قرأت الدستور المقترح كقانون أعلى –حسب تعبير الدستور- تحكم به بلاد السودان خلال المدة الانتقالية، والذي تم نشره في عدد من الصحف السودانية السيارة أثناء الأسبوع المنصرم، ولعل إجراء مقارنة بين المسودة الحالية وبين الدستور المحرر عام 1998م يبين شيئاً مما فرضته الضغوط أو لنقل –كما يحلو للبعض- الظروف والملابسات المستجدة، ولعل ذلك أيضاً يبين كثيراً من مرامي الدستور ويفسر شيئاً من ألفاظه المجملة، ويساعد القارئ في الحكم عليه بجلاء.
ولعل أول ما يلفت الأنظار أثناء القراءة ما استُهل به كل من الدستورين، فبينما بُدئ في دستور عام 98 بالبسملة ثم صدر بما يدل على ارتباط تشريع الدولة بشريعة السماء "بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله خالق الإنسان والشعوب، وواهب الحياة والحرية، وشارع الهدى للمجتمعات..."، ثم أكد هذا المعنى في المادة الرابعة من الباب الأول: "الحاكمية في الدولة لله خالق البشر، والسيادة فيها لشعب السودان المستخلف.."، فقد جاء الدستور الجديد متنصلاً عن براعة الاستهلال تلك! "نحن شعب السودان حمداً لله العظيم الذي وهبنا الحكمة والإرادة لإنجاز اتفاقية السلام الشامل التي وضعت حداً قاطعاً لأطول نزاع في القارة الأفريقية" .
وقد قرأت نص الدستور الأخير في غير موقع على الشبكة العنكبوتية فوجدت بعضهم يصدره بالبسملة وبعضهم يسرده أبتراً فلا يذكرها، ثم وجدت تعليقاً للدكتور حسن الترابي استهل به تعليقاته على الدستور حسب ما نشرت صحيفة الأنباء في موقعها يقول فيه: "البسملة: بسم الله وبسم الوطن بهذه الصياغة روح إشراكية، والأوفق بسم الله ثم بسم الوطن"، وكان ذلك في تعليقات كتبها أثناء إقامته الجبرية في كافوري، وهو تعليق سديد. بيد أني لا أدري كيف خرجت النسخة الأخيرة، وأياً ما كان فإن هذا التذبذب في إثبات البسملة يشير إلى ضغوط وإملاءات مؤثرة من الأقلية على الأكثرية، ولعلها تشير أيضاً إلى اللادينية أو العلمانية التي تحرص على تبنيها تلك الأقلية، وربما لم يذهب الدكتور حسن الترابي بعيداً يوم كتب معلقاً: "يعني أن الدستور اتفاقية بين سلطتين مستقلتين، لا دستور سلطان وطن واحد، سواده الأعظم يبسمل والأقلون لا يبسملون..".
وبعد هذا الاستهلال وردت في كلا الدستورين تلك العبارة –والتي يصفها بعضهم بالكذبة الصلعاء-: "نحن شعب السودان" غير أن دستور 98 كان أصدق لهجة حينما قال راقموه: "بتوفيق الله وبعبرة التاريخ، وبدفع ثورة الإنقاذ الوطني المتجددة، قد وضعنا لأنفسنا هذا الدستور"، وبغض النظر عن الحكم على "دفع ثورة الإنقاذ" سلباً أو إيجاباً فإن هذا هو الواقع، أما الدستور الجديد فكما قيل: كاد المريب أن يقول خذوني، إذ بدأ بحمد الله الذي وهب الحكمة والإرادة لإنجاز اتفاقية السلام، وكأنه يحاول نفي الضغوطات والإملاءات مثبتاً تمام الحكمة والإرادة التي دفعت الشعب الممثل بالمفوضية لأجل صياغة هذا الدستور وكأنه يقول: "الحمد لله يا ناس يا هو لا يوجد من غصبني لأقول ما سأقول!".
وبعد هذا النفي العريض من قبل المفوضية! –والتي لم يفوضها أحد من الشعب ولا كثير من القوى السياسية- على لسان الشعب الذي لم يصوت بل لم ير الدستور بعد، ومع أنه لا يحق لمن لم يتضرر أن يتنازل عن حق من تضرر، مع ذلك جاء تَقوّل آخر باسم الشعب مفاده نسيان التاريخ القريب، وطي صفحة الماضي، فلا متمرد ولا شهيد، ولا مجرم ولا مجاهد، لا دنس الثياب ولا طاهر الأردان، كل ذلك قد محي فعاد كلٌ وكأَنّ شيئاً لم يكن، كل ذلك ملخص في العبارة "وبعد تجاوزنا للعواقب المأساوية التي نجمت عن ذلك النزاع المنهك"، والصحيح أن هذه العبارة ربما كانت مقبولة و بتعبير أدق صادقة لو جاءت من قبل جهة فوضها الشعب واختارها لتنطق باسمه، وهذا لا يكون قبل اختيار الممثلين الشرعيين للشعب بطريق الانتخاب إن كان الانتخاب هو الطريق التي يرتضيها الشعب. أما أن يصدر الكلام بلسان الشعب من قبل من لم يخوله، ثم يستفتى الشعب فيه ليقر أو ينكر فعكس للوضع الطبيعي في ولادة القوانين والأنظمة، وربما كان أشبه بالاستفتاءات التي تجريها مجلة أو جهة تجاه وجهة نظرها مع وضع خيارات محدودة للتصويت. فمن قال: لا للدستور، قد لا يرفض كل الدستور. ومن قال: نعم، قد لا يؤيده كله، بل قد يتفق من قال لا مع من قال نعم، ولكن يراعي أحدهما ما ساءه ويراعي الآخر ما سره فيتباين الجواب مع أنهما متفقان، وبهذا يستحيل الوصول إلى تقييم دقيق ما لم يجعل التصويت على بنوده بنداً بنداً وهذا ما لا يكون.
وفضلاً عن ذلك كيف ينطق باسم الشعب مسبقاً رجلان كان كل منهما يدعي بأن الآخر لا يمثل الشعب ولا يمثل السودان، ثم فجأة يجعلان من نفسيهما ممثليْن لشعب السودان، بل مفوضيْن من قبل الشعب بوضع دستور أعلى، مع أن الفصائل المنضوية تحت لواء دفاع جنوب السودان تختلف مع قرنق بشهادة (فاولينو) وبشهادة واقع الحال في الأيام القليلة الماضية وما مؤتمر حوار الحركة الشعبية مع الفصائل الجنوبية المسلحة الذي أدى بهم إلى طريق مسدود في نيروبي خلال الأيام الماضية عنا ببعيد، كما أن فصائل في الشرق والغرب، بل وقوى سياسية في الشمال تختلف مع البشير! فمن أين استمدت هذه المسودة شرعيتها؟
وبعد الكلام باسم السودان، جاءت مقدمة دستور 98 مقتضبة مستعينة بالله شارعة في المراد؛ "وضعنا لأنفسنا هذا الدستور نظاماً للحياة العامة نتعهد باحترامه وحمايته، والله المستعان. الباب الأول:...".
أما مسودة الدستور الحالي فقد ذكرت عدة عبارات وصفية إنشائية لا يمكن أن تعد مواد دستورية، غير أنها تشير إلى أسباب وضع الدستور أذكر بعضها وأقف معها ههنا باختصار، فمن تلك الأسباب: - إدراكهم للتنوع الديني والعرقي والإثني والثقافي في السودان. وقد علق الدكتور حسن الترابي على نحو هذا بقوله: "الثقافة من الدين، واللغة والأعراق والعناصر معنى واحد" ثم حكم على الصياغة بالارتباك، ولعل هذا حق في الجملة، فالعرقي والإثني معنى متقارب، ولاسيما مع قرن العرق بالدين، والثقافة والدين بينهما ترابط ظاهر، ولعلها ألفاظ حشدت بقصد التسويغ لما هو آت، ولعل مما ينبغي أن يسترعي الانتباه هنا هو جمع الدين مع اللغة والعرق الأمر الذي يشعر بالتمهيد للقول بإقرار التنوع في هذه الثلاثة مع عدم جواز التمييز بناء على أحدها في شيء من الحقوق أو الواجبات سواء أكان حق انتخاب أو حق ترشح لأي ولاية من الولايات العامة على نطاق الدولة أو الخاصة على نطاق الأسرة فما فوقها.
- التزاماً بإقامة نظام لا مركزي ديمقراطي تعددي تتداول فيه السلطة سلمياً، ولعل الكلام على النظام الديمقراطي قد أكل منه الدهر وشرب، فلا أقف معه كثيراً خاصة بعد أن نصت المسودة على أن الشريعة الإسلامية والإجماع هما مصدرا التشريعات التي تسن على المستوي القومي وتطبق علي ولايات شمال السودان، وهذا مقبول، وأما الجنوب فقد أشرك مع الإسلام غيره في حكمه، ولاشك أن بين بنود مواد مصادر التشريع في الدستور تعارض، لعله يأتي التعليق عليه في موضعه.
والأهم هنا إلى ماذا يشير النظام اللا مركزي التعددي؟ هل هو نظام يؤول إلى النظام الفيدرالي القومي، أو فيدرالي إقليمي، أو فيدرالي مبني على ماذا؟ بل هل هو فيدرالي أصلاً؟ لم ينص الدستور على شيء من هذا والأصل أن النظام اللا مركزي غير النظام الفيدرالي، غير أن الدستور رجع فوصف للامركزية التي يعنيها في أول الفصل الرابع، بما يجعل هذا النظام خليطاً من نظام فيدرالي بين الجنوب والشمال، بل لوعده البعض نظاما كنفدرالياً بسبب ازدواجية بعض مواد الدستور، مع التأكيد على استقلالية أوذاتية الجنوب -التي كرر ذكرها في غير بند- لما شطَّ بعيداً، بالإضافة إلى نظام غير مركزي يعطي الولايات صلاحيات دون خدمية ونحوها، وهذا الوصف للامركزية يجعل الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام خطر التقسيم بين الشمال والجنوب تحديداً، مع أنه يضفي نوعاً من الأمان على بقاء الغرب والشرق وغيرها من أقاليم السودان تحت لواء دولة موحدة موزعة الثروات والسلطات شيئاً ما.
- إعلاء لقيم العدل والمساواة وحفظ كرامة الإنسان ومساواة النساء بالرجال في الحقوق والواجبات، وهذه الفقرة شبيهة ببنود جاءت في الدستور العراقي المعد مؤخراً والذي سبقت مسودته مسودة دستور السودان بشهر تحديداً في 28/مايو/2005م نشرت القبس الكويتية مسودة دستور العراق الجديد، بينما نشرت أخبار اليوم السودانية مسودة دستور السودان الجديد في 27/يونيو/2005م- ومواطن الشبه بين هذا الدستور ودستور العراق الجديد كثيرة تستحق الوقوف معها. بيد أن الأهم هنا هو أن المساواة لا تمثل العدل دائماً، بل قد تكون المساواة ظلماً، ولو أنك حملت ابنيك؛ الصغير ضعيف البنية، والكبير قويها حملاً واحداً ثقيلاً لما أنصفت والعدل أن تحمل كل واحد منهما ما يطيق، وكذلك يقال في سائر الحقوق، فلو اقتصر النص على العدل وحفظ كرامة الإنسان وحقوق المرأة مع إقامة العدل في قضيتها لكان التعبير أصوب وأبعد عن النمط الببغاوي الذي يحاول متبعوه محاكاة الدساتير الغربية ونقلها مع رسم الذباب الذي حط فيها ظناً منهم أنه منها.
- التزاماً بضرورة التوجه بالحكم في المرحلة المقبلة من مسيرتنا السياسية نحو تعزيز النمو الاقتصادي، وتوطيد التوافق الاجتماعي، وتعميق التسامح الديني وبناء الثقة بين أهل السودان جميعا. ثم ذكر الدستور أموراً وأوصافاً تصب في نطاق ما قد سبق، ولعل ما عدا تعزيز النمو الاقتصادي ألفاظ مجملة معناها في كل بطن شاعر ومتبلد بحسبه!
وبطبيعة الحال لم يشر الدستور أبداً إلى ضغوطات أو تهديدات، ليشرع بعدها في بيان طبيعة الدولة والذي حذفت منه حقيقة أن الإسلام هو دين الأغلبية، فضلاً عن أن يذكر أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، وهذه من العجائب فمع أنه لم يمنع العراقيين التدخل الأمريكي السافر من النص على أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي، في المادة الرابعة من الباب الأول لمسودة الدستور العراقي، إلاّ أن هؤلاء امتنعوا، فهل تمكنت الأقلية بغير عناء هنا من حذف هذه الحقيقة! أم سقطت سهواً كما سقطت إشارة الدستور إلى طبيعة السلطة القضائية، جراء انشغالها برئيس الجمهورية ونائبه! ولعل للفصل الأول: الدولة والدستور وقفات يتسع لتفصيلها مقام آخر.