الحائط والانسحاب

د. محمد مورو  | 12/6/1426

من المهم بالطبع فهم طريقة التفكير الإٍسرائيلية، وفهم العقلية والوجدان الذي يحكم التصرفات الإٍسرائيلية، وبدهي أن العقلية والوجدان الإٍسرائيلي يتأثران بعاملين مهمين هما: العقلية الغربية والوجدان اليهودي، على أساس أن (إسرائيل) مشروع غربي استعماري يقوم على أكتاف اليهود.

وإذا كانت السمات الأساسية للعقلية والوجدان الغربي هي العنف والقهر والعدوان والعنصرية والعداء الصليبي للحضارة الإسلامية؛ فإن ذلك سيجد امتداداته الواضحة في السياسة الإٍسرائيلية، وإذا كانت العقلية والوجدان اليهودي -في مجمله وفي خطوطه العريضة- هي: العنصرية (شعب الله المختار الغدر، الخيانة، الخديعة، المكر، وعقلية الجيتو، الجبن في القتال ... إلخ)؛ فإن ذلك أيضًا يجد امتداداته في السياسة الإٍسرائيلية.

وبداية فإنه من الضروري هنا أن نتحرر من وهم اللحظة في الحكم على السمات العامة للعقلية والوجدان اليهوديين؛ دون أن نغفل - طبعاً- دراسة تلك اللحظة باعتبارها تكريسًا للعقلية التاريخية اليهودية، ونقصد هنا أن البعض عادة ما يتحدث عن العبقرية الصهيونية واليهودية والذكاء اليهودي ... إلخ، ولكننا نرى أنه مكر وليس ذكاء، بمعنى أنه يجيد فن التكتيك والمراوغة والمساومة، ولكنه مصاب بالعمى الاستراتيجي والغباء المستقبلي؛ ولعل من المفيد هنا أن نقول: إن من المفهوم مثلاً -وهو خطأ وخطيئة طبعًا- أن ينكر إنسان وجود الله، ومن المفهوم مثلاً أن يؤمن إنسان بالله ثم يعصاه على أساس الضعف الإنساني "كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون" ولكن من غير المفهوم أن يؤمن إنسان بالله ويعرف حدود قدرته ثم يعانده، وهذا بالتحديد السمة الرئيسة لليهود، أليس هذا غباء استراتيجيًّا؟! إذا علينا أن نتحرر من وهم العبقرية اليهودية والذكاء اليهودي، وأن نتعامل معهم على أساس أنهم مكارين ولكنهم أغبياء.

الجدار والنبوءة القرآنية:
إحدى سمات العقلية اليهودية هي عقلية الجيتو، ولعل الجدار الذي تقيمه (إسرائيل) هو تكريس لعقلية الجيتو، والجدار هو في الحقيقة ثلاثة جدران:
الجدار الغربي: وهو شديد التلوي والتعرج بهدف التوغل داخل الضفة الغربية لإحاطة كل المستعمرات الإٍسرائيلية الكبرى في إطاره.
والثاني: هو جدار العمق الذي يتوغل داخل الضفة الغربية شرقًا لإحاطة مستعمرات أخرى وربطها بطرق التفافية وجدران فاصلة.
أما الجدار الثالث؛ فيقام على امتداد نهر الأردن بعمق 20 كيلو متر غربًا، أي بعمق الضفة الغربية، وهكذا فالجدار يستهدف إحاطة الكيان الصهيوني من كل جانب، وفي هذا الإطار تأتي خطة شارون للانسحاب من بعض المستعمرات التي لا يمكن للجدار أن يحيطها سواء في غزة ـ الأكثر ـ أو الضفة الغربية. عدد أقل ـ لتؤكد حقيقة الجيتو وحقيقة الخوف والجبن الصهيوني، والجدار يستهدف وضع الفلسطينيين في معازل أشبه بأقفاص الدجاج؛ ولذا يطلق عليه الكثيرون جدار الفصل العنصري، وهذا تكريس للعنصرية المستمدة من الأخلاق اليهودية والقيم الحضارية الغربية على حد سواء.

والجدار يتكون من عدد الاستحقاقات أو النطاقات الأمنية ويبلغ عرضه من 80 ـ 100 متر مكونة كالتالي: أسلاك شائكة لولبية، خندق بعرض أربعة أمتار وعمق خمسة أمتار يأتي مباشرة عقب الأسلاك، شارع مغطى بالتراب والرمل الناعم بعرض أربعة أمتار لكشف آثار المتسللين، جدار يعلوه سياج معدني إلكتروني بارتفاع أكثر من ثلاثة أمتار مركبة عليه أجهزة إنذار إليكترونية وكاميرات أضواء كاشفة، وتوجد هذه المنشآت نفسها على جانبي الجدار، كما عمد الإٍسرائيليون إلى تثبيت رشاشات بالجدار ذات مناظير عبارة عن كاميرات تليفزيونية يمكن التحكم فيها من مواقع للمراقبة عن بعد.

ولعل هذه الاستحقاقات تؤكد أولاً الفشل الصهيوني في القضاء على المقاومة والانتفاضة الفلسطينية، وهو ما كان قد وعد به شارون عقب انتخابه، وضرب لذلك موعدًا هو ثلاثة أشهر، ومرت أكثر من ثلاث سنوات دون أن يحقق شارون وعده، وكذا فإن تلك الاستحقاقات تؤكد عقلية الجبن والخوف والفزع اليهودي، ومن ثم الإٍسرائيلي، وبناء الجدار في حد ذاته يؤكد ويحقق نبوءة قرآنية، يقول الله تعالى -وهو أصدق القائلين-: "لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ" (الحشر: من الآية14) والقرى المحصنة هي المستعمرات الصهيونية وهي شديدة التحصين والحراسة، والجدر هي مجموعة الجدر المكونة للجدار!! ولعلنا هنا ننقل ملاحظة هامة عن الدكتور/عبد العاطي محمد عبد الجليل، الذي رصد أن كل الكتاب والسياسيين ووسائل الإعلام ... إلخ، استخدموا كلمة الجدار لوصف هذا الجدار الصهيوني، وكان يمكن مثلاً استخدام كلمة السور الواقي، أو الساتر أو الحائط أو غيرها من الأسماء، ولعل ما يؤكد ذلك أن الناس استخدموا مثلاً مصطلح سور الصين العظيم، سور برلين، خط ماجينو، خط سيجفريد، لوصف جدران عازلة أو خطوط دفاعية، والجدار فيه السمتان، وهذا يؤكد النبوءة القرآنية.. والحمد لله رب العالمين.

الجدار يشتمل على ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى بطول 360 كم من قرية سالم أقصى شمال الضفة الغربية حتى بلدة كفر قاسم جنوبًا. والمرحلة الثانية تمتد 45 كم متر من قرية سالم حتى بلدة التياسير في غور الأردن. والمرحلة الثالثة من مستوطنة \"إلكنا\" حتى منطقة الفصل العنصري يستقطع 45% من أراضي الضفة الغربية وجزءًا كبيرًا من أراضي غزة. وقد بلغت المساحات الفلسطينية المصادرة حوالي 187 ألف دونم معظمها في محافظات جنين وقلقيلية والقدس، كما تم تدمير آلاف المباني والمنشآت وتشريد آلاف الأسر واستقطاع جزء كبير من المياه العذبة، أي أنه فساد في الأرض وهو خلق يهودي، وقيمة حضارية غربية طبعًا "ويسعون في الأرض فسادًا"، وبدهي أن الفساد الصهيوني والغربي له آلاف الملامح والممارسات في فلسطين وخارجها وليس الجدار فقط.

ويجب هنا أن نلفت النظر إلى أن هذا الجدار لن يحمي (إسرائيل) في النهاية؛ لأن إرادة الجهاد لدى الفلسطينيين -بتوفيق الله تعالى- سوف تتغلب على كل العقبات كما تغلبت من قبل، وسوف تستمر المقاومة. وهذا يؤكد من جديد الغباء اليهودي الاستراتيجي. ومن الملفت للنظر هنا أن بناء الجدار وخطة الفصل العنصري تتعارض مع ما روج له الأمريكيون والإٍسرائيليون ودعاة السلام المزعوم والتطبيع من إمكانية دمج (إسرائيل) في المنطقة -الشرق الأوسط الكبير- وكل المشروعات المشابهة. والجدار أيضًا ينسف فكرة السلام وخارطة الطريق؛ بل وفكرة إمكانية قيام دولة فلسطينية في إطار حل الدولتين المزعوم. وهذا يؤكد الخداع والغدر الغربي والإٍسرائيلي.

خطة شارون:
تقضي خطة شارون بالانسحاب من معظم غزة ومستعمراتها، وإخلاء بعض المستعمرات من الضفة الغربية، وهذه الخطة بالطبع تتعارض مع خارطة الطريق المزعومة، وهي حل من طرف واحد، ويتجلى فيها المكر الصهيوني (الذكاء التكتيكي) فالخطة تتخلص من غزة، أي تتخلص من المركز الرئيس للمقاومة، والثقل السكاني والأعباء الأمنية الكبيرة، وهو أمر إٍسرائيلي قديم وليس جديد، وقد قال رابين ذات يوم إنه عليه أن يصحو من النوم فيجد غزة قد غرقت في البحر، ويستهدف شارون أيضًا من تلك الخطة تكريس الاستيطان والاستيعاب للضفة الغربية والقدس، ثم إمكانية بناء جدار عازل حول (إسرائيل) "خطة الجدار" ومن ضمن المكر الصهيوني هنا هو المحاولات المستميتة لتسليم مسئولية غزة الأمنية إلى مصر، أي توريط مصر في حماية (إسرائيل) والعمل كشرطي لديها، وهو ما فشل فيه ياسر عرفات مسبقًا، ولكن الحكومة المصرية رفضت ذلك، ونرجو أن تستمر في هذا الرفض المبدئي.
تقول صحيفة "معاريف" الإٍسرائيلية: "يعكف شارون على تحقيق لف غزة في ورق هدايا ثمين، ولا مانع أن يكون مزركشًا ومغريًا ليضعه تحت أقدام المصريين بعد سحب جميع قوات الجيش من هناك على أن تصبح مصر مسؤولة عن البركان النشط في غزة، وبذلك ينتقل صراع غزة المزمن من مكتب شارون إلى دوائر الحكومة المصرية التي يصبح لزامًا عليها بدلاً من شارون تحمل أعباء مواجهة حفر الأنفاق وتهريب السلاح والصواريخ والمواد المتفجرة والمتطوعين، وأن تدلف السلطات المصرية إلى غزة لتتعامل مع خطباء المساجد وصواريخ القسام ومدافع الهاون.. كل هؤلاء ستتخلص منهم (إسرائيل) دفعة واحدة وتلقيهم في حجر المصريين.. صفقة رابحة بلا شكك؛ خاصة أن (إسرائيل) ستتحصن في تلك الأثناء خلف الجدار العازل وتلقي على مصر تبعات كل قذيفة هاون بالاتفاق مع أمريكا".

خطة شارون للانسحاب من مستعمرات غزة تحقق له الكثير من الأهداف التكتيكية، منها: التخلص من العبء الأمني المكلف اقتصاديًّا جدًّا -إحاطة الجدار بكل (إسرائيل) بعد التخلص مما هو خارجه، وهنا فإن خطة شارون تؤكد أخلاق الجيتو ونفسية العزلة والعنصرية، التخلص من الصراع الديموجرافي، توريط مصر، وغيرها من الأهداف، ولكن في المقابل فإنه على المدى الاستراتيجي ؛ فإن هذا الانسحاب يؤكد أولاً أن المقاومة نجحت في إجبار شارون على التفكير في الانسحاب وهو ما يذكر بحالة جنوب لبنان.

وبدهي أنه لولا المقاومة والصراع الأمني في غزة لما فكر شارون في ذلك، وهذا يعني أن الأمل لا زال مفتوحًا أمام المزيد من المقاومة للمزيد من الانسحاب، وأن المقاومة وحدها وليست المفاوضات هي اللغة الوحيدة التي تفهمها (إسرائيل)، ويجب ألا نغفل عن هذه الحقيقة، ونتصور أن شارون يفكر بمعزل عن تلك الحقيقة، وأن خطة شارون والجدار على المستوى الاستراتيجي ينسف فكرة دمج (إسرائيل) في المنطقة، وهذا يفيد لكشف زيف دعاة السلام والمطبعين وزيف وخداع مشروعات من أمثال الشرق الأوسطية والشرق الأوسط الكبير والمتوسطية...إلخ، وأن الحقيقة هي أن (إسرائيل) كيان غريب وجيتو عنصري في وسط عربي إسلامي لن يقبل بوجوده، وسوف يلفظه بالمقاومة وليس بغيرها آجلاً أم عاجلاً.


  

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد فأسأل المولى عز وجل أن يعز جنده وينجز وعده وينصر عباده الموحدين أبشروا أيها الأحبة فهذا الوعد الحق في محكم التنزيل : لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قُرى مُحصنة أو من وراء جُدُر وسيتم الله سبحانه وتعالى دينه ولو كره المنافقون والكافرون وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

  

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><br>

تصفح الموقع عن طريق الجوال RSS  تابع الموقع عن طريق

الوسائل التي تتيح للمستفتين الحصول على الفتوى الفقهية من المرجعيات المعتبرة :

الارشيف