فلسطين: وحدانية الله.. ووحدانية السلاح!!

أمير سعيد  | 14/8/1426

كنا ندرس في طفولتنا في مادة التاريخ توحيد إخناتون للآلهة في وحدة الشمس بأنها إنجاز عظيم قام به الرجل لاعتباره مرحلة "توحيدية" تصل في الأخير إلى وحدانية الله!!
بفطرتنا أدركنا في الطفولة أن التوحيد لم يخضع لنظرية النشأة والتطور، وأنه أقدم من إخناتون ومعبده، وأدركنا أن ليس كل ما يطلق عليه توحيد أو وحدانية هو أمر مقدس تخضع لمنطقه العقول استسلاماً كالذي تخضع الأنفس وتعنت الوجوه للحي القيوم.

وفي شبابنا لاحظنا كم من الأخطاء يرتكب باسم التوحيد، فتوحيد القوانين وتوحيد التعريفة وتوحيد الضريبة وتوحيد الصف العربي وكثير من التوحيدات العربية، ثم كانت هذه الأيام التي تحدثنا فيها النخب الرسمية الفلسطينية عن توحيد السلطة وثم لما حانت ساعة الانسحاب "الإسرائيلي" من قطاع غزة صرنا نسمع ليل نهار عبر نشرات الأخبار المكررة "حرص القيادة الفلسطينية على وحدانية السلاح".
وجنرالات السلطة الفلسطينية وعقداؤها يخشون أن تعتري هذه الوحدانية شائبة "شرك السلاح" الذي يطيب لهم أن يدعونه "فوضى السلاح"، الذي لا ضير أن تستغل بعض الحوادث المحدودة، بل وتفتعل له بعض حوادث التناحر والاشتباكات وأجواء الاحتقان أحياناً وأحياناً أخرى عمليات خطف غير مفهومة أو مهضومة جلية الهدف واضحة الدلالة ليحذر بعض "الغيورين الوطنيين" من "فوضى السلاح الفلسطيني" التي لا تبتعد مسافة تسميتها كثيراً عن "إرهاب السلاح الفلسطيني" التي ترتفع بها عقائر "الإسرائيليين" كلما رد فلسطيني عدواناً.

ولكي لا نتهم بالفوضى نحن أيضاً، فإن مبلغ اندهاشنا هنا ينتهي عند زمرة من محترفي النضال الفندقي ترى في المقاومة فوضى وتنظر للكيان الأمني الفلسطيني على أنه دولة ذات سيادة لا تنتهكها "إسرائيل" كلما أرخى ليل غزة سدوله عليها؛ فثمة ما يمكن بغير شكوك أن نبني عليه في مسألة السلاح وضرورة توحيده عندما يتعلق الأمر بسلاح مفرغ من دواعي الإشهار في بلد مستقر يحظى بقدر عالٍ من السيادة لا يقف العدو ببابه بل بداخل بيته، أما وأن الصورة الحقيقية التي لا تراها تلك الزمرة هي صورة المقاومين يحمون بصدورهم أبناء غزة لدى كل اقتحام احتلالي غاشم، وصورة بعض الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي يفتقدها الشعب حين البأس؛ فإن الحديث عن "فوضى السلاح" وضرورة "وحدانية السلاح الفلسطيني" التي تتردد الآن مفرغة من مضامينها النضالية يمسي في مشهد لا ترضاه الزمرة ولا يرضاه العم سام.. مشهد الفوضى الحقيقية لسلاح يستخدم في الاحتفاليات أكثر مما يستخدم دفاعاً عن الثوابت الفلسطينية، وتصبح المطالبة بـ"وحدانية السلاح" ضرورة شديدة الإلحاح شريطة أن يتوحد السلاح في يد المقاومة لا في يد الضائقين بها ذرعاً.

إن هناك إلى الشمال غير البعيد "حزب الله"، الذي يرى الآن كثير من العرب ضرورة بقاء السلاح في يده كضرورة وطنية لبنانية وقومية عربية مع أن مقارنة محايدة ونزيهة ستقودنا إلى أن وضع حزب الله ، وقد تحررت معظم الأراضي اللبنانية المحتلة من الاحتلال "الإسرائيلي" أو لنقل كلها عند آخرين يعدون مزارع شبعا أراضٍ سوريةً وليست لبنانية هو وضع بعيد النجعة عن الواقع الفلسطيني الذي لو جزمنا بتحرير غزة من الاحتلال؛ فإنه معظم أراضي فلسطين أو حتى أراضي 67 مازالت في قبضة العدو.
وهناك إلى الشرق القريب أيضاً، حيث بلاد الرافدين هناك من يزعم أن العراق قد تحرر وأن لديه حكومة شرعية منتخبة وتزايد بمطالب ضرب المقاومة بالقنابل والصواريخ التي تملكها الولايات المتحدة "الصديقة"، ومع ذلك فإن فيلق بدر إحدى الميليشيات الموالية للاحتلال الأمريكي وميليشيا البشمرجة الكردية ما زالا يحتفظان بكامل سلاحيهما ولا أحد يتحدث بأي قدر من الموضوعية والأمانة عن ضرورة نزع هذه الأسلحة من أيدي الموالين للاحتلال.

وإذن فليست حالة المقاومة الفلسطينية فريدة من نوعها فيما يخص إصرارها على الاحتفاظ بالسلاح في المنطقة العربية، وإذا كان تملك البشمرجة وبدر وحزب الله السلاح رغم أن الأوليّن لا يستخدمانه إلا ضد أبناء شعبهما ولا يجد الأخير إلا قطعة أرض صغيرة كمبرر لاحتفاظه بالسلاح علاوة على تجاوره مع أشرس احتلال في التاريخ؛ فإن احتفاظ حماس والجهاد وفتح والشعبية والديمقراطية يصبح أمراً محتوماً وظاهر التبرير.
والواقع أن الحديث عن فوضى السلاح وضرورة وحدانيته فلسطينياً لا يعد إلا أن يكون تجسيداً لحالة من تلبيس المصطلحات الحميدة بأفعال ذميمة، بل قد تكون إجرامية في بعض الأحيان، فمثلاً تبقى "فوضى السلاح" حالة لمفهوم من المقاومة تضج به الولايات المتحدة الأمريكية اكتست هذا المسمى المأفون، وعلى النقيض يستحيل مصطلح "الفوضى" في منطق (وزيرة الخارجية الأمريكية) كونداليزا رايس من مصطلح بغيض إلى حالة إرهاصية حميدة للتغيير الديمقراطي "فوضى خلاقة"!!

وفي الأخير، لابد من نسف هذه القداسة المضفاة على درب من دروب الانكسار أمام العدو في لحظة الانتصار الحقيقية بدون ثمن، ذاك في الصورة الأسوأ أو في الصورة الأقل فداحة تمثل ترتيب البيت الفلسطيني داخلياً ـ وعلى افتراض عدم تدخل المحتل الغاصب لمعظم الأراضي الفلسطينية في شؤونه ـ بصورة استنساخية للأنظمة العربية مجتها الشعوب المجاورة من فرط اعتماديتها على الأمن وقداسة السلاح في يد السلطة وتأليه الأنظمة التي تكتسي ملابس الوطن الفضفاضة لتصبح الأنظمة هي الأوطان والأوطان هي الأنظمة بما يخلط بين الكفر بالأنظمة الاستبدادية التي تقدس السلاح المشهر في وجه شعبها وبين بغض الوطن ذاته، وهذا الذي يتجلى في هذه الصرخات الزاعقة في فلسطين والتي يعدها أصحابها صلاة في معبد "وحدانية السلاح" المقدس!!


  

لا أحب القوميين، ولا أصحاب التكلف في المقال!
قومية !! إنت ضد المقاومة ولا بتحب فيلق بدر ولا كان المقال صعب عليك ؟

  

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><br>

تصفح الموقع عن طريق الجوال RSS  تابع الموقع عن طريق

الوسائل التي تتيح للمستفتين الحصول على الفتوى الفقهية من المرجعيات المعتبرة :

الارشيف