على الرغم من أن المؤشرات القطعية لم تفصل حتى الآن في تحديد مسؤولية الجهة التي تقف خلف تفجير محطة القطارات في مدريد الخميس الماضي، إلا أن الآثار المستقبلية بدت واضحة بعض الشيء فيما قد تشهده الساحة السياسية الأسبانية قريباً. الشريط المصور الذي أعلن عنه وزير الداخلية الإسباني فجر اليوم الأحد جاء كضربة قاصمة لظهر رئيس الحكومة خوسيه ماريا أزنار، الذي تلاحقه ويلات وقوفه إلى جانب الولايات المتحدة في حربها غير المبررة على العراق. فقط قبل ساعات قليلة من بدء التصويت في الانتخابات العامة، جاء الشريط ليزعم أن تنظيم القاعدة يقف مباشرة خلف الهجمات التي قتلت أكثر من 200 شخص، وجرحت ما يزيد على 1500 آخرين. ولأن الوقت لن يتسع طويلاً أمام إثبات عدم صحة الشريط، أو عدم ضلوع القاعدة في التفجيرات (بحال كان ذلك حقيقة) فإن الآثار السلبية التي سيترتب عليها قيام القاعدة بالهجوم قد تحققت بالفعل. ذلك أن الناخبين استيقظوا على هذا الخبر، قبل أن يذهبوا إلى مراكز الاقتراع. الأسبان لديهم سابق تجربة فيما يحمل لهم وقوف ازنار إلى جانب بوش، من خلال مقتل 7 من عملاء الاستخبارات الأسبانية في العراق بتاريخ 29 نوفمبر 2003م، والذي أفردت معظم الصحف الأسبانية صفحاتها الأولى له، مع الصور المخزية التي أظهرت أقدام العراقيين على جثث القتلى الأسبان، ما أثار سخط الشعب على الحكومة. لذلك فإنهم لن يستغربوا هذه المرة أن يروا آثاراً سلبية أخرى لموقف أزنار. شيء آخر سيساعد الأسبان على إسقاط حكومة إزنار، وهو جملة الفضائح التي أثبتت أن المبررات التي اتخذتها أمريكا وبريطانيا لاحتلال العراق كانت مزورة وغير صحيحة، في مقابل وقوف الحكومة المؤيد والمساند لخيار الحرب. وهذا ما يساعد الأسبان على تقبل فكرة (العقوبة) التي قد تقدم عليها تنظيمات تقف (استراتيجياً) إلى جانب العراقيين كشعب محتل. ليلة أمس احتشد الآلاف من المواطنين أمام مبنى الحكومة في مدريد، وهم يرددون هتافات ضد الحكومة، محملينها سبب ما يحدث للشعب الأسباني من استهداف. أما اليوم فإن السخط الشعبي ازداد بعد إحساس المواطنين أن الحكومة قامت بإخفاء المعلومات والأدلة حول الانفجار، من أجل الحصول على مكاسب سياسية. فالحكومة الأسبانية تعلم تماماً أنه إذا ما ثبت للمواطنين ضلوع (إيتا) في التفجيرات، فإن الناخبين قد يقفون إلى جانب ازنار الذي كان من أكثر رؤساء الحكومة تشدداً ضد التنظيم الانفصالي، أما إذا ما ثبت لهم أن تنظيم (القاعدة) هو من يقف خلف هذه التفجيرات، فإنهم سيصوتون ضد الحكومة التي اشترت العداء من التنظيم، ولم ترد أن تفهم الأسلوب الذي تتبعه القاعدة في استهداف الموالين لأمريكا. فأحداث 11 سبتمبر في نيويورك والسفارتين الأمريكيتين في تنزانيا وكينيا وغيرها، أظهرت موقف القاعدة المعادي للولايات المتحدة بوضوح. وتفجيرات المعبدين اليهوديين والمصالح البريطانية في تركيا العام الماضي، أظهرت موقف التنظيم المعادي لكل الدول التي تساند الولايات المتحدة في سياستها المعادية للدول العربية والإسلامية. على ذلك كان الدرس واضحاً للحكومة الأسبانية التي لم ترد أن تفهم ذلك، أو أنها فهمته وآثرت المغامرة على حساب الشعب. ولأن الحكومة تعرف ذلك، فقد أصرّ ازنار منذ البداية على توجيه الرأي العام والإعلام نحو إدانة الحركة الانفصالية الباسكيّة (إيتا). ولم يقف الإصرار عند هذا الحد، إذ إن أحد السفراء الأسبان صرح اليوم بأن سفارات أسبانيا في معظم الدول العالمية تلقت تعليمات من وزيرة الخارجية الأسبانية آنا بالاثيو بإصدار تصريحات تنتقد فيها حركة (إيتا) على هذه الهجمات، قبل ثبوت إدانة الحركة. وهو ما يؤكد أن حكومة إزنار كانت تراهن على مسألة الوقت، أكثر من أي شيء آخر، إلا أن الشريط حسم الموقف على ما يبدو، وأحدث كل الآثار التي يمكن أن يؤديها ضلوع (القاعدة) بالفعل في هذه الهجمات. وهذا ما ترك المواطن الأسباني ساخطاً على الحكومة، وحرك الكثيرين من أجل التصويت ضدها. أحد الناخبين الأسبان في مدينة برشلونة (إرنستو سانتشز) قال لوكالة ( الأسوشيتد برس) اليوم : " لم أكد قد قررت التصويت، ولكنني اليوم هنا من أجل التصويت ضد الحزب الشعبي الحاكم؛ لأنه مسؤول عن جرائم القتل هنا وفي العراق". ذلك يصور إلى حد كبير، حالة المواطنين الأسبان الذين أحسوا بالظلم مرتين، مرة حين شاركت بلادهم عنوة (رغم مظاهرات التنديد) بغزو غير مبرر على الشعب العراقي، ومرة حين نالوا العقاب على موقف حكومة انقادت لسياسة أمريكا وأغفلت مصلحة الشعب.