ليس هذا عنوان مقال أو تحليل سياسي أو تقرير استراتيجي صادر عن إحدى مراكز الأبحاث أو صنع القرار في الولايات المتحدة إنما هو مضمون كتاب صدر بالإنجليزية أخيراً بعنوان (الحلم الأوروبي) The European Dream، ونشرت نسخة منه على موقع "تقرير واشنطن" لمؤلفه " جيرمي ريفكن"، وهو من أدرى العارفين بالشؤون الأوروبية.
ويبدو أن الرجل حاول الإشارة في كتابه إلى حلم أوروبي بموازة "الحلم الأمريكي" الذي نسمع عنه وقبل الحديث عن الكتاب نعرج على سيرة مؤلفه الذي ألف من قبل 15 كتاباً ترجمت إلى أكثر من 20 لغة، وتدرس معظم كتبه في العديد من جامعات العالم. ونال جيرمي ريفكن شهادة الاقتصاد من كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا كما حصل على شهادة عليا في العلاقات الدولية وهو مستشار للعديد من رؤساء الحكومات في العديد من دول العالم.
صعود الحلم الأوروبي! يبدو أن العالم بحسب الكتاب الملفت والمثير قد فقد الإيمان بالحلم والنموذج الأمريكي؛ لأن أمريكا لم تراع عيوب نموذجها في كل شيء… الاقتصاد السياسة وحتى الديمقراطية فضلاً عن تنامي وتغول دور اللوبيات حتى أصبحت تطغى على دور الدولة التي باتت مشغولة بخوض الحروب والمناكفات والنزاعات الخارجية.
الحلم الأمريكي..هذا الشيء غير الواقعي والمغاير للحقيقة تماماً بدأ مرحلة الانحسار والتلاشي في مجتمع أمريكي حالم يقضي أفراده يومهم بالكامل في العمل والعمل فقط فعن أي حلم يتحدثون؟!
ويعرض الكتاب للبديل الأوربي على أنه الأفضل لمن كان يحلم مسبقاً بالحلم الأمريكي ويرى مؤلف الكتاب أن الحلم الأوربي قد بدأ فعلاً يسيطر على قلوب الملايين الذين كانوا دائماً أسرى للحلم الأمريكي.
"الحلم الأوربي أكثر راحة وأكثر أماناً، ورخاء وهكذا فإن أسلوب الحياة الأوربية ليس فقط مطلوب بشدة الآن، بل هو صحي ووسيلة جيدة للحفاظ على نمط حياة متطور لمدة طويلة في هذا العالم المليء بالصعاب كما يدعي الكاتب.
ويأخذ الكاتب نموذج الرعاية الصحية حيث يراها الأكثر تطوراً في العالم، لكنها مقتصرة فقط على فئة الأغنياء، ويستشهد على ذلك بوجود ما يقرب من 45 مليون أمريكي بدون أي برامج للتأمين الصحي، كما أن نسبة وفاة الأطفال في الولايات المتحدة هي الأعلى من بين الدول المتقدمة.
ومع استمرار صعود فجر الاتحاد الأوربي، أصبحت أوروبا حقيقة لا يمكن إنكارها اقتصادية وسياسياً، وتقترب من كونها قوة عسكرية كبرى أيضاً. وبتعدي إجمالي الدخل القومي الأوربي نظيره الأمريكي، وتنفرد أوروبا بمزايا عديدة.. أوروبا الجديدة تعتمد على شبكة أسواق تعدت معها عقلية تنافس الشركات والمؤسسات الكبرى، ويدعم هذا المفهوم الجديد للمواطنة الأوربية وبدلاً من أقلية قوية مسيطرة، يدرك الأوربيون جدوى وقيمة الوعي المتكامل لضرورة خلق بيئة صحية أفضل، والحصول على معدلات إنتاجية أعلى.
المستقبل لأوروبا! المستقبل لأوروبا… هذا باختصار ما يحاول الكاتب قوله وهو في معرض حديثه أشار إلى تاريخ أوروبا منذ العصور الوسطي وكيف أن نشوء وارتقاء الولايات المتحدة قد حدث بأيد الأوربيين، ولكنه يؤكد أن أوروبا قد نجحت بهدوء في إعادة خلق وتبني أسلوب حياة أفضل خاصة بعد أن مرت بتجربتين مريرتين تمثلتا في حربين عالميتين خلال القرن الماضي. ولا يتناسى الكاتب أن القارة الأوربية قارة مرنة توفر أمثلة عديدة للحياة الأفضل في القرن الواحد العشرين، وعلى خلاف القرن العشرين الذي كان وبلا جدال قرناً أمريكياً، "إلا أن القرن الحادي والعشرين، فبلا جدال قرن أوروبي". ويذكر الكاتب أن قلة من الأمريكيين فقط تعي بما يحدث على الجانب الآخر من شواطئ المحيط الأطلنطي فيما يتعلق بالاتحاد الأوربي، فالأمريكيون "يعيشون ليعملوا، في حين أن الأوربيين يعملون ليعيشوا". والفارق كبير جداً، ففي حين العمل هو الأهم عند الأمريكيين، تصبح الحياة هي الأهم عند نظرائهم الأوربيين".
وهناك جذور ثقافية لهذا التفوق الأوروبي بحسب الكاتب، فأمريكا ينقصها رؤية تركز على استقلال الفرد وخصوصيته وزيادة ثروته، والحلم الأوروبي أكثر عمقاً عند التعامل مع ما يحتاجه الإنسان ونوعية الحياة التي يحياها. الأمريكي قد يكون أكثر حباً للمخاطر بطبيعة نشأته وتأسيس الدولة الأمريكية، على العكس من الأوروبي الحساس للمخاطر خاصة بعد خبرة الحروب العالمية في القرن العشرين، وهذا يعكس نظرة واقعية أوربية.
إلا أن مؤلف الكاتب وهو يعرض رؤيته هذه يتجاوز المعقول في عدم الانتقاص من التجربة الأوروبية أو سرد مساوئها؛ لأن للأوروبيين أيضاً مساوئهم ومثالبهم. فهل تتحقق نبوءة الكاتب ويكون المستقبل لأوروبا فعلاً؟!
القرن الحادي و العشرين للاسلام ودولة الاسلام