ليس ثمة شك أن اللعبة الإسرائيلية في فرنسا لم تكن أبداً وليدة اليوم، ولا حتى وليدة العشرية الماضية فحسب، بل إن الظروف السياسية ظلت في الكثير من الأحيان تخدم المصالح الإسرائيلية في أصعب الحقبات الدولية، و ليس غريباً أن يهدد شخص دموي مثل "أرييل شارون" بمعاقبة فرنسا في الكثير من التصريحات التي لم يكن يتوقف أمامها أحد .
"أرييل شارون" الذي يعرف العالم بأسره أنه مجرم حرب بسبق الإصرار و الترصد، يزور المدن الأوربية اليوم كما لو كان رئيس دولة، و الحال أن بمقدوره التهديد و الوعيد كما يشاء، و قد فعلها منذ الستينات أيام كان ضابطا في الجيش الإسرائيلي في حرب الاستنزاف الشهيرة.
تاريخ أرييل شارون لا يمكن التشيك في دمويته و فظاعته، حتى ومحكمة "لييج" البلجيكية تصدر ضده عريضة تتهمه فيها علانية بأنه مجرم حرب أباد آلاف من الأبرياء داخل و خارج الأراضي الفلسطينية و العربية المحتلة، وإن كانت نفس المحكمة أسقطت الدعوى قبل سنة بعد ضغوطات يهودية و أطلنطية أوروبية على بلجيكا، إلا أنها لم تسقطه عن ذاكرة الإنسان، فقد أظهر سبر الآراء الذي نشرته جريدة "لودروا" الكندية أن 54% من الأوروبيين يعدون شارون مجرم حرب، و أنه تحمل شخصياً مسؤولية الكثير من التصعيد في الشرق الأوسط..
شارون الذي مشى على جثث الملايين من الأبرياء الذين يشاهدون بأم أعينهم الممارسات اللا إنسانية و اللا أخلاقية لليهود في الأراضي المحتلة و في أماكن أخرى من العالم، هو نفسه شارون الذي استقبلته فرنسا استقبال " الأبطال"، ربما لأن المعايير تغيرت في المدة الماضية، ففي ظروف استثنائية استطاعت الجمهورية الخامسة أن تكشف العديد من الأوراق، بعد أن اعتبرها العديد من "الجاهلين لأغوار السياسة" أنها تدافع عن "حرياتهم" و حقوقهم.
فالحرب الأمريكية ذات الدمار الشامل الأخيرة على العراق وقفت إزاءها فرنسا موقفا معارضا، اعتقد خلالها الناس أن "قصر الإليزيه" استعاد إنسانيته للوقوف إلى جانب المستضعفين في الأرض، لكن الحقيقة أظهرت أن فرنسا كانت ستشارك فعلا في الحرب على العراق، و كانت سترسل 10 آلاف جندي لدعم الأمريكيين في تلك الحرب، لولا أن الغنيمة التي استهدفتها أمريكا لم تكن لتـُقتسم على أكثر من واحد.
العراق الذي تحول إلى غنيمة حقيقية، استحوذت أمريكا على كل مناطقه الإستراتيجية، و كان الاقتسام الريعي المحضر مسبقاً لصالح أمريكا و بريطانيا بالخصوص، و هو الشيء الذي رفضته فرنسا، فقررت عدم خوض تلك الحرب معهم.
هذه حقيقة نشرتها كبريات الصحف الفرنسية التي اعتبرت انه لو وُعدت فرنسا بنصيب كبير من الغنائم العراقية لشاركت رسميا في الحرب. هذا التناقض الرهيب في السياسة الفرنسية، سمح بوصول شخص "مثل نيكولا ساركوزي" إلى أعلى المنصب السياسية. ففي ظرف قياسي استطاع هذا اليهودي من أصل بولوني أن يطلق في خضم الجدال الداخلي الفرنسي عبارته الشهيرة" الجمهورية الجديدة" التي كانت تعني ببساطة الرجوع إلى "مرجعية" المحافظين الجدد على الطريقة الأمريكية.
و لعل ساركوزي المتأثر جداً بالإدارة الأمريكية لا يخفي رغبته في تأسيس الجمهورية السادسة على أساس عقائدي لا يختلف عن ذلك الذي أسسه المحافظون الجدد في الولايات الأمريكية.. الجميع يدرك اليوم أن تفجير قضية الحجاب بكل ما خلفته من انسداد سياسي فرنسي داخلي و خارجي، لم يكن عفويا، بل كانت بداية حقيقية للتراجع الديغولي ( المتمثل في الحزب الحاكم)، و بالتالي فسح المجال لمتطرفين من أمثال " ساركوزي" الذي يراهن على الإسلام و يربطه بالإرهاب الدولي لأجل تفجير صراع حضارات من نوع جديد.
فرنسا "الجديدة" اليوم، تعري نفسها، و تكشف للملأ أنها ما تزال تعيش بالدم الكولونيالي القديم. و أن التغيير ليس إلا شكل من أشكال الضحك على الذقون في ضوء الأحداث الراهنة. و لهذا السبب كان استقبال شارون يعكس الصورة التي تتحدد عليها معالم الرؤية الفرنسية "الجديدة" للأوضاع الدولية.
فرنسا لم تعد "تندد" بالبشاعة الأمريكية في العراق، و لم تعد تطالب بفتح تحقيق حول مجازر يرتكبها عادة المرتزقة المواليين لها في العديد من الدول الإفريقية السوداء، مثل ساحل العاج و جنوب الكاميرون. و لم تعد فرنسا تكترث كثيراً بالمطالبة بفرض القانون على الممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، و تبدو متحفزة للوقوف ضد سورية إن قررت أمريكا شن الحرب عليها..
و هذا التغيير يعني في الحقيقة أن ورقة التوت قد سقطت و أن ما تسميه أحزاب المعارضة اليوم ب"الأخطاء الفرنسية الماضية" يعني أن اللوبي اليهودي قد نجح في تغيير مدار الساعة نحو "رسكلة" جديدة إزاء العالم، و بالتحديد إزاء أمريكا نفسها التي تسعى فرنسا إلى كسب ثقتها و رضاها عبر البوابة اليهودية. ف"نيكولا ساركوزي" الذي يريد أن يصبح رئيساً للجمهورية يعد يهود فرنسا بأنهم سيعيشون انتصارات كبيرة في فرنسا.
و الحال أنه لم يقل انتصارات على من؟ لكننا نعي (انطلاقاً من قراءتها لتاريخ ساركوزي و علاقته المتينة بالمحافظين الجدد و بإسرائيل) أنه يريد أن يجعل من فرنسا يهودية بحكم اندماجها القادم في حروب رفضت الدخول إليها إلى الآن، إلا إن كانت المصلحة تستلزم ذلك، و من يعرف على أي أساس تقوم السياسة الفرنسية، يدرك أن المصالح الفرنسية ستكون مصالح حرب أيضا، سواء دخلتها بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر؛ لأن المهم هو الاستفادة منها كيفما كان الأمر، بالخصوص و أن " الحليف الجديد" يبدو إسرائيليا بكل ما تعينه هذه الكلمة من خطر على المسلمين المقيمين في فرنسا و الذين قد يجدون أنفهم كبش الفداء في الحرب القادمة !
ساركوزي يريد تأسيس الجمهورية السادسة على أساس عقائدي ، وبوش يرفع الصليب ويخوض حربا صليبية ضد الإرهاب الذي لا يعني إلا الإسلام ، وقطعان المنصرين منتشرون كجراد في كل بقاع العالم ، والصحوة الإسلامية يزيد مدها يوما عن يوم في العالم الإسلامي وما يبدوا في الأفق هو أن الصراع بدأ يتجدد على خلفيات دينية من جديد ، وأن العلمانية تنحصر .
* * *
واليهود يسعون في الأرض فسادا . . . كل الأرض فهم الذين يسوقون ( الفيل ) و ( الحمار ) الأمريكي ، وهم الذين يسوقون وأوربا بعصاها ، وهم غراب البين الذي يأخذ بيد أفريقيا إلى ( التمدن والرقي ) وهم اليوم في الصين يستعدون لبعد غد ، فما أحوجنا لقطع رأس هذه الأفعى أو الوقوف بجانب من يرميها بالحجر كي يهشم رأسها في فلسطين فهو أقصر الطرق لتخليص البشرية من شرور هذه الأفعى .
هل تعتقد أن الطرح الإعلامي لقضية توسعة المسعى كان متزنا وموضوعيا ؟
* * *
واليهود يسعون في الأرض فسادا . . . كل الأرض فهم الذين يسوقون ( الفيل ) و ( الحمار ) الأمريكي ، وهم الذين يسوقون وأوربا بعصاها ، وهم غراب البين الذي يأخذ بيد أفريقيا إلى ( التمدن والرقي )
وهم اليوم في الصين يستعدون لبعد غد ، فما أحوجنا لقطع رأس هذه الأفعى أو الوقوف بجانب من يرميها بالحجر كي يهشم رأسها في فلسطين فهو أقصر الطرق لتخليص البشرية من شرور هذه الأفعى .