| 6/3/1427
لم يطق الرئيس المصري الراحل أنور السادات هامش الديمقراطية المحدود جدا الذي كان منحه للمعارضة المصرية قبل أكثر من ربع قرن؛ فاستدرك على المعارضة موضحاً بأن "الديموقراطية لها أنياب", وسرعان ما وصلت أنياب الديمقراطية إلى المعارضين فأودعوا السجون جميعاً من أقصى اليمين إلى اليسار. وقد زارت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس برفقة نظيرها البريطاني جاك سترو معلنين عن صفات رئيس الحكومة العراقية الجديد, فقالت رايس عنه في مؤتمرها الصحفي الذي عقدته بعاصمة البلد المحتل أنه "ديمقراطي قوي".
وبين الاصطلاح الساداتي والتوصيف الرايسي تشابه كبير, كلاهما يضع البطش مقنعاً بـ"القوة" إلى جوار الديمقراطية, يمتزجان في وعاء الديمقراطية الزائفة.
الفارق الوحيد بين مصطلحي السادات ورايس هو التباين بين عصري الديبلوماسية الصريحة والديبلوماسية المتجملة, وكلاهما يعني مذبحاً واحداً لهذه الديمقراطية التي جاءت رايس, ومعها سترو من أم الديمقراطيات وأقدمها/بريطانيا ليفرضاها عبر خيارهما المشترك على الأحزاب العازفة على وتر الاحتلال.
في عرف رايس فإن الرجل المناسب لرئاسة الحكومة هو رجل ديمقراطي لكنه قوي, وفي حين يدعي الحكام جميعهم وصلاً بالديمقراطية مرتدين ثوبها الفضفاض الذي يمكن تفصيله على مقاساتهم المتراوحة بين الضيق والاتساع ما يجعلها مصطلحاً هلامياً يتسع لكل دعي, يبقى مصطلح "القوة" صارماً يحمل في طياته البطش الذي يمكن تفهمه في ظل وضع يشهد سقوط عشرات القتلى كل يوم في العراق لاسيما في عاصمة الرشيد.
إذن باختصار ما ارتضته رايس لنا في العراق هو الخيار الديمقراطي القوي أو إذا ما أردنا أن نجرد المعنى الآخر قلنا "الخيار الديمقراطي الديكتاتوري", وهو بالفعل ذاك الذي ارتضته لنا في معظم بلداننا العربية, ليصبح الحلم الديمقراطي هنا في عالمان العربي هو الحلم الديكتاتوري, طبقاً لقواعد علم الجينات السياسية التي تجعل الديكتاتورية "صفة سائدة" والديمقراطية "صفة متنحية", حيث تنزوي الديمقراطية لحساب الديكتاتورية, ويصبح ـ طبقاً لهذا المنطق ـ القابع خلف قفص المحاكمة في المنطقة الخضراء هو الرجل المناسب لهذه المرحلة لأنه "ديمقراطي قوي" أيضاً, وهذا ما يوقع المشروع الأمريكي في حرج قيمي..
والمشكلة هنا في الحقيقة ليست في هذه الصفات التي وضعتها وزيرة الخارجية الأمريكية ولا في الصفات ولا في الجدل حولها, لاعتبار ألا مشاحة في الاصطلاح كما يقول علماء الأصول, وإنما المشكلة الكبرى أن رايس امتنعت عن تسمية رئيس الحكومة العراقية القادم بالفعل, فقط لتحتفظ للعراقيين الموالين لها بمسحة استقلال عن القرار الاحتلالي تمنحهم فرصة الاستتار خلف "الخيار الديمقراطي الشعبي المستقل", فيما بات الجميع يدرك أن رايس وسترو قد حضرا خصيصاً لتسمية رئيس الحكومة وتركا الإعلان عنه للطغمة المؤتمرة بأمري واشنطن وطهران, بعد أن عجزت الأحزاب ذات التمثيل الأعلى في البرلمان العراقي عن تشكيل الحكومة العراقية منذ أعلنت نتائج الانتخابات البرلمانية قبل أكثر من مائة يوم.
هذا الاستقلال المنقوص دوماً قد شرعنه سترو صراحة حينما ذكر الجميع في عاصمة الرشيد بأن لدى مملكته والولايات المتحدة جنوداً يسقطون في العراق, ومن ثم فمن حقهم (كمحتلين) أن يكون لهم رأيهم هنا في مسألة اختيار رئيس الوزراء.. في دولة الخلافة العباسية البائدة..
بقلم: أمير سعيد