، كل هذه الأعمال الخطيرة في تقديرنا لا تعني أن الديمقراطية في الجزائر بخير بذلك الشكل الذي يراد تسويقه. إن كل هذا يهون أمام وقوف السلطة موقف المتفرج على مثل هذه التجاوزات الخطيرة وإحجام ممثليها في إقليم القبائل على التدخل لا يفيد بأن الدولة عندنا بلغ بها الحِلم درجة التسامح مع هذه الأعمال الإجرامية في حق أساستها ولا يعني في الواقع سوى أن الدولة تدرك تمام الإدراك أن هذه الأشياء لا تقع هكذا عبثا لأن الأمر كان غير قابل للحدوث لو أن هؤلاء "البشمركة" تحركوا من غير سند قوي يحميهم من وراء مياه المتوسط.
أن يقوم مغنٍ مغمور لا يرغب أحد في سماع كلماته بتحدي الجمهورية هكذا ويطالبها بضرورة أن تسحب رموزها السيادية من منطقة القبائل ثم لا تقدر الدولة على أن تمارس صلاحياتها وتترك لهذا المعتوه حبل الغارب ليتحرك بكل حرية ويضاعف من تصريحاته الصحفية وصولاته الإعلامية لا يعني سوى بأن هذا الشخص لا يتكلم ملء فيه لمجرد أنه مناضل جَسور لأننا لسنا ملزمين بعظيم فطنة لكي نعرف أنه يتحرك وفق إشارات ترسلها ألواح الريموت كونترول العابرة للقارات.
هل كردستان الجزائر هي حالة انفرادية؟ الواقع أن ما يقع في الجزائر لا يحدث هكذا عبثاً؛ لأننا لسنا بصدد معايشة موضة تنفرد الجزائر بها بما أنه يتعين علينا أن نلحظ أن الأمر صار يدخل في خانة "المرحلة الإجبارية" التي يتعين على كل بلد عربي كبير أن يجتازها والواقع يطلعنا أن العراق لم يكن غير الطبعة الأولى من هذه السلسلة التي يبدو وأنها لن تتوقف عند الجزائر قبل أن تطال سورية والمملكة العربية السعودية ومصر بكل تأكيد بما أن كل واحدة من هذه الدول تملك بشكل أو بآخر، واحدة من مقومات اختلاق هذا النوع من الأورام التجزيئية.
لا أريد أن أكون متشائماً، ولكنني من جانب آخر مجبر على القول بصورة أكثر صراحة: إن ما يبرمج في العراق من تقسيم طائفي تارة وعرقي تارة أخرى هو أمر قابل للتكرار في كل بلادنا العربية والإسلامية؛ لأن نظمنا البالية والتي بدلاً من أن تسعى إلى تعزيز علاقاتها مع شعوبها كصمام أمان ضد أي تدخل خارجي، راحت تسير في الاتجاه المناقض للفرضية.
السلام عليكم أما بعد.
بداية لدي تعليق على عنوان المقال: يا اخي لا يجوز بتاتا الوصف الذي قمت به بين كردستان و منطقة القبائل بالجزائر.
فمنطقة كردستان حقيقة تاريخية بشرية تميز آسيا الوسطى عبر التاريخ من خلال التمايز السائد في المنطق، لولا أيادي الاستعمار الذي خلط الأوراق بها لكان إخواننا الأكراد كباقي الشعوب في العالم بدولتهم و لغتهم و هويتهم. ة إلا كيف نفسر إصرار القوميين العرب على مواجهة سياسة التتريك العثمانية في بداية القرن ال20.
أما منطقة القبائل يا سيدي منطقة جزائرية و مغاربية لا يميزها عن المناطق الأخرى لا العرق و لا الدين و لا اللغة (بحيث الأمازيغية ينطق بها في أكثر من ثلث سكان شمال افريقيا).
و الأغلبية المطلقة لسكان المنطقة لا ينوون الإستقلاق و لا حتى المغني فرحات مهني (ابن شهيد سالت دماء أبيه من أجل علم الجزائر) يفكر في ذلك بل يفكر في إعادة التنظيم الإداري بمنح الحكم الذاتي للمنطق المختلفة بداية بالمنطقة التي ينتمي إليها لا أكثر.
و لعلمك ل أقبل و لن أقبل أبدا أن أصبح جزء صغير في بلاد أجدادي و أبائي يا سيدي.
إذن آمل أن تعود المور إلى نصابها في تفكير البعض المتسرعين إلى الحكم على أشخاص و أفكار.
و السلام عليكم.
الوسائل التي تتيح للمستفتين الحصول على الفتوى الفقهية من المرجعيات المعتبرة :