الإسلاميون في ميزان الفعل السياسي المصري

أميـر سعيـد   | 30/8/1426

ما قد ظنه البعض إعصاراً يوشك أن يضرب الحياة السياسية المصرية فيكفأ مرجلها ويقلع فسطاطها، ما لبث أن تكسر على الشواطئ الأمريكية قبل أن يصل مصر وقد غدا ريحاً لطيفة، لم تغير كثيراً من الأمور التي سبقت هبوبها لكنها أغدقت على المراقبين من فيئها بما ضمت فصولها السريعة من أحداث تستحق إيلاءها قدراً كبيراً من الدراسة.
حقائق فرضت وجودها على طاولات البحث, ودواعٍ لتجريد الحسابات من تضليل المجاملات التي تنزع بها دائماً إلى إبقاء الحالة الرثة على وضعها لمن يبسطون أيديهم بدعاوى الإصلاح والاستنهاض..

وفي قلب تلك الحقائق يسكن مفهوم لا ينبغي أن تحجبه المجاملات , وهو أنه مهما قيل ـ توسعاً بالحديث ـ عن "حركات إسلامية مصرية" ؛ فإن الفعل الإسلامي السياسي لا ينبغي أن ينصرف الذهن حوله لغير جماعة الإخوان المسلمين, على الأقل في هذه المرحلة التي تمر بها الحركة الإسلامية في مصر.
وإذا ما قيل إن هناك حركات إسلامية أخرى تسعى للتغيير الاجتماعي والأخلاقي وغيره , فإنها من دون أن نظلمها بوصف يتجاوز حدود إمكاناتها ومعارفها، بل وتصوراتها وخطوطها الفكرية المبهمة في معظم الأحايين ليست في وارد المراجعة السياسية؛ لأنها لا تتعاطاها بالأساس.
وبالتالي فإن جل الحقائق ودواعي تجريد الحسابات ستنصرف إلى الجماعة الإسلامية الفاعلة الوحيدة في الحياة السياسية المصرية , من دون أن نهمل أكبر دوي لتفاعلات فكرية مخبوءة في صدور الكثيرين قلما تبارحها.

أولى تلك الحقائق, هو ذلك الجدل الذاتي الذي خلفته الانتخابات الرئاسية المصرية بكل ما أثارته بدورها من جدل وصراع سياسي دب أواره داخل كل حزب أو تيار اتخذ من تلك الانتخابات موقفاً سياسياً حتى لو كان ذلك الموقف هو المقاطعة الإيجابية التي ترى بعينيها استحقاقات الجمهورية الرئاسية القادمة , بما في ذلك الحزب الوطني ذاته الذي يشهد هو أيضاً حالة من تجريد الحسابات وتقويم النتائج والاستعداد لزمن لا كسابقه.
هذا الجدل إن كان الحديث عن الحركة الإسلامية خصوصاً , فهو يتمركز حول مفهوم المشاركة السياسية والخيار الحزبي في النضال السياسي, وطرح مواقف متراوحة ما بين التشدد والمرونة منه، فعلى سبيل المثال لم يكن جديداً على حركة الإخوان المسلمين أن تجد نفسها مدعوة لأن تختار بين مرشحين ليس فيهم أحد يحمل الفكرة الإخوانية وإن بدا البعض متعاطفاً لحد ما مع طموحات الإخوان في مشاركة سياسية مشروعة , بيد أن الجديد هو كان في أن الإخوان مدعوون هذه المرة لأن يختاروا هذا الخيار لمنصب رئيس الجمهورية , ويوازنوا بين العديد من المحددات التي جعلتهم في موقف لا يحسدون عليه.
وفي نظري أن الإخوان قد وقع اختيارهم في اتخاذ موقف من عدة قضايا بعد دراسات متأنية جداً على خيار قد يكون هو الأفضل لكنه ليس خالياً كغيره من الاستحقاقات.

كان الإخوان أمام معضلات متعددة واستحقاقات لا حدود لها, فهم ظنوا الباب مشرعاً للتحرك فوجدوه موارباً جداً يميل ناحية الإغلاق؛ فتحركوا ثم أبطؤوا , ونسقوا ثم انفردوا , وبدا لهم المشهد يدعوهم إلى اتخاذ مواقف من كل القوى السياسية المتعارضة بطبيعة الحال بما يحفظ لها قنوات اتصالاتها وتنسيقاتها مع الأحزاب السياسية التي تضفي في كثير من الأحيان شرعية قانونية على الإخوان بتحالفها معها , وثَم لا غنى للإخوان عنها.
والإخوان كانوا دائما في الانتخابات الرئاسية وغيرها محاصرين باتهامات عدة , فلو قاطعوا لاتهموا بالسلبية وإفادة النظام بأصواتهم الضائعة التي لم تكن لتلقى في سلته أبداً , وعدت تلك منهم صفقة لا يرض عنها الليبراليون ولا حتى القوى القومية المقاطعة للانتخابات بالأساس!

ولو شاركوا في الانتخابات كما هو قد بدا الحال عليه مكتفيين بالتصويت للمرشح الليبرالي د/أيمن نور من دون تسميته ؛ فإنهم يقعون تحت طائلة الرمي باتساقهم مع الرغبة الأمريكية الليبرالية التي يشاع أن نور أحد آليات تحقيقها في مصر من قبل مناوئيه.
بين التماهي مع الاستبداد والفساد من جهة والتساوق مع الرغبات الأمريكية من جهة أخرى يقع الإخوان بين مطرقة هذه وسندان تلك .. وبين الاتهام بالسلبية مع المقاطعة أو مخالفة جمهور المقاطعين (ومنهم معظم أبناء الشعب المصري الذين قاطع 77% ممن يحق لهم التصويت منهم هذه الانتخابات) واتخاذ موقف يعده المقاطعون ميكيافيلياً .. وبين المشاركة الفعالة القوية وبين الاقتصار على "التصويت المنفرد" تماماً مثلما غردت طيورهم خارج سرب المعارضة والحكومة على حد سواء بعزفها المنفرد..
اتخذ الإخوان إذن موقفاً قد يكون كما قدمنا أفضل الحلول وأقل الشرور بالنسبة إليهم , لكنه مع ذلك لا يحول دون تفجير أسئلة عديدة داخل الخيمة الإخوانية تتطلب جهداً فائقاً من مكتب الإرشاد بالجماعة للإجابة عليها من دون إغضاب أطراف ربما تعجبها الحالة الغائمة للموقف أكثر مما يعجبها المجاهرة به.

هل ساهم الإخوان في إبراز صورة د/أيمن نور للشعب بأكثر مما ينبغي , وتنصيبه زعيماً للمعارضة برغم تحفظ البعض من قيادات وكوادر وقواعد الإخوان على علاقاته الخارجية والداخلية ؟ إذا كانت رغبة فريق في مراكز صنع القرار الأمريكي هي إيجاد بديل ليس إسلامياً يقود المعارضة حقيقة ويجد له أرضية فاعلة في الشارع المصري , فهل كمون الإخوان عن تفعيل معارضتها بعد الاعتقالات وتصويت معظم أفرادها لنور قد ساهم في خلق هذه الزعامة الجديدة التي هي في غياب الدكتور عصام العريان وغيره , قيادة شابة طموحة تقابلها قيادة مسنة لجماعة الإخوان المسلمين , وأمامها مستقبل واعد من العمل السياسي (إذا ما شاء الله) ؟ وهل أفضت نتيجة الانتخابات الرئاسية إلى التقليل من قيمة القوة التصويتية للإخوان بعد أن أضحت الصفوف المتوسطة والدنيا في الإخوان غير مدعوة لتأليب الشعب ضد هذا أو حشده ضد ذاك ؟ وكيف يمكن أن يخطف الإخوان أبصار الساسة بعد أن اكتسح الرئيس مبارك أصوات الناخبين برغم تصويت الإخوان ضده (برغم النظر عن ماهية ما جرى في الصناديق الخشبية ولها) ؟ ومتى كان لحزب سياسي أو جماعة تتعاطى السياسة أن يترك لقواعده تحديد المرشح المقبول له ؟ وكيف يمكن لكل فرد أن يستوعب دقائق السياسة وحيثيات الرفض والقبول من دون ترجيح من قيادته السياسية ؟ وهل اختيار رئيس الجمهورية من الأمور الهينة التي تترك الجماعة فيها لأفرادها العالم فيهم والجاهل والحصيف فيهم والساذج أن ينحاز لمرشح ما ؟

بالطبع لم تكن قيادة الإخوان عاجزة عن ترجيح المرشح المعني بالتأشير أمام اسمه في كشوف الانتخابات لكنها وفقاً لحساباتها الدقيقة أبقت اسمه سرياً حتى تسرب بعد ذلك عمداً أو سهواً لوسائل الإعلام !!
وحيث انتقلت جماعة الإخوان من قضية "التنظيم السري" إلى إشكالية "التصويت السري" ؛ فإنها توابع هذه الانتخابات قد تفتح في غرفات بحثها ومراكز دراساتها ملفاً بالغ الأهمية فرض نفسه الآن قسراً لجهة تكبيل موازنات الإخوان الكثيرة والمتعددة والمثقلة وعلاقاتها بجميع القوى السياسية عن اتخاذ مواقف سياسية حاسمة , وبدوره هذا يقود الجماعة إلى البحث في ضرورة فصل الجناح السياسي للجماعة عن جناحها الدعوي والتربوي والاجتماعي حتى بغض الطرف عن مسألة السماح للجماعة بحزب سياسي من عدمها, إذ من صلى خلف المرشد من المرشحين كان يلتمس أثناء زيارته له دعماً سياسياً , وليس فتوى فقهية , وهذا هو أحد أبرز استحقاقات الانتخابات الرئاسية بالنسبة للإخوان المسلمين.

حقيقة أخرى فكرية غزيرة المحاور بما لا تقوم به تلك الصفحات , وهي حقيقة ربما أرادها الغرب ..ربما قامت تحت ضغوط الواقع , لكنها أيا كان مصدرها فهي تفتح شهية الباحثين لكيفية تطور الخط الفكري للإسلاميين بصفة عامة في مصر وفي غيرها كذلك , هل هو أمر مرهون بتطور المجتمع ذاته في أي اتجاه سار ؟ هل يقود الإسلاميون الفكر الاجتماعي أم يساقون من خلال تحركه ؟ كيف صار المحرم في المشاركة بالانتخابات لدى أصحاب الفكر التقليدي لدى الإسلاميين من غير الإخوان جائزاً ؟ كيف عبر البعض إلى الحديث عن من نختار من غير الإسلاميين بعد أن كانوا يتحفظون على إعطاء أصواتهم حتى لقرنائهم من الإسلاميين ؟! كيف جرى الحديث عن الديمقراطية والاستشهاد بقواعدها ثرياً على ألسنة كثير من الإسلاميين في مصر بعدما ظل لعقود من المناطق المحرمة في الحديث ؟ هل أفلح الغرب أم تغير الإسلاميون إيجابياً ؟!
أليس حرياً بالإسلاميين أن يؤصلوا قواعدهم الفكرية بنفس هادئة وروية واحتكام إلى النص ثم العقل بقواعد راسخة وفكر عال بدلاً من قولبة العقول وتعليب المفاهيم الغامضة واطراح الواقع وإهمال المستجدات , وانتظار رياح التغيير أن تهب عليهم هم أنفسهم ؟!

حقيقة ثالثة تساؤلنا عن هذه الأصوات التي بدأت تعلو داخل التيار السلفي وكشفت عنها بيانات على الإنترنت باسم "سلفيون من أجل التغيير" وغيرهم , عن حالة مراجعة داخل الصف السلفي قد ترى نفسها في حاجة للحضور السياسي الفاعل , وهل هي مستعدة؛ لأن تراجع ذاتها قبل أن تنصرف إلى الإصلاح خارج هذا الصف السلفي والتغيير فيه , إذ إن كثيراً من قواعد اللعبة السياسية التي قد ينخرط فيها هذا التيار وغيره أيضاً من جماعات السلاح التائبة ستعوزها أن تطبق داخلياً قدراً من المساءلة الداخلية قبل أن تلتفت إلى غيرها , وقبل أن يصرخ بعض أفرادها في وجه قياداتها : "كفاية" !!

حقيقة رابعة , هي رغبة جماعات السلاح التائبة في أن تتواجد على الساحة السياسية , فقد تظاهر نحو 100 من جماعة الجهاد في السجون ضد مدة رئاسية جديدة للرئيس المصري حسني مبارك في يوم الانتخابات لكنها لم توضح ما إذا كانت تؤمن بمبدأ تداول السلطة أم تعارض وجود مبارك فقط وترحب بأي تغيير كان ؟ وهل ستجلب لها هذه التظاهرة وجوداً على الساحة من دون أن تؤثر هذه المعارضة العلنية على جهود الدعوة للإفراج عن أعضائها الكثيرين ـ وهم معظم أفراد الجماعة التي لا يكاد يكون لها وجود خارج السجن ـ والتي يتوقع أن تجد لها آذاناً صاغية عند حكومة الحزب الوطني وزعيمها بأن أن غدت مطلباً رئيساً للمعارضة ممثلة في الأحزاب المشاركة في الانتخابات وأبرزها الغد والوفد , والمقاطعة ممثلة في حزبي الناصري والتجمع , والحركات المعارضة الأخرى كحركة الإخوان وكفاية إضافة إلى ضغوط صحفية عنيفة تقودها صحيفة الدستور الراديكالية والمصري اليوم المعتدلة , علاوة على منظمات حقوق الإنسان المصرية وأبرزها المنظمة المصرية لحقوق الإنسان.

حقيقة خامسة أن جماعة أنصار السنة في مصر قد تخلت عن حيادها السابق واتخذت موقفاً يتصف بقدر كبير من البراجماتية في تأييدها لمرشح الحزب الوطني ؛ إذ أظهرت في العلن معارضتها لإبداء رأي محدد حول المرشحين مؤكدة عدم موافقتها على ما قام بها رئيس فرعها بدمنهور (ليسانس شريعة وبائع كشري) من مبايعة الرئيس المصري كـ"أمير للمؤمنين في مصر" (لم يشهد التاريخ اقتصار هذا اللقب الذي كان أول من تسمى به عمر بن الخطاب _رضي الله عنه_ على بلد دون آخر قبل تلك الحادثة)، بل وتوقع التحقيق معه , لكنها لم تعمل على إزالة لافتات المبايعة التي نثرها الفرع في شوارع المدينة بما يفي بالحيادية المزعومة للجماعة وبعدها عن السياسة على حد قول كبار مسؤوليها.

ومن هنا , فإنه باستثناء جماعة الإخوان المسلمين التي لاشك أنها باتت مدعوة لعمل جردة حسابات دقيقة لما أنجزته وما لم تنجزه في الانتخابات الرئاسية الجديدة وهي على أعتاب انتخابات نيابية شرسة لمراجعة مواقفها وتحالفاتها بل وبنيته وشكل تنظيمها الذي يستعد لممارسة سياسية أوسع وأشمل تأثيراً قد تطغى على جوانب أخرى في الجماعة وتخل بتراتبيتها المعهودة التي هي على أية حال ليست في أفضل حالاتها ؛ فإن جماعات أخرى داخل الحالة الإسلامية المصرية قد أضحت بحاجة إلى تغيير أشرعتها المهترئة قبل أن تغرق سفنها التقليدية العتيدة ..



  

حقيقة طريقتكم غير جيدة ولا أظن أنني سأفكر ثانية في التفاعل مع أي موضوع لكم أو حتى دخول موقع لايقبل النقد البناء بأسلوب حضاري راق!!!!

  

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><br>

تصفح الموقع عن طريق الجوال RSS  تابع الموقع عن طريق

الوسائل التي تتيح للمستفتين الحصول على الفتوى الفقهية من المرجعيات المعتبرة :

الارشيف