أسس السياسة الشرعية (6) الاستحسان / 2

د.سعد بن مطر العتيبي  | 9/10/1427

أنـواع الاستحسان .

بالنظر في تعاريف الاستحسان ، وتتبع نماذج الوقائـع التي يُمَثَّل له بها العلماء ، واستقراءِ جملة الأحكام التي استنبطها الفقهاءُ عن طريقه مـع ذكر مستنده - لا تكاد تخرج أنواعه من جهة مستنده - أي : دليله أو ما يعبر عنه في كتب الفقه بـ: وجه الاستحسان - عن نوعين :

الأول : العدول عن موجب القياس إلى قياسٍ أقوى منه ، أو الاستحسان بالقياس.
وحقيقته : تردد الفرع - في نظر المجتهد - بين أصلين ، له شبه بكلٍ منهما ؛ وإلحاقه بأقربهما شبها له ، وهذا لا يدرك إلا بعد التأمُّـل .
ويتضح ذلك في المسألة التي تَعْرِض للمجتهد وتكون محلاً للقياس ، ويكون لها شبه بأصلين ثبت لكلٍ منهما حكم شرعيٌّ ؛ غير أنَّ أحد الشبهين أقرب في تبادره إلى ذهن المجتهد من الآخر، والآخر أدعى إلى الميل إليه ، لكونه أدنى إلى تحقيق المصلحة ؛ فَيَعْدِل المجتهدُ عن الشَّبَه في الأصل المتبادر، ويُرَجِّح إلحاقَ المسألة بالأصل الذي دَقَّت فيه العِلّة ؛ لقوته وتَحَقُّقِ المصلحة فيه ، وخُلُوِّ الأصل الذي تبادر شَبَهُه عن ذلك . فهذا العدول والإلحاق يُعَدَّ في عرف الأصوليين نوعاً من أنواع الاستحسان ؛ والدليلُ الذي اقتضى هذا العدول يسمَّى وجه الاستحسان ، أي : سنده ؛ والحكم الثابت بالاستحسان هو الحكم المُسْتَحْسَن ، أي : الثابت على خلاف القياس الجليّ .
ويُمثِّل له علماء الأصول : بإدخال حقوق الارتفاق (1) في الأرض الزراعية ، في حال وقفها ، ولو لم ينصّ الواقف على ذلك ؛ مع عدم إدخالها في عقد البيع ما لم يُنَصّ على إدخالها فيه . فقد جاء عند الحنفية في هذه المسألة قولهم : القياس عدم دخولها ، والاستحسان دخولها (2)

الثاني : استثناء مسألة جزئية من أصل كلي ، لدليل يقتضي ذلك الاستثناء (3)
بيانـه : إذا عرضت للمجتهد مسألة تندرج تحت قاعدة عامَّة أو يتناولها أصلٌ كليٌّ ، و وجد المجتهد دليلاً خاصَّاً يقتضي استثناء هذه الجزئية من الأصل الكلي ، والعدول بها عن الحكم الثابت لنظائرها إلى حكم آخر ؛ للدليل الخاص الذي ظهر له ؛ فإنَّ هذا العدول الاستثنائي يعبَّر عنه بـ " الاستحسان " ، والدليل الذي اقتضاه هو : وجه الاستحسان ، والحكم الثابت به هو : الحكم المستحسن ، أي : الثابت على خلاف القياس ، والقياس هنا يراد به الأصل الكلي أو القاعدة العامَّة .
ويندرج تحت هذا النوع عدَّة فـروع ، منها :

الفرع الأول : الاستحسان بالإجماع .
وعرِّف بأنَّه : " انعقاد الإجماع الصريح أو السكوتي على حكم في مسألة ، يخالف قياساً أو قاعدة عامَّة " ( الاستحسان بين النظرية والتطبيق ، للشيخ د.شعبان إسماعيل :78 ) .
ويتحقق هذا النَّوع بإفتاءِ المجتهدين في حادثة ما ، على خلاف القياس أو الأصل العام أو القاعدة المقرَّرة في أمثالها ، أو بسكوتهم وعدم إنكارهم ما يفعله النَّاس ، إذا كان فعلهم مخالفاً للقياس أو الأصل المقرَّر .
مثالـه : الإجماع على جواز عقد الاستصناع (4) ؛ مع أنَّ مقتضى القياس عدم جوازه ؛ فإنّ المعقود عليه معدوم حال العقد ؛ وبيع المعدوم ممنوع بنص الحديث السابق ؛ لكن استثنى الفقهاءُ هذا العقد من حكم نظائره ؛ لجريان التعامل به من غير نكير من أهل العلم ، وتقريرهم على ذلك إجماع عمليٌّ (ينظر : تيسير التحرير ، لأمير بادشاه : 4/78 ) .
قال السرخسي : " تركنا القياس ؛ للإجماع على التعامل به فيما بين الناس من لدن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ إلى يومنا هذا ، وهذا ؛ لأنَّ القياس فيه احتمال الخطأ والغلط ، فبالنَّص أو الإجماع يتعين فيه جهة الخطأ فيه ، فيكون [ أي: القياس ] واجب الترك لا جائز العمل به في الموضع الذي تعين جهة الخطأ فيه " ( أصول السرخسي : 2/203).
الفرع الثاني : الاستحسان بالضرورة .
ويتحقق هذا النوع في كل جزئية يكون الأخذ بها وفق الأصل العام أو القواعد المقررة أو القياس أمراً متعذِّراً ، أو ممكناً لكنه يلحق بالمكلَّف مشقة وعسراً شديدين ؛ فيعدل بها عن مثل ما يحكم به في نظائرها استحساناً ؛ رفعاً لهذا الحرج ، ودفعاً لهذه الضرورة (5)
مثالـه : ما سبق من أنَّ المرأة كُلَّها عورة ؛ لكن أبيح للطبيب النظر إلى ما تدعو الضرورة إلى النَّظر إليه منها ، وذلك استحساناً ؛ لأجل الضرورة ؛ فيكون أرفق بالنَّاس . ( المبسوط ، لشمس الدِّين السرخسي :10/ 145. ويراجع ما مر في الحلقة الثانية من بيان ) .
وهكذا بقية أقسام الاستحسان كالاستحسان بقاعدة الذرائع ، وسنة الخلفاء الراشدين ، وغيرها ، فإنَّها راجعة في التقسيم إلى ما يعتمده المجتهد من الأدلَّة(6) .
وأما ما يعرف عند الحنفية بالاستحسان بالنص ، فقد استبعد من التقسيم لأنه عند التحقيق عمل بمقتضى النص ذاته ، فالحجة فيه النصُّ دون حاجة إلى طريق الاستدلال ، وإنَّما اعتبره الحنفية لأنهم لمحوا في هذا النوع - عندهم – كون النصوص فيه جاءت على نحو يشبه الاستثناء من جملة النصوص في الباب ، مقصودا بها رفع الحرج .
وهذا النَّوع المعروف عند الحنفية بـ ( الاستحسان بالنص ) لا ينكره أحد ، وإنَّما نُوزع في تسميته استحساناً .
ومع أن هذا النوع من الاستحسان من مدلولات الاستحسان عند الحنفية دون غيرهم وهو اصطلاح خاص بهم ولا مشاحَّة في الاصطلاح إذا علم المراد ، إلا أن الجمهور أفادوا منه في بيان سنن الشارع في تشريع المستثنيات واستدلوا به على حجية الاستحسان ببقية الأدلة والاستدلالات ؛ ومن هنا أدرجه المنظِّرون للاستحسان في أنواعه ؛ تعزيزاً لصحة الاستدلال به طريقاً من طرق الاجتهاد ؛ من حيث جريانه على منهج تشريعي ، يقضي باستثناءِ بعض الفروع من أحكام نظائرها ؛ رفعاً للحرج ودفعاً للضرر ؛ وعليه فيكون محلُّه من البحث الأصولي في مسألة حجية الاستحسان ، لا في أنواعه ، ولا عند بيان المراد به .

يتمم في الحلقة القادمة ، مع البدء في الحديث عن قاعدة الذرائع إن شاء الله تعالى .

---------------------

(1) مرافق الأرض : ما يرتفق به : أي يُنْتَفَعُ به ؛ وهي : حق مقرَّر على عقار ؛ لمنفعة عقار آخر ، دون نظر إلى مالكه ؛ كحق المرور ، الذي هو : حق الإنسان في الوصول إلى ملكه بالمرور في طريق عام أو طريق خاص . وحق المسيل ، الذي هو : حق صرف الماء الزائد عن الحاجة أو غير الصالح ، بإرساله في مجرى على سطح الأرض أو في أنابيب حتى يصل مستقرّه (الصرف) . وحق الشِّرب - بالكسر- و هو : النصيب المستحق من الماء ، أو نوبة الانتفاع بالماء لسقي الشجر والزرع ؛ ويلحق به : حق الشُّرب ، بضم الشين أو حق الشَّفه ، الذي يراد به : حق الإنسان والدَّواب في الشرب من الماء ، والاستغلال المنزلي على وجه العموم .
فائدة : ذكر الشيخ عبد الكريم زيدان أنَّ تسمية هذه الحقوق بـ " حقوق الارتفاق " ، تسمية حادثة ، أطلقها صاحب مرشد الحيران قدري باشا .
(2) وبيان هذه ذلك : أنَّ لهذه المسألة شبهان :
- شبه بالبيع بجامع الخروج من الملك في كلٍ - من ملك البائع بالبيع ، ومن ملك الواقف بالوقف - وهو القياس الظاهر المتبادر ؛ ومقتضى ذلك عدم دخول الحقوق الارتفاقية ما لم ينصّ الواقف على ذلك ؛ كالبيع .
- وشبه بالإجارة بجامع ملك الانتفاع بالعين – إذ الوقف يفيد ملك الانتفاع بالعين الموقوفة بالنسبة للموقوف عليه ، و الإجارة تفيد ملك الانتفاع بالعين المؤجَّرة بالنسبة للمستأجر ، وذلك مع عدم ملكهما للعين المؤجَّرة أو الموقوفة - ؛ ومقتضى ذلك دخولها في الوقف ولو لم ينص الواقف عليه ؛ فقد رآى هؤلاء أنَّ هذا الشبه يصلح علَّة لإلحاق الوقف بالإجارة ، مع كونه قياساً خفيَّاً لا يتبادر إلى الذهن كسابقه ؛ بل يحتاج إلى مزيد تأمُّل وتعمُّق في تصور المسألة بجميع جوانبها ؛ ومع خفائه إلا أنَّهم رجحوه ؛ لقوته وتحقق المصلحة به ؛ لأنَّ الغرض من وقف الأرض الزراعية انتفاع الموقوف عليه بها ، وهذا لا يتحقق إلا بانضمام الحقوق الارتفاقية إلى الأرض في الوقف ، كما أنَّ المستأجر لا يتحقق غرضه من الاستئجار إلا بذلك .
فالاستحسان هنا ترجيح المجتهد للقياس الخفيّ على القياس الجلي ؛ ووجهه وسنده : أنَّ القياس الخفي هنا أقوى تأثيراً في الحكم من القياس الجلي ؛ لأنَّ المقصود بالوقف الانتفاع من الموقوف لا تَمَلّك عينه ، وحيث إنَّ الانتفاع لا يَتَأَتَّى بدون الحقوق الارتفاقية ؛ فيلزم دخولها في الوقف تبعاً ، كما هو الحكم في الإجارة .
(3) والقسم الأول داخل في القسم الثاني ؛ لأنه استثناء من القياس الظاهر ، وإنما أُفرد ؛ لأهميته بالنسبة للفقه الحنفي . ينظر : رفع الحرج في الشريعة الإسلامية ، لشيخنا د. يعقوب الباحسين : 296 .
(4) الاستصناع : طلب الصنع وسؤالـه . وصورة المراد به : أن يقول شخص لآخر من أهل الصنائع : اعمل لي خفاً أو آنية من أديم أو نحاس – أو غيرها – من عندك ، بثمن كذا ، ويبين نوع ما يعمل ، وقدره وصفته ؛ فيجيبه الصانع بأن يفعل له ما طلب .
(5) الضرورة هي : هي الحالة التي تطرأ على الإنسان بحيث لو لم تراع لجُزِم أو خِيْفَ أن تضيع مصالحه الضرورية ؛ التي لابد منها في حفظ الأمور الخمسة . ينظر : رفع الحرج في الشريعة الإسلامية ، ليعقوب الباحسين : 438 ففيه بحث قيم جدا في بيان معنى الضرورة.
(6) ينظر : المنخول ، للغزّالي : 478-479 ؛ وأصول السرخسي : 2/200 وما بعدها ؛ والاعتصام ، للشاطبي : 2/ 139 وما بعدها ؛ وتعليل الأحكام ، د.محمد شلبي :354 وما بعدها ؛ ورفع الحرج في الشريعة الإسلامية ، لشيخنا د. يعقوب الباحسين : 315 وما بعدها ؛ والاستحسان بين النظرية والتطبيق ، د. شعبان محمد إسماعيل : 75 وما بعدها ؛ والمصادر السابقة .



  

فصل الدين عن السياسة : السلام عليكم و رحمة الله أود أن أسأل عن حكم فصل الدين عن السياسة ؟ و كيف يرد ( بضم الياء ) على من يدعو لمثل هذا قائلا ، منذ أن أدخلنا الإسلام في سيء الذكر ( السياسة ) و نحن في إنحدار ؟

أتمنى أن توافوني برد مقنع و بعض الأشرطة السمعية أو الكتب لكي نستطيع أن نرد على من يتزعم هذا القول

و فقكم الله
الأخ الكريم / عبد الله السعدان :
وعليكم السلام و رحمة الله وبركاته
أجيبك باختصار لأن المساحة محدودة ثم هذا الموضوع أحد المحاور التي سيتم الحديث عنها ضمن هذه السلسلة إن شاء الله تعالى .

فأولاً : سؤالك عن حكم فصل الدين عن السياسة ؟
وجوابه يتضح من فتاوى علماء الأمة ومنه ما حررته اللجنة الدائمة في الإفتاء في المملكة :
س9: ما القول في الذين يقولون: لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة ؟
ج9: جاءت الشريعة الإسلامية بالسياسة الصحيحة بين الدولة الإسلامية وغيرها من الدول في السلم والحرب ، وبالسياسة الصحيحة الناجحة التي يجب أن يعامل بها ولاة أمور المسلمين للأمة الإسلامية ويسوسوهم بها في دينهم ودنياهم.
أما السياسة الماكرة المكر السيئ، المبنية على الفسق والخداع والكذب ونقض العهود والمواثيق والغدر وعدم الوفاء بالوعود فلم تأت بها الشريعة الإسلامية، ومن تتبع نصوص الكتاب والسنة النبوية والسيرة العملية للنبي -صلى الله عليه وسلم- وجدها مليئة بالسياسة الصادقة العادلة مع من يواليها ومن يعاديها.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
(فتاوى اللجنة الدائمة : 23/401- 402) .

-------------

و ثانيا سؤالك : كيف يرد ( بضم الياء ) على من يدعو لمثل هذا قائلا ، منذ أن أدخلنا الإسلام في سيء الذكر ( السياسة ) و نحن في إنحدار ؟
يقال : فصل الدين عن الدولة لم يقل به أحد من علماء الإسلام من قبل ، وإنما شوّش به الشيخ علي عبد الرازق ( 1305 - 1386 هـ ) بتأليفه كتابا صغيرا بإيعاز بريطاني للحيلولة دون عودة الأمة إلى وحدتها بعد إلغاء الخلافة العثمانية ، واسم كتابه المذكور : ( الإسلام وأصول الحكم ) وقد ناقض نفسه فيه إذ قال : " كان سلطان النبي صلى الله عليه وسلم شاملا فلا شيء مما تمتد إليه يد الحكم إلا وقد شمله سلطان النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا نوع مما يتصور من الرياسة والسلطان إلا وهو داخل تحت ولاية النبي صلى الله عليه وسلم على المؤمنين " فهذه الجملة من كتابه نقضت كتابه نقضا ولله الحمد . وقد عقدت له هيئة كبار العلماء مجلسا تأديبيا برئاسة شيخ الأزهر ؛ فثبت لديهم انحرافه الفقهي وعلاقته بأعداء الأمة ، وصدر الحكم بناء على ذلك بمحو اسمه من سجلات الأزهر والمعاهد الأخرى ، وطرده من وظيفته ، وعدم أهليته للقيام بأي وظيفة دينية أو غير دينية.

وهذا الكتاب نقضه كثير من العلماء الكبار كالشيخ محمد الخضر حسين وعدد من كبار رجال القانون كالدكتور عبدالحميد متولي ... ولا يكاد يؤلف أحد من الكتاب والباحثين في نظام الحكم في الإسلام منذ ظهر هذا الكتاب إلا وتجده يرد عليه ويبطل قوله . ونقضه سهل بالنصوص الواردة في السياسة و وجوب الحكم بما أنزل الله تعالى .

كما يمكنك رد هذه المقولة بكلام كثير من المستشرقين المنصفين مثل توماس أرنولد وجوزيف شاخت ومما قاله : " الإسلام يعني أكثر من دين : إنه يمثّل أيضاً نظريات قانونية وسياسية ؛ وجملة القول إنه نظام كامل من الثقافة يشمل الدين والدولة معاً " .

ومن الردود المختصرة ما جاء في كتاب : دراسة في منهاج الإسلام السياسي ، لسعدي أبو جيب .

وقريبا إن شاء الله تعالى سأنشر مقالا عن : الدولة الإسلامية بين الثيوقراطية و المدنية بمفهومها الغربي . والله الموفق .

جزيت خيرا شخينا الفاضل , ونفع بك الإسلام والمسلمين , فأثرك علينابائن وكبير , لاحرمنا الإفادة منك دوما ...

  

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><br>

تصفح الموقع عن طريق الجوال RSS  تابع الموقع عن طريق