الحزب الإسلامي: الإغراق في السياسة لحد الغرق

أميـر سعيـد   | 11/9/1426

amirsaid@gawab.com

هناك عدة سيناريوهات للتعامل مع سقطة الحزب الإسلامي العراقي, أيسرها على الإطلاق لدى أرباب القرارات الفورية والحاسمة هو تخوين الحزب برمته وربما تكفيره واستحلال دماء أتباعه.
والتكفير والتخوين دائماً هما أداتان سهلتا الاستخدام لحشر الخصم في ركن لا يمكنه الحراك فيه ولا الفكاك منه , وقرار الحزب الإسلامي العراقي بشأن التصويت على مسودة الدستور العراقي بنعم قد سهل كثيراً على خصومه الدينيين بالخصوص النيل من نزاهته ؛ حيث الأسباب قوية وظاهرة البيان في نسف أصول هذا القرار الخطير والمفزع من الحزب المفترض بأن يمثل سنة العراق سياسياً وسط أعاصير طائفية مرعبة وشطآن أمان بعيدة عن حياة أهل السنة المكلومين في العراق.
القرار جد مفزع وشوكة في خاصرة الوحدة السنية التي أوشكت أن تتحقق وآبدة تقصم ظهر المقاومين وتمزق الراية السنية في أكثر الأوقات هي فيه حاجة إلى التئام الصفوف تحتها وتراصها بوجه العدو الصائل.
بيد أنه مع ذلك ليس السبيل إلى رتق الرقع الذي أحدثه الحزب الإسلامي في النسيج السني هو شهر السلاح بوجهه وفتح الأبواب فسيحاً لكل باغ فتنة في هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها الأهل السنة في العراق , فلا التكفير سيحمل الحزب على التراجع ولا إشهار السلاح سيجلب الوحدة , فنحن إزاء إشكالية هي بحاجة إلى قدر عالٍ من الحكمة وصبر جميل على المعالجة ؛ وثمة جماهير عريضة تحمل فكر هذا الحزب وكثير منها يجهل مغبات سقطة الحزب ويعتبر ما صبا إليه فتحاً من الفتوحات السياسية !! وللحزب امتداداته الإقليمية والدولية اللتان تجعلان مصلحة المقاومة في أن تناصحه سراً وجهراً , وأن تقصر مخاصمته على ساحات السياسة من دون ساحات الوغى , ولابد هنا أن ترتفع الأصوات من كل العالم الإسلامي لتقول لهذا الحزب اتق الله في أهل السنة بالعراق ولا تشق عليهم العصا وتفت من عضد المقاومة وهي تناضل من دون غطاء سياسي رشيد , وخلافاً للجماهير هناك قيادة لهذا الحزب بعضها يحسب أنه يحسن بأهل السنة صنعاً وبأنه قد اختار أدنى الشرور بموافقته المبدئية على الدستور القابل للتعديل بنظره , ومن هنا كان التنديد الشديد بهذا القرار غير حائل لنا عن إبداء انزعاجنا من سماع أنباء تتحدث عن تعرض بعض مقرات الحزب في مناطق السنة لهجمات بالقنابل وعن مقتل أحد قيادات الحزب في الزعفرانية إلى الغرب من بغداد ـ وهو حامد عبيد الموسوي ـ بعد يوم واحد من صدور قرار الحزب , وعن صدور تصريح لأحد "رجال الدين" في الرمادي نقله موقع قريب من المقاومة العراقية جاء فيه :"إنها ليست أولى جرائم هذا الحزب ضد أهل السنة ولا آخرها, فلم ننس موقفه غير المشرف ضد مقاومة الفلوجة الأولى والثانية, وضد المقاومة في سامراء, فكلما حان انتصارها دخل بطريقة عبد الله بن أبي ابن سلول (..) إنه يمثل دور العميل المتدين؛ فله الموت في الدنيا والنار في الآخرة." !!
ومثل هذه النزعة التكفيرية الدموية كفيلة بأن تجعلنا نضع أيدينا على قلوبنا خشية أن تنجح مخططات المحتل في دق أسافين الفتنة في تربة العلاقات السنية/السنية بعدما نجحت في توسيع رقعة الاستقطاب بين طرفي الوطن العراقي الأكبر وهما السنة والشيعة ـ غير غافلين عن أسباب تجعل الاستقطاب حالة طبيعية حتى من دون المحتل لكن ما نعنيه هنا هو زيادته كماً وحدة صراع كذلك سواء على الصعيد الوطني برمته أو السني على وجه الخصوص ـ بعدما نجحت تلك المخططات أيضاً في تمكين قيادات علمانية تنتمي للسنة في الحديث باسمها والحضور في مفاوضات سياسية كممثلين لها.

الحزب الإسلامي تعلق بحبال سياسية بالية:

لا نريد أن نتحدث عن صفقات أبرمها قادة الحزب الإسلامي مع الاحتلال ولندع هذه المساحة الظنية إلى أخرى أكثر قبولاً وهي المساحة الاجتهادية التي أسس الحزب قراره عليها , وهذا اجتهاد بني على مظنة توافر أدنى قدر من المفسدة في هذا الخيار التوافقي , وهو ما أوضحه الدكتور عمار وجيه عضو المكتب السياسي للحزب و مدير مكتبه الإعلامي في تصريحه الذي أعلن فيه عن موافقة الحزب على التصويت بنعم للدستور العراقي الجديد معللاً ذلك بأنها قد جاءت فقط بعد موافقة الجهات الأخرى على مقترح الحزب بتشكيل لجنة يمكنها بعد أربعة أشهر إجراء تعديل على الدستور إذا حظي بعدها بأغلبية نسبية (50% + 1) في البرلمان ثم أغلبية نسبية أيضاً بعد عرضه على الاستفتاء العام ما لم يعارضه ثلثا المصوتين في 3 محافظات أو أكثر , وعرض الدكتور وجيه وجه نظر الحزب بقوله : "إنّ الحزب الإسلامي العراقي عند قراءته للساحة وجد أنه أمام خيارين : إما أن يمرر دستور لا يمكن تعديله إلا بعد ثمان سنوات في حالة عدم القدرة على إسقاطه , و إما أن يستفيد من فرصة التعديل بعد أربعة اشهر من انعقاد الجمعية الوطنية القادمة , فترجح لدينا أن المصلحة في الاختيار الثاني . معنى ذلك أننا عندما نصوت بنعم فإننا لن نصوت بنعم للدستور الحالي و إنما لهذه الفقرة التي يمكن بواسطتها إجراء تعديلات جوهرية على الدستور بعد الفترة المذكورة." (وفقاً لما جاء في موقع الحزب).
هذه هي مبررات الحزب والتي من أجلها راهن بخسارة قسم كبير من الشعب السني العراقي , وهي في مجملها لا تحتاج إلى كبير جهد لبيان فداحة الثمن المدفوع لنيل مطلبها الحزبي الظني , وعلى أية حال فالزمن كفيل بإثبات تهافت هذا المبرر الذي ساقه الحزب لإبداء موافقته على تمرير الاستفتاء وصعوبة تحقيق ذلك المبرر , فالأغلبيتان الطامح إليهما الحزب سواء في البرلمان أو في الاستفتاء الشعبي لن تتحققان بسهولة في ظل نظام إداري يدفع فيه الطرف الأمريكي وشريكه الفارسي باتجاه حرمان السنة من تمثيل حقيقي يكافئ حجمهم السكاني , وبالتالي يبقي أهل السنة دون الأغلبية التي يمكنها تعديل الدستور وإنما يقبل فقط بقيام ممثليهم بدور التيس المستعار لتحليل هذه الزيجة الفاسدة بين قطبي الحكم في العراق (الطائفيين الفارسيين والأكراد من جهة , والأمريكيين من جهة أخرى).
هذا أولاً , أما ثانياً ؛ فإن تصريح الدكتور عمار وجيه يشي بأن الحزب ذاهل ـ أو هكذا يبدو ـ عن حقيقة يدركها القاصي والداني وهي أن العراق ما زال بعد محتلاً يمسك بتلابيب الحكم فيه رجالات الولايات المتحدة وأزلامها , ولا يصدر شيء من قيادات الحكم العراقيين و وزعمائه المعلنين إلا ودولة الاحتلال الأمريكية مقرة له أو ساكتة عنه , وهذا التصريح ينم عن ممارسة سياسية من الحزب كأنها تجهل مسلمات لا تضع معطياتها الأولية في خانة الدول الديمقراطية العريقة كبريطانيا أو ألمانيا حتى يتسنى لأحزاب الظل فرض إراداتها الشعبية دونما اكتراث بفعل المحتل وتأثيره ..
أما ثالثاً , فإننا لا ندري على وجه الخصوص هل تقمص قادة الحزب دور غاندي وسعد زغلول لاعتبار أن المقاومة السياسية للاحتلال يمكن أن تنجح ويزول الاحتلال بترديد هتافات معادية له واتخاذ سبيل المقاومة السلمية المجردة ؟! أليس ذلك مثيراً للدهشة في ظل حقائق تاريخية تبعد كثيراً عن مجرد التفكير في هذا السبيل واتخاذه منهجاً سياسياً ناجعاً .. وأيضاً في الواقع الدولي والإقليمي الحالي , وهل نجحت حركة حماس فيما نجحت فيه حتى الآن إلا وقد صارت بين غدوة نضالية وروحة تفاوضية ؟ وهل يمكن للمظلة السياسية للمقاومة ـ إن جاز التعبير الذي لن تقبله كثير من فصائل المقاومة قطعاً عن الحزب ـ أن تمر مر السحاب بعيداً عن ميدان القتال لتظلل منطقة أخرى غير كتائب المقاومين؟
إن الحزب الإسلامي على أفضل تقدير قد اختار السبيل الذي ينسجم مع موروث ثقافي هو يلتزمه , يجعله ـ في نظره هو ـ أرفع مقاماً في فهم السياسة من حركات لا توافقه إغراقه فيها بطريقة براجماتية ضيقة , وأقدر من أصحاب الأقدام المغبرة على إدراك طلاسم المعادلة العراقية وظروفها المحلية والإقليمية والدولية التي تجعل من الصعب حقيقة الخروج من المأزق الحالي دون دفع الثمن الذي هو حقيقة يخالف توصيف الحزب له. ولكن ألهذا السبيل وهذا التفسير الحزبي نصيباً من المصداقية مع ما نراه من تأثير سلبي لممارسات الحزب السياسية ؟

الولايات المتحدة ولعبة فرق تسد:

هذه الولايات المتحدة الأمريكية التي رحبت على الفور بقرار الحزب هي هي التي داست أقدام جنودها منذ شهر (زعيم الحزب) د/محسن عبد الحميد، ووضع أحدهم حذاءه الغليظ فوق عنق الرجل, ولئن كانت بريطانيا مبدعة الشعار "فرق تسد" ؛ فإن الإمبراطورية الجديدة التي لا تبعد مفرزاتها العسكرية بضعة كيلومترات عن ثكنات الإمبراطورية الآفلة الشمس في الجنوب العراقي , ومنها استقت هذه السياسة التي أبرزها مؤخراً اعتقال جندين بريطانيين في البصرة يستقلان سيارة مفخخة، حيث الأغلبية الشيعية في المدينة والتي يراد لسكانها الشيعة أن يجيشوا كلهم ضد السنة , وتكرار المشهد بعد ذلك بأيد أمريكية في مناطق السنة , ومن يدري , فلعل بعض الهجمات التي يتعرض لها الحزب الإسلامي الآن هي من صنيعة المحتل أو على الأقل تخدم مخططاته (وإن بدا الاحتمال لذلك ضعيفاً).
والقضية هنا ليست مجرد محاولة قتل فردية أو هجوم محدود , وإنما الخطورة هي محاولة الولايات المتحدة عزل القوى المسماة بالمعتدلة في الحركات الإسلامية عن محيطها الشعبي وتوسيع الهوة بينها وبين القوى المحافظة داخل الإطار المقاوم للهيمنة الأمريكية على المحيط العربي والإسلامي , ومن ثم تبدو الخطورة التي نجحت الولايات المتحدة في تصعيدها أو خلق المناخ المناسب لنموها حتى غدا قتل كادر إسلامي مهما بلغ الشطط في اجتهاده هو من واجبات كادر آخر لم ير في المحتل وجميع قوات التحالف الغربية والشرقية وميليشات فارس والقوات العراقية المتوافقة مع المحتل أهدافاً أولى بالاستهداف حتى يعدل عنها إلى حزب سقطت قيادته في تسويق قرار سقيم , لا بل حتى تكمن الخطورة في توسيع ميادين القتال وتجييش الأعداء من قبل مقاومة فتية لكنها لم ترق إلى اعتبارها قوة عظمى.

إن الواجب الآن يحتم على الحزب الإسلامي والقوى التي بدأت تنحو منحاه في هذه الفترة الحرجة والقصيرة والدقيقة التي تسبق أيام قلائل تبقى على الاستفتاء المشين مراجعة واعية وأوبة إلى الإجماع السني والوطني الأصيل الذي لا يقدم هدايا مجانية للمحتل , وتفرض عليه عدم اتخاذ موقف منفرد يتجاهل طموحات المقاومة العراقية بكافة صورها السياسية والعسكرية ويصم آذانه إلا عن ثقافة ترى الحل السياسي هو منتهى الأحلام والعقول في ظل احتلال لا يفهم سوى قوة السلاح , بها يخاطب الشعب العراقي وبها يذعن ويتراجع.
والواجب من جهة أخرى , أن تعلو أصوات العلماء الربانيين الحكماء في العراق وفي غير العراق من دون أن تترك الساحة لكل غالٍ بتكفير أو تخوين أو إقصاء إلا لرأيه واجتهاده , وأن تسمو قيمة الرفق والتراحم بين القوى الإسلامية والوطنية المقاومة للاحتلال وفقاً لتصوراتها واجتهاداتها.





  

جزاكم الله خيرًا
نعم ياسيدي كما قلت في العنوان إنه الإغراق في السياسة لحد الغرق.
وهو ما نخشى أن تسقط فيه حركة الإخوان المسلمين في سائر الدول العربية خاصة في مصر.
إن الإغراق في الجانب السياسي بعيدًا عن الثوابت المنهجية والتي دعا إليها الإمام البنا تعتبر الخطر الأساس الذي يهدد الحركة المباركة.
والحزب الإسلامي في العراق لهو التطبيق العملي لأسوء ما يمكن أن يصل إليه "المسلمون المعتدلون".
والأخطر من ذلك أن يدفع فئات أخرى من الطيف الإسلامي لمزيدًا من التباعد.
"من اعتاد على البذات الأنيقة والمفاوضات يصعب عليه ساحات الوغى، ومن قضى عمره شاهرًا سيفه أنى له أن يتفاوض"
فأنى لنا بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حيث السيف في موضعه والسياسة في وقتها؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

  

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><br>

تصفح الموقع عن طريق الجوال RSS  تابع الموقع عن طريق

كم مرة تعودت ان تختم القران في رمضان ؟

الارشيف