د. سعد بن مطر العتيبي | 28/2/1428
المقالة الثانية :
مجالات السِّيَاسة الشَّرعيَّة من حيث المسائل والأحكام
(4)
جاء في الحلقة الماضية إيراد تطبيق تقعيدي وصفي ، يمكن تنزيله على كثير من قضايا الواقع التي تندرج تحت مسائله في كل بلد من البلاد الإسلامية وغيرها ، وذلك ببيان
فقه السياسة الشرعية المنبثق من أصل علاقة الدولة الإسلامية بغير المسلمين
وأنَّ الأساس المقصدي الذي تقوم عليه حقيقة العلاقة بين الدولة الإسلامية وغيرها على أساس مقصدي ، وهو تبليغ رسالة الإسلام لغير المسلمين ( الدعـوة ) ، والتعامل معهم وفق ما تمليه الأحكام الإسلامية ، التي تراعي بخاصيتها ظروف متغيرات الزمان والمكان والحال ، وفق قواعد تفسيرية غاية في الدقة وهذه تتمة ذاك التطبيق (1):
توقفنا في الحلقة الماضية عند الاحتمال الثالث من القسم الثاني المتعلق بالدول والكيانات التي ليس بينها وبين الدولة الإسلامية معاهدات ؛ إذ فيه أن هذه الدول لها أحوال ، وهي :
إمَّا أن تعلن الحرب على الدولة الإسلامية ؛ وتم الحديث عنه .
وإمَّا أن لا تعلن تلك الدول والكيانات الحرب على الدولة الإسلامية ؛ وهنا يراعى الفقه السياسي الشرعي بالنظر إلى الدولة الإسلامية ويضعها في أحوال قد توجد في زمن دون غيره أو مكان دون غيره :
فإمَّا أن تكون الدولة الإسلامية في حال قوة وتمكّن ؛ وهنا تسلك الدولة الإسلامية والأمةُ الطرقَ السلمية أولاً ، للتأثير على هذا النظام وهذا الكيان - مع إشعاره بطريق ثالثة تُفرِض عليه إن لم يقبل الطرق السلمية - من خلال عرض الخيارين التاليين عليه ، وهما :
1) التحول إلى المنهج الإسلامي عقيدة وشريعة ؛ ويتم بذلك الحصول على جميع مزايا النظام الإسلامي ، ومنها المزايا : السياسية ، والعسكرية ، والقضائية ، والاقتصادية .
2) القَبول بالحكم الإسلامي ، والانضواء تحت رعاية الدولة الإسلامية ؛ مع بقاء من شاء من الرعايا على الديانة التي هم عليها أفرادا كانوا أو جماعات ؛ ويتم بذلك لهؤلاء الحصول على جميع مزايا النظام الإسلامي الخاصة بالرعايا غير المسلمين ، والتي سبق الإشارة إليها .
فإن لم يقبل هذا الكيان بذلك ، فإنّ الدولة الإسلامية تسلك طريق فرض العدل المفقود والحرية المسلوبة ؛ للتأثير على هذا النظام من خلال خيار الدولة الإسلامية الثالث ، وهو :
3) اللجوء إلى الجهاد المشروع من أجل نشر الحرية في اختيار توحيد الله أو ما يعرف في الفقه الإسلامي بـ ( جهاد الطلب ) أو ( جهاد الدعوة ) وغايته إتاحة الحرية الإنسانية ؛ لحماية حق الإنسان في اختيار أن يكون الله عز وجل هو إلهه ، فينضم باختياره إلى الأمة الإسلامية ، أو أن يبقى على دينه ، ويتخلص من الحكم الاستبدادي الظالم ، ويتمتع بالحكم الإسلامي العادل مقابل الضريبة الرمزية التي هي ( الجزية ) التي هي أقل من الزكاة التي يؤتيها المسلم .
والجهاد الإسلامي يتميز عن غيره من أنواع القتال بأنَّه : يتصف بالمثالية الواقعية ؛ لما يشتمل عليه نظامه من ضمانات إنسانية راقية ؛ فلا عنصرية ولا عرقية ولا إبادة . وتمنح السياسةُ الشرعية الدولةَ الإسلامية مرونة في تسمية الجزية ، فيجوز أن تفرض باسم آخر كـ ( الضريبة ) في مقابل الزكاة . ويمكن أن يطلق عليها مسمى الزكاة لو اقتضت الحال ذلك ، وله أصل من عمل الخلفاء الراشدين ليس هذا محل تفصيله .
ففي حال قـوة الدولـة الإسلامية قد تبدأ هي بالقتال ، ولا تقبل المسالمة ولا المهادنة ، حتى يُزال الكيان الظالم الجائر ، الذي يقف في وجه إبلاغ الرسالة ، ويمنع النّاس من التعرف عليها و اتباعها ؛ وفي هذا إعمال للآيات الواردة في ذلك ، والتي اتفق العلماء على الأخذ بها وتطبيقها عند تحقق ظروفها .
ولكنّ هذا الخيار ليس حتماً في حال قوة الدولة الإسلامية ؛ فقد تكون المهادنة والمسالمة لفترة من الزمن تحقق مكاسب عظيمة تفوق مكاسب الحرب والقتال ؛ كما حدث في صلح الحديبية (2) ؛ ومن ثمَّ يشرع للقيادة الإسلامية مهادنة العدو حتى مع القوّة .
وإمَّا أن تكون الدولة الإسلامية في حال ضعف ؛ وهنا يجب عليها سلوك الطرق السلمية الممكنة ، للدعوة إلى الله وإبلاغ الرسالة الخاتمة والدين الحق ؛ وسلوك جميع السبل السلمية الممكنة التي تسلكها الدولة الإسلامية في تقوية إيمان المسلمين في الداخل بشتى صور الدعوة وتهذيب السلوك وتقوية الإيمان وحمايته من أهل الباطل ، وفي الخارج بتقوية إيمان الأقليات الإسلامية ودعوتها للصراط المستقيم ، وإعانتها في تطبيق الإسلام على الوجه الصحيح ، وحل إشكالاتها الدعوية والفقهية ، والسعي في إقناع غير المسلمين من رعايا الدول المسلمة باعتناق الدين الحق ، كما هو الشأن في حال الدولة المعاهدة من خلال المشاريع الدعوية المباشرة أو الموجودة على أرض الواقع بجهود المسلمين فيها أو من خلال دعم الأقليات وحثها على نشر رسالة الإسلام التي تنتمي إليه ، ونحو ذلك مما هو واقع ومعمول به اليوم في صور كثيرة تحتاج مزيدا من الدعم والتواصل .
وفي هذه الحال تقتضي المصلحة الشرعية - في الغالب - عقد معاهدة مع الدول والكيانات الأخرى التي ليس بينها وبينها عهد ؛ فيشرع لها حينئذ المسالمة والصلح - بالمعنى الشرعي الذي يعني الهدنة المؤقتة أو المطلقة ، وليس المعنى القانوني الذي يعني الصلح الدائم – لكف شرها أو تحييدها والانتفاع بما يمكن الانتفاع به من العلاقات ضمن هذا العهد ؛ وتكتفي في سياستها العسكرية بالرد على من يبدؤها بالقتال ، مع العمل على تقوية الجيش الإسلامي وإعداد المقاتلين في الأمة ، ونصر المستضعفين ونشر الدين بالوسائل المشروعة قدر المستطاع ، وهذا يعني أنّ جهاد الطلب ( نشر الحرية ) قد يتأخر مدّة الإعداد للقوة الطالبة ، ولكن جهاد الدفع ( ردّ الغزاة وطرد المحتل ) لا يسقط في هذه الحال ولا يؤخّر ؛ لأنَّه فرض عين ، ولا تصح معه المهادنة (3) .
ومما يندرج تحت ذلك : حال الضرورة ، وذلك أنَّ الضرورة قد توجد مع قوة الدولة الإسلامية وظهورها على غيرها ؛ فقد تمر بضائقة مالية وحالة تزيد الحرب فيها الحال سوءا ، ومع توافر الجند وكثرة العتاد قد يحصل انشغال بحروب المصالح ، كمقاتلة مرتدين ، أو بغاة ، أو دفع كيد الطابور الخامس ، أو نحو ذلك مما لا يسمح بخروج الجند إلى ما وراء الثغور ، لتحقيق أهداف الدولة الإسلامية في نشر الحق والعدل ، وإزالة الكيانات التي تتبنى الظلم والجور ، وتقف في وجه الحرية والعدل ؛ فهنا قد تهادن الدولة الإسلامية تلك الكيانات ، بمال يدفع إليها وتتقوّى به ، أو بغير مال ، أو بمال تدفعه هي دفعاً لما هو أشدّ ضرورة وأعظم ضرراً ؛ كلّ ذلك حسب ما تقتضيه الضرورة الشرعية التي يجب أن يقرِّرها أولو الأمر من العلماء والولاة ؛ على النحو الذي يقرِّره الفقهاء في بيان مشروعية الهدنة ، وبيان مناط تلك المشروعية .
وهكذا تبقى قاعدة : ارتكاب أدنى المفسدتين لتفويت كبراهما إذا لم يتيسر السلامة منهما جميعاً (4) ؛ وتحصيل أعلا المصلحتين ولو بتفويت الدنيا منهما إذا لم يتيسر تحصيلهما جميعاً (5) .
وإذا قرأنا الأحكام الإسلامية في هذه المسألة قراءة متكاملة كما هي في أذهان الفقهاء الكبار ، فإنا سنجد تسبيبا كافيا في فهم ما قد يظنه بعض الناس تناقضا منهم . وذلك أنَّ أحكام الإسلام التطبيقية تتصف بخصائص عظيمة منها : الواقعية الشرعية . وفي هذا التقعيد الفقهي و التطبيق السياسي الشرعي الوصفي ، ما عليك إلا أن تنزّله على ما يوافقه مما تفوه به علماء الشريعة الربانيون المعاصرون من أحكام وفتاوى بشأنه ، لتظهر الخلفية السياسية الشرعية لتلك الأحكام والفتاوى في البلاد على اختلافها ، وهكذا كل ما تفرع عن هذه الأحكام من مسائل جليلة ودقيقة . ولا أظنك بحاجة إلى أن أعرض فتاوى علماء بعينهم الآن ، وإن رأيت ذلك فإني فاعل ذلك في حلقات قادمة إن شاء الله تعالى .
وثمة تفاصيل تحت هذا التطبيق تتفرع عن مسائل مندرجة عنه أو عن مسائل من مجالات سياسية أخرى ، سيأتي الحديث عنها في حينه إن شاء الله تعالى .
وفي الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى سيكون الحديث عن صور أخرى من صور الضرب الأول من النوع الثاني .
----------------------
(1) تحسن قراءة الحلقة الماضية (21) ولو من بداية الحديث عن القسم الثاني .
(2) ينظر : مسائل من فقه الكتاب والسنة ، لعمر الأشقر : 261،262 .
(3) ينظر : المعيار المعرب ، للونشريسي : 2/207 - 209 .
(4) ينظر : المنثور في القواعد ، للزركشي :1/348 وما بعدها ؛ والأشباه والنظائر ، لابن نجيم : 98 .
(5)ينظر : المنثور في القواعد ، للزركشي :1/345 ؛ وقواعد الأحكام في مصالح الأنام [ في عدة مواضع ، منها ] :96-97 ؛ ومجموع فتاوى ومقالات متنوعة ، للشيخ عبد العزيز بن باز : 5/293 . وقد بين هذه القاعدة وأكثر التمثيل لها العز ابن عبد السلام رحمه الله في : قواعد الأحكام .
أشكرك على هذه المقالات الرائعة المؤصلة , والتي استمتعنابها وتعلمنا الشيء الكثير بل إنني لم أقرأ في السياسة الشرعية أحسن من هذه الحلقات المباركة.
وعندي بعض الاسئلة أرجوا الإجابة عليها:
س:هذه الحلقات الكثيرة هل ستخرج في كتاب ليتم الانتفاع بها ؟
س:لماذ العلماع المعاصرون كلامهم عن السياسة الشرعية قليل بالنسبة للعلوم الأخرى مع أهمية هذا العلم؟
س:هل هناك ضوابط لتعلم"القانون"؟
وهل ينصح بهالطلاب العلم أو هي مشغلة لهم؟
س:يوجد كثير من المسلمين ليس لهم ولي أمر شرعي, مثل الأقليات الإسلامية في دول العالم,وهم يريدون الجهاد بأنفسهم في المواقع الجهادية المشروعة كفلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها,فماحكم ذلك وهل يوجد شروط لذلك؟
ٍس:هل هناك ضوابط لتعلم"القانون"؟
وهل ينصح بهالطلاب العلم أو هي مشغلة لهم؟
س:ماهو ضابط التفريق بين دار الإسلام ودار الكفر؟
س:هل يصح أن نقول أن جهاد الدفع يسقط عن المسلمين مع الضعف الشديد في هذا الزمان.والاستدلال بالعهد المكي؟
انتهت الأسئلة .وهي كما ترى مهمة جدا في هذا الوقت خصوصا لطلاب العلم
أرجو الأجابة عليها مع ذكر بعض المراجع المتعلة بالموضوع.
ويسرني التواصل معكم عن طريق البريد الإكتروني
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ..
وأنا أشكرك أخي الكريم على متابعتك لهذه الحلقات ، ويسرني أن يفيد منها أمثالك ..
وأما إخراج هذه الحلقات في كتاب فهو من المشاريع التي أسأل الله تعالى أن ييسرها لي وأن ينفع بها .
وأما سؤالك عن قلة كلام العلماء المعاصرين فيها فحديث يطول ، ويمكن إيجاز الجواب عنه في نقاط عابرة :
1) أن قلة الكلام هو في إفرادها بالطرح ، لا في تعلمها وتعليمها والفتوى على ضوئها ، فهذا لا يخلو منه كتاب فقه شامل أو حلقات درس أو مؤلف جامع في الفتاوى المعاصرة .
2) أن مواضيع السياسة الشرعية أفردت فيها كتب بحسب مجالاتها ، كأحكام الولاية والجهاد والإدارة وغيرها ؛ فاشتهرت بأسماء لم يدخلها لفظ ( السياسة ) ولا قيد ( الشرعية ) ، إضافة إلى ما فيها من كتب خاصة ، وقد أشرت إلى اهتمام العلماء والأمراء بها في نجد مثلا في مقدمة ( التعليق على السياسة الشرعية ) للشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله .
3) قصر بعض المذاهب الفقهية لاستعمال مصطلح السياسة الشرعية على أنواع من المسائل كبعض مسائل القضاء أو العقوبات التعزيرية .
4) نفور بعض العلماء المعاصرين من لفظ ( السياسة ) دون قيد ( الشرعية ) ، حتى قال بعضهم : لعن الله ساس يسوس ! لشدة معاناته من استعمال هذه اللفظة في الظلم والجور والبعد عن الشرع وإيذاء العلماء .
5) وأود أن أشير إلى سبب مهم ، وهو الاستبداد الذي عانت منه بعض العصور ، فحكم بعض ولاة الأقاليم بالظلم والجور المخالف للسياسة الشرعية ، ولم تمكن مواجهته إلا من قلة من العلماء ، مما حمل بعض مؤلفي التراث الإسلامي في عصور مختلفة على كتابة مؤلفات في بيان السياسة الشرعية فيما يجري في عصرهم ، دون نسبة لمؤلف ، وهذا أمر شمل غيرهم في بعض العصور حتى ألفت كتب في جمع الألفاظ والتراكيب ( الدبلوماسية ) التي تنقذ الكتاب من استبداد السلطة في حال المساءلة .
----------------
وأما سؤالك عن مدى وجود ضوابط لتعلم القوانين ؛ فالجواب : نعم توجد ضوابط لتعلم القوانين ، يمكن اختصارها في ثلاثة ضوابط رئيسة :
1) التأصيل الشرعي الصحيح القوي ( أخذ علم الشرع بقوة ) عقيدة وشريعة ، ولا سيما مع وجود التلازم الشديد بين العقيدة والشريعة في الإسلام .
2) النية الصالحة في تعلم القانون ، بتوظيفه في خدمة الشريعة ، جلبا للخير أو درءا للشر ، وذباً عن الشرع ، ومن علاماتها : استشارة أهل العلم ومراجعتهم فيما يشكل .
3) معرفة الحكم الشرعي في نظريات القوانين ومسائله محل التعلم ، ومعاملتها معاملة المسائل التي يجب معرفة حكم الشرع فيها ، فهي منتج بشري لا بد أن يكون للشرع فيه حكم .
فهي ليست صالحة لكل أحد ، ولا ينبغي أن ينصرف إليها إلا من كان متخصصا في الشريعة دارسا الفقه وأصول الفقه .
ومن الفتاوى التي تهم طلاب السياسة الشرعية في هذا الشأن ، فتوى سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في مجموع فتاواه ومقالاته ج2 ص 325 . وله ولغيره فتاوى كثيرة في الموضوع .
--------------------
وأما سؤالك الذي تضمن طلب فتوى ، فإنني أود أن أنبه إلى أن للفتاوى نافذة أخرى في الموقع ، ومن ثم لا أستطيع الجواب عليه إلا من وجه التنظير السياسي الشرعي العام ، وهو أن نعم ، هناك شروط في كل مسألة كانت لها جوانب إيجابية وأخرى سلبية ، وأكتفي بالإشارة هنا إلى أن المسألة محل التساؤل ، لها جوانب تتعدى آثارها إلى الأقليات في الجملة وإلى جهودها الدعوية في تحقيق غاية الجهاد ومقاصده في مواطنها ، كما تتعدى آثاره إلى مواطن الجهاد المشروع وما يخدمه من الرأي العام وما ينبثق عن ذلك من دعم مادي ومعنوي ، كما أن وسائل النفع المشروعة للبلاد المذكورة ، مما هو مقنن في بلاد الأقليات ، ربما تفوق مصالح الذهاب إليها ، ونحن نرى في فلسطين مثلا من المصالح التي تديرها مؤسسات إسلامية شعبية مأذونة ميسرة في بلاد الأقليات ما يفوق نفعه جهود بعض الدول في المنطقة ، بل وما لا يستطيع القيام به بصفة مأذونة إلا أولئك ، كالمدارس والمشافي وما يتبعها من سيارات الإسعاف وكميات الأدوية مثلا التي يحتاجها المدافعون عن أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وغيرهم . وما يخدم البنية التحتية والأسر المحتاجة والأسرى . ولو استنفرت جميع الجهود المأذونة لكان فيها من الكفاية والسلامة ما يدعم المرابطين في ثغور فلسطين مثلا . وكذا الشأن في العراق ، فوسائل التثبيت وآلياته المشروعة أوسع من الذهاب والقتال الذي يكفي فيه أهل تلك البلاد .
وأما سقوط جهاد الدفع ، فليس على إطلاقه ، بل يرجع فيه إلى فتاوى العلماء الربانيين من أهل العصر والمِصر الذي يتعرض للاحتلال ؛ ولا يسلم القياس على العهد المكي على إطلاقه لاختلاف الحال والصور ، وإن كان قد يسلم به في حالات مفاربة فيما يعرف بخشية الاصطلام ، فالعهد المكي كانت العصبة المسلمة محصورة ومحاصرة ولا معين لها من المسلمين في الخارج ، كما أن مقاصد الدعوة وآلياتها لم تتضح كما هو الحال فيما بعد فتح مكة وإلى عصرنا .
هذا ما تيسر كتابته هنا والله تعالى أعلم .
العلاقات جمع علاقة بفتح العين، وهو جمع مؤنث سالم، ومسموع عن العرب،
قال ذو الرمة:
وَقَد زَوَّدَت مَيٌّ عَلى النَأي قَلبَهُ ....... عَلاقاتِ حاجاتٍ طَويلٍ سَقامُها
وتجمع علاقة على علائق، وهو أكثر استعمالا ، وأنشدوا عليه قول الفرزدق:
حَمَّلتُ مِن جَرمٍ مَثاقيلَ حاجَتي ...... كَريمَ المُحَيّا مُشنَقاً بِالعَلائِقِ
وفي العلائق قال جرير:
لَقَد عَلِقَت بِالنَفسِ مِنها عَلائِقٌ ....... أَبَت طولَ هَذا الدَهرِ أَن تَتَصَرَّما
وقال قيس بن ذَرِيح:
تَهَيَّضَني مِن حُبِّ لُبنى عَلائِقٌ ....... وَأَصنافُ حُبٍّ هَولُهُنَّ عَظيمُ
وأما في الاصطلاح الحديث باعتبار تركيبه، فقد عرفت العلاقات الدولية بعدة تعريفات أوضحها أنها كافة أنواع الروابط والمبادلات التي تتم خارج حدود دولة واحدة. (العلاقات الدولية لعثمان ضميرية – ص 176).
ويعرفها عبدالعزيز خياط بأنها ما يكون بين الدول من روابط تقوم على أساس من قواعد عامة وضوابط تحكم تعاملها فيما بينها باعتبارها مستقلة. (المعاهدات والاتفاقات لعبدالعزيز خياط – بحث منشور في مجلة الفقه الإسلامي م 7 ج 4 سنة 1421هـ ص 50).
وموضوع هذا العلم هو النظر في ثلاثة أمور:
1. علاقات الدول في حالة الحرب.
2. علاقات الدول في حال السلم.
3. المعاهدات الدولية.
فهل يصح أن يطلق على هذا العلم العلاقات والعلائق معا؟
وهل أحد أطلق العلائق من قبل على هذا العلم؟
: مع تحفظي على بعض ما أوردته رعاك الله ، فإنني أقتصر على جواب سؤالك :
" فهل يصح أن يطلق على هذا العلم العلاقات والعلائق معا؟
وهل أحد أطلق العلائق من قبل على هذا العلم؟"
فأقول :
يمكن استعمالهما معا لاشتهار الأول وفصاحة الثاني ، على فرض صحة الأول وردوه في لغة العرب في ذات المعنى .
ولم أر من استعمل لفظ العلائق في بيان هذا العلم ، لكنه ورد في بعض المعاجم المعاصرة ، ورأيت الشيخ علي قراعة استعمل اللفظ مفردا في كتابه العلاقة بين دار الإسلام وغيرها ؛ ولدي شك أن يكون عدل عن الجمع لعدم وقوفه عليه في المعنى .