د.نهار العتيبي | 8/9/1427
المقصود هنا بصيام الجوارح هو حفظها من كل قول أو فعل محرم يؤدي إلى تقليل أجر الصائم وقد بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الأقوال والأفعال المحرمة تنقص من أجر الصائم حيث قال "من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" رواه البخاري وأبو داود. ونسبة الصيام هنا للجوارح هو من باب نسبة الفعل إلى جارحة الفاعل لأنه هو الذي قام بهذا الفعل وقد نسب النبي صلى الله عليه الفعل إلى الجوارح فقال "العينان تزنيان وزناهما النظر واللسان يزني وزناه النطق والفرج يصدق ذلك أويكذبه.... متفق عليه" قال ابن حجر رحمه الله في كتابه فتح الباري"واحتج للشافعي فيما ذكر الخطابي بأن الأفعال تضاف للأيدي لقوله تعالى: (فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) (الشورى: من الآية30) وقوله: (بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ) (الحج: من الآية10) وليس المراد في الآيتين جناية الأيدي فقط بل جميع الجنايات اتفاقا فكأنه إذا قال زنت يدك وصف ذاته بالزنا لأن الزنا لا يتبعض....".
ووقوع الجوارح هنا في المحرمات ليس من المفطرات الحسية للصائم، ولهذا قال العلماء إن هذه المعاصي تؤدي إلى نقصان أجر الصائم وقد نقل ابن الوزير الاتفاق على أن الكذب والغيبة يكرهان للصائم ولا يفطرانه، وهذه الجوارح التي يجب على المسلم حفظها ومنعها من فعل المحرمات والحرص على أن تصوم عنها هي ما يلي:
1- صيام اللسان: صيام اللسان هو منعه من القول المحرم سواء في نهار رمضان أثناء الصيام أو في الليل بعد إفطار الصائم وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم خطورة اللسان على صيام المسلم بقوله: "من لم يدع قول الزور" والمقصود بقول الزور هو كل قول مائل عن الحق ومنه الكذب والبهتان والسب والشتم والغيبة والنميمة ومن أعظمه شهادة الزور الكاذبة في أخذ الباطل أو إبطال الحق.وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أهمية حفظ الصيام من كل قول محرم يخل بهذا الصيام فقال صلى الله عليه وسلم "إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم" متفق عليه. وقد بين الله تعالى في كتابه الكريم أن الإنسان محاسب على كل كلمة يقولها فقال سبحانه وتعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (قّ:18)، والرقيب: هو ملك يراقبه وأما العتيد:أي أنه حاضر معه.كما نبه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهمية حفظ اللسان فقال: "من يضمن لي مابين لحييه – أي لسانه- ومابين رجليه – أي فرجه – أضمن له الجنة" متفق عليه. قال النووي رحمه الله: اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلاما ظهرت فيه المصلحة ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة فالسنة الإمساك عنه لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه وذلك كثير في العادة والسلامة لا يعدلها شيء.
2- صيام العينين: صيام العينين يكون بامتناعهما عن النظر لكل ما هو محرم من عورات لا تحل أو نساء متبرجات أو نظر امرأة لرجل بشهوة أو غير ذلك فإن وقع المسلم في شيء من ذلك فإن ذلك ينقص أجر صيامه وقد نبه إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما نسب الزنا إلى العينين عند النظر إلى ما هو محرم فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العينين النظر وزنا اللسان النطق والنفس تمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه " متفق عليه. قال ابن حجر في فتح الباري قال ابن بطال: سمي النظر والنطق زنا لأنه يدعو إلى الزنا الحقيقي، ولذلك قال " والفرج يصدق ذلك ويكذبه.
3- صيام الأذنين: صيام الأذنين يقتضي منعهما من الاستماع للكلام المحرم كالاستهزاء بالله عز وجل أو برسوله صلى الله عليه وسلم أو بالدين الإسلامي أو بشعيره من شعائره أو كالغيبة أو النميمة أو الأغاني المحرمة ومما يدل على نقص الصيام عند استماع الكلام المحرم نهي النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال "من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" ولاشك أن استماع المحرمات هو من الجهل الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث.وقد نهى الله تعالى في كتابه الكريم عن استماع المحرمات فقال سبحانه: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ...) (القصص: من الآية55)، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) (المؤمنون:3)، وقال سبحانه: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء: من الآية36) وأما إذا وجد المسلم أو المسلمة في مكان فيه غيبة أو نميمة فإنه إما أن يرد عن عرض أخيه المسلم ويمنع المغتاب أو النمام من ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة" رواه الترمذي وأحمد بسند حسن.وإذا لم يستطع المسلم الرد عن عرض أخيه أو كان في مجلس فيه كلام محرم كسب الله جل جلاله أو سب النبي صلى الله عليه وسلم أو سب الإسلام أو غيبة أو نميمة فإنه يجب عليه أن يفارق هذا المجلس لقول الله تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (الأنعام:68)، وقوله سبحانه: (الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا) (الأنعام: من الآية68) أي: الذين يخوضون فيها بالطعن والاستهزاء.
وكذا يحرم على المسلم استماع الأغاني لما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام البخاري تعليقاً ووصله ابن حجر حيث قال: "ليأتين على الناس زمان يستحلون فيه الحر والحرير والخمر والمعازف".
| وسمعك صن عن سماع القبيح | تصون اللسان عن النطق به | |
| فإنك عند استماع القبيح | شريك لقائله فانتبه |